تواجه نيكاراغوا مرحلة جديدة من تضييق المجال السياسي بعد أن أحال الرئيس دانييل أورتيغا إلى الجمعية الوطنية مشروع تعديل دستوري يقترح تمديد مدة الرئاسة إلى سبع سنوات قابلة للتجديد، بالتوازي مع نصوص تستهدف منع من تصفهم السلطات بـ«الخونة» أو المتهمين بالتخطيط لانقلاب من المشاركة في الانتخابات.
ويأتي المقترح بعد سلسلة من التغييرات الدستورية والقانونية التي أعادت تشكيل مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل التطور الجديد يتجاوز مسألة تعديل مدة الولاية إلى سؤال أكثر جوهرية حول قدرة القانون نفسه على ضمان المنافسة السياسية عندما تُمنح السلطة صلاحية تحديد من يحق له أن يكون منافساً ومن يُستبعد مسبقاً من العملية الانتخابية.
وبحسب مسودة الإصلاح التي أرسلت إلى البرلمان في 28 يوليو ، تقترح الرئاسة رفع مدة الولاية من ست إلى سبع سنوات «قابلة للتجديد»، بعد عام واحد فقط من تعديل سابق رفعها من خمس إلى ست سنوات.
وأعلن رئيس الجمعية الوطنية غوستافو بوراس أن المقترح يتضمن استبعاد الأشخاص الذين تصنفهم الدولة باعتبارهم «خونة» وأعضاء في معارضة تتهمهم بالتخطيط لانقلاب من الترشح للانتخابات.
ومن المتوقع أن تناقش الجمعية، التي يهيمن عليها الحزب الحاكم، التعديل بصورة نهائية في سبتمبر المقبل.
انتقادات دولية واسعة
تزداد دلالة هذا التعديل لأنه جاء بعد أيام من إعلان أورتيغا، في 20 يوليو، أن بلاده لن تسمح مستقبلاً بانتخابات يمكن للمعارضة من خلالها الوصول إلى السلطة، وهو تصريح أثار انتقادات دولية واسعة.
وبذلك لا يظهر التعديل المقترح كإجراء دستوري منفصل، بل كخطوة يمكن أن تمنح غطاءً قانونياً لتوجه سياسي أُعلن بصورة مباشرة قبل تقديم النص إلى البرلمان، فحين تسبق السلطة التعديل بالإعلان عن نيتها منع خصومها من الوصول إلى الحكم، يصبح تقييم النص مرتبطاً ليس فقط بما يقوله حرفياً، وإنما بالطريقة التي يمكن أن يستخدم بها داخل البيئة السياسية القائمة.
وهنا تحديداً تظهر الإشكالية الحقوقية، فالحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة والترشح والانتخاب لا يعني أن الدول ممنوعة من وضع شروط قانونية للترشح، لكن المعايير الدولية تشترط أن تكون القيود موضوعية ومعقولة وألا تستخدم بصورة تعسفية لإقصاء خصوم سياسيين.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً عندما تستخدم أوصاف واسعة مثل «الخيانة» أو «التآمر على الدولة» من دون معايير دقيقة أو ضمانات قضائية مستقلة، لأن السلطة التي تملك تعريف المعارض بوصفه خائناً تستطيع عملياً الانتقال من منافسته في صناديق الاقتراع إلى استبعاده قبل الوصول إليها.
تشريعات تحظر الترشح
هذه المخاوف ليست افتراضية في الحالة النيكاراغوية، فقد استخدمت السلطات منذ عام 2020 تشريعات تحظر على من تصفهم بـ«الخونة للوطن» الترشح للمناصب العامة، وكانت هيومن رايتس ووتش قد حذرت سابقاً من اتساع صياغة هذه النصوص، إذ تشمل أفعالاً مثل «الإضرار بالمصالح العليا للأمة» أو «تقويض الاستقلال والسيادة»، وهي مفاهيم يمكن تفسيرها بصورة واسعة.
كما وثّقت المنظمة استخدام تغييرات انتخابية وقوانين أمنية خلال انتخابات سابقة لمنع أو تقييد مشاركة معارضين، إلى جانب السيطرة المتزايدة على المؤسسات المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية.
ولا يأتي التعديل الجديد في بيئة سياسية تعددية أصلاً، ففي يناير 2025 أقرت الجمعية الوطنية إصلاحاً دستورياً واسعاً جعل روزاريو موريو، زوجة أورتيغا ونائبته سابقاً، «رئيسة مشاركة»، ومنح الرئاسة صلاحيات أوسع في «تنسيق» عمل السلطتين التشريعية والقضائية.
وكانت نيكاراغوا قد ألغت حدود عدد الولايات الرئاسية منذ عام 2014، بينما تقول هيومن رايتس ووتش إن السنوات الأخيرة شهدت استمرار الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري وسحب الجنسية ومصادرة الممتلكات والنفي القسري بحق منتقدين، إلى جانب إغلاق آلاف منظمات المجتمع المدني، وبذلك يصبح تمديد الولاية إلى سبع سنوات جزءاً من تراكم دستوري ومؤسسي أوسع أدى تدريجياً إلى تركيز السلطات داخل مؤسسة الرئاسة.
وتظهر خطورة هذا التراكم عندما تتحول النصوص الدستورية من وسيلة لتقييد السلطة إلى أداة لتوسيعها، فالدستور يفترض، من منظور دولة القانون، أن يحدد قواعد المنافسة ويضمن الحقوق السياسية للجميع، بمن فيهم المعارضون، لا أن يسمح للأغلبية الحاكمة بإعادة رسم شروط المنافسة كلما اقترب استحقاق سياسي جديد.
وإذا كانت الجهة المسيطرة على البرلمان تستطيع تمديد مدة الحكم، وإعادة تعريف موقع الرئاسة، والتأثير في استقلال بقية السلطات، ثم تحديد الفئات المسموح لها بالترشح، فإن الانتخابات قد تبقى موجودة شكلياً من دون أن تؤدي وظيفتها الأساسية باعتبارها وسيلة حقيقية لتداول السلطة.
تحذيرات من قمع المعارضة
من جانبه، وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، قبل الإعلان عن التعديل الأخير بأيام، المجال المدني في نيكاراغوا بأنه أصبح «شبه مغلق»، محذراً من أن منع المعارضين من المشاركة سيعمق قمع المعارضة السياسية، كما أثار مسألة إلغاء تراخيص محامين من دون توضيحات قانونية.
وطالب بالإفراج عن أشخاص قال إنهم محتجزون تعسفياً لأسباب سياسية، ولا ترتبط هذه القضايا بالانتخابات بصورة منفصلة؛ فالمنافسة السياسية تحتاج إلى محامين مستقلين، وإعلام قادر على العمل، وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني، وبيئة تسمح للمعارضين بالتنظيم والتعبير من دون الخوف من الاعتقال أو فقدان الجنسية أو الممتلكات.
وتشير تقارير حقوقية صادرة خلال 2026 إلى أن هذه البيئة تراجعت بصورة متواصلة، فوفق هيومن رايتس ووتش، أغلقت السلطات منذ عام 2018 أكثر من 5,500 منظمة، أي نحو 80% من المنظمات التي كانت ناشطة في البلاد، كما انسحبت نيكاراغوا أو خفضت تعاونها مع عدد من المنظمات والآليات الدولية.
ولم تسمح لهيئات مراقبة حقوق الإنسان الدولية بدخول البلاد منذ عام 2018، أما منظمة العفو الدولية فتقول إن أنماط القمع شملت الحرمان التعسفي من الجنسية وتقييد حرية الحركة والاعتقال والاختفاء القسري والقيود الشديدة على التعبير والتنظيم.
وهذا السياق هو ما يجعل عبارة «منع الخونة من الانتخابات» أكثر حساسية من الناحية الحقوقية، ففي نظام تتوفر فيه سلطة قضائية مستقلة وضمانات قوية للدفاع والمراجعة، يمكن تقييم أي قيد على الأهلية السياسية من خلال إجراءات قانونية واضحة.
وعندما تكون المؤسسات نفسها موضع انتقاد بسبب تركيز السلطة، فإن منحها قدرة إضافية على تصنيف المعارضين واستبعادهم يخلق خطر أن تتحول التهمة السياسية إلى حكم مسبق بحرمان الشخص من حقه في المشاركة العامة.
حماية السيادة والاستقرار
في المقابل، تقدم السلطات النيكاراغوية هذه الإجراءات ضمن خطاب حماية السيادة والاستقرار ومنع القوى التي تتهمها بالعمل مع جهات أجنبية من العودة إلى الحكم، ويصف أورتيغا قطاعات واسعة من المعارضة بأنها مرتبطة بمحاولات للإطاحة بالحكومة منذ احتجاجات عام 2018.
لكن حماية النظام الدستوري لا تعني منح السلطة حق إلغاء التعددية السياسية نفسها؛ فالقيود على الحقوق السياسية، حتى عندما تبرر بالأمن أو حماية النظام العام، تحتاج إلى معيار فردي وإجراءات عادلة ولا يجوز أن تتحول إلى تصنيف جماعي يمنع تياراً سياسياً بأكمله من المنافسة.
ولذلك فإن القضية التي تفتحها تعديلات يوليو لا تتعلق فقط بما إذا كانت ولاية الرئيس ستصبح سبع سنوات بدلاً من ست، بل بما إذا كانت نيكاراغوا تتجه إلى إنشاء نظام يصبح فيه حق المشاركة السياسية مشروطاً بموافقة السلطة التي يفترض أن ينافسها المرشحون.
وإذا أقر التعديل في سبتمبر كما هو متوقع، فإن السؤال الأساسي لن يكون عن موعد الانتخابات التالية فقط، وإنما عن طبيعتها: هل ستبقى آلية يستطيع المواطن من خلالها الاختيار بين بدائل حقيقية، أم تتحول إلى عملية يحدد النظام السياسي مسبقاً الأطراف التي يسمح لها بالدخول إليها؟
التراجع عن الحقوق السياسية
من هنا تصبح الأزمة في نيكاراغوا مثالاً على مسار أوسع يمكن أن يحدث من داخل القانون نفسه؛ فالتراجع عن الحقوق السياسية لا يحتاج دائماً إلى إلغاء الدستور أو تعطيل المؤسسات.
ويمكن أن يجري عبر سلسلة من التعديلات التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أكبر، وتضيق المجال المدني، ثم تعيد تعريف من يمتلك الحق في المنافسة.
وعند هذه النقطة يصبح الاختبار الحقيقي لدولة القانون ليس وجود الانتخابات في النصوص، وإنما قدرة المعارض على الوصول إلى صندوق الاقتراع وهو لا يزال معارضاً.
