منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العلاج النفسي حق إنساني أم رفاهية؟.. واقع الصحة النفسية في المنطقة العربية 2026

10 أغسطس 2026
واقع الصحة النفسية في العالم العربي يثير القلق
واقع الصحة النفسية في العالم العربي يثير القلق

يشهد عام 2026 تحولاً جوهرياً في مقاربة الصحة النفسية، حيث لم تعد تُعتبر قضية صحية ثانوية، بل بدأت تتبلور كحق أساسي من حقوق الإنسان، يرتبط بالكرامة والمساواة وعدم التمييز.

لكن يبقى السؤال الجوهري.. هل انتقل هذا المفهوم من كونه شعاراً نظرياً إلى واقع ملموس في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

يستعرض هذا التقرير المشهد المتغير للحق في الصحة النفسية في المنطقة خلال عام 2026، مع التركيز على دول المغرب العربي (المغرب، تونس، الجزائر، ليبيا ومصر)، مستنداً إلى التطورات التشريعية والتصريحات الرسمية والإحصاءات الموثقة.

وعلى الصعيد العالمي، تؤكد بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2026 أن أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية، وأن الاستثمار في هذا القطاع لا يزال متواضعاً، إذ لا يتجاوز متوسط الإنفاق الحكومي 2% من إجمالي ميزانيات الصحة، مع فجوات صارخة بين الدول المرتفعة والمنخفضة الدخل.

وفي هذا السياق، قال الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام للمنظمة: “إن إحداث تحوّل في خدمات الصحة النفسية هو واحد من أكثر التحديات إلحاحاً.. ويقع على عاتق كل حكومة مسؤولية اتخاذ إجراءات عاجلة وضمان ألا تعامل رعاية الصحة النفسية على أنها امتياز فحسب بل على أنها حق أساسي للجميع”.

أمراض عقلية ونفسية

في المغرب، كشف تقرير صادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مارس 2026 عن حقائق مقلقة بشأن الصحة النفسية، حيث أشار إلى أن 17% من المغاربة يعانون من أمراض عقلية ونفسية، لكن المنظومة الصحية لا تمنح هذا القطاع الأولوية اللازمة.

ورصد التقرير اختلالات كبيرة، منها نقص حاد في الموارد البشرية المتخصصة، وضعف بنيات الاستشفاء، واكتظاظ بعض المؤسسات بنسبة وصلت إلى 190%، واستمرار حالات الانتحار.

وأشار التقرير إلى وضعيات حرجة في بعض المستشفيات، مثل مصلحة الأمراض النفسية بمستشفى مولاي الحسن بالعيون، حيث تم رصد ضعف الصيانة ونقص الأدوية وغياب التكفل الأسري بعد العلاج.

وأوصى المجلس بالتسريع باعتماد قانون جديد لمكافحة الاضطرابات العقلية وحماية حقوق المصابين، وتكثيف حملات التوعية للحد من الوصم والتمييز .

وتؤكد أرقام وزارة الصحة المغربية لعام 2025 حجم التحدي، حيث لا يتوفر القطاع العام سوى على 319 طبيباً متخصصاً في الطب النفسي، وهو عدد لا يستجيب للمعايير العالمية التي توصي بـ 15.3 طبيباً لكل 10,000 نسمة.

وفي تصريح سابق، كشف وزير الصحة المغربي، أمين التهراوي، في أبريل 2025 عن انطلاق الإعداد لاستراتيجية وطنية في مجال الصحة النفسية، مع مراجعة الإطار القانوني ووضع بروتوكولات علاجية للاضطرابات ذات الأولوية، كما أعلن عن تخصيص 123 منصباً مالياً خلال سنتي 2024-2025 لتجاوز النقص في الكوادر .

أرقام مثيرة للقلق

أما في تونس، فتبرز أرقام مثيرة للقلق، حيث يحتل البلد المركز الرابع عالمياً في معدلات الاكتئاب والأول على مستوى إفريقيا، بنسبة 6,120 حالة لكل 100,000 نسمة، أي أن نحو 732,900 تونسي يعانون من الاكتئاب.

ويربط المحللون هذا الانتشار المرتفع بعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية مستمرة، إضافة إلى البنية التحتية غير الكافية لخدمات الصحة النفسية.

وفي مصر، يظل القانون رقم 71 لسنة 2009 الإطار التشريعي الأساسي لحماية حقوق المرضى النفسيين، حيث يضع ضوابط صارمة للحجز الإلزامي ويحظر الإبقاء لأكثر من أسبوع إلا بعد تقييمين نفسيين مستقلين.

لكن تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2026 أشار إلى تحديات أوسع، حيث قوّضت الأزمة الاقتصادية المطولة واستجابة الحكومة لها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، بما يشمل الحق في الصحة.

ووثّق التقرير معاناة السجناء في ظروف ترقى إلى سوء المعاملة، بما في ذلك الحرمان من الرعاية الصحية، مع تسجيل 44 حالة وفاة في الاحتجاز حتى سبتمبر 2025.

فجوات في الإطار القانوني

في ليبيا والجزائر، تشير المعطيات المتاحة إلى وجود فجوات في الإطار القانوني والبنية التحتية للصحة النفسية، حيث تعاني هذه الدول من تداعيات النزاعات وعدم الاستقرار السياسي التي تعيق تطوير نظم الصحة النفسية وفق المعايير الدولية.

ورغم التقدم التشريعي في بعض الدول، يبقى التحدي الأكبر هو سد الفجوة بين النصوص القانونية والتنفيذ الفعلي، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية، وإنهاء الممارسات القسرية، ومواجهة الوصمة الاجتماعية، وضمان التغطية التأمينية لخدمات الصحة النفسية للجميع، لضمان أن يصبح العلاج النفسي حقاً مكفولاً وليس مجرد شعار.