تواصل النساء في ولاية قندهار الأفغانية البحث عن وسائل للبقاء بعد سنوات من القيود التي فرضتها حركة طالبان على عمل المرأة، إذ تحوّلت مئات المتعلمات والموظفات السابقات إلى ممارسة التطريز اليدوي التقليدي من داخل منازلهن، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهن، رغم أن العائد المالي لا يتناسب مع الجهد والوقت الذي تتطلبه هذه الحرفة.
وأفاد موقع “أفغانستان إنترناشيونال”، بأن العديد من النساء اللاتي فقدن وظائفهن في المؤسسات الحكومية والخاصة بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، اتجهن إلى تطريز الياقات القندهارية التقليدية باعتبارها مصدر الدخل الوحيد المتاح لهن، في ظل استمرار القيود المفروضة على عمل النساء خارج المنازل.
تؤكد شهادات النساء أن هذا التحول لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية. فبعد أن كُنَّ يعملن في مؤسسات حكومية أو منظمات إنسانية، وجدن أنفسهن محرومات من مصدر رزقهن، ما دفعهن إلى تعلم حرفة تحتاج إلى مهارة وصبر، لكنها لا توفر دخلاً يكفل حياة كريمة.
من الوظيفة إلى العمل المنزلي
تروي نجلاء إلهام، التي كانت تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، أنها كانت تعتمد على راتبها لتغطية نفقات المعيشة، إلا أن قرار منع النساء من العمل أجبرها على البقاء في المنزل.
وتقول إنها واجهت صعوبة كبيرة في تعلم التطريز، لكنها تمكنت مع مرور الوقت من إتقانه، وأصبح دخلها المحدود يساعد في توفير جزء من احتياجات أسرتها.
وتصف فريبا أسلم، خريجة كلية الإدارة العامة بجامعة قندهار، التحول الذي عاشته بأنه انتقال قسري من العمل الإنساني إلى الحرف اليدوية. فبعد أن كانت تعمل في توزيع المساعدات الإنسانية، باتت تقضي نحو ثلاثة أشهر في تطريز ياقة واحدة، لكنها لا تحصل في المقابل على ما يكفي لتغطية متطلبات الحياة اليومية، مؤكدة أنها لا تزال تأمل في العودة إلى ممارسة المهنة التي درست من أجلها وخدمة مجتمعها.
وتعاني النساء العاملات في التطريز من انخفاض الطلب على المنتجات التقليدية نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أفغانستان، الأمر الذي أدى إلى تراجع الأسعار بشكل كبير، رغم أن إنجاز قطعة واحدة قد يستغرق عدة أشهر من العمل المتواصل.
ويؤكد تجار في قندهار أن الأسواق لم تعد تشهد الإقبال السابق على المنتجات المطرزة يدويًا، ليس بسبب فقدان قيمتها الفنية، وإنما نتيجة تراجع القدرة الشرائية للأسر، وهو ما ينعكس مباشرة على دخول الحرفيات اللواتي يجدن أنفسهن مضطرات إلى بيع منتجاتهن بأسعار تقل كثيرًا عن قيمتها الحقيقية.
وتقول إحدى الحرفيات، التي تعمل في هذا المجال منذ نحو عشر سنوات، إنها كانت تتلقى في السابق طلبات مستمرة، أما اليوم فأصبحت تنتج الياقات دون وجود مشترين مسبقين، ثم تعرضها للبيع في الأسواق على أمل العثور على من يشتريها، حتى وإن كان ذلك بسعر لا يعوض أشهرًا من العمل.
منافسة غير متكافئة
تواجه الحرفيات تحديًا إضافيًا يتمثل في انتشار المنتجات المطرزة بالآلات، التي تُنجز في وقت قصير وبتكلفة أقل، ما جعل المنافسة أكثر صعوبة أمام الصناعات اليدوية التقليدية التي اشتهرت بها قندهار لعقود.
ورغم ذلك، لا تزال الياقات القندهارية المطرزة يدويًا تحافظ على مكانتها بوصفها جزءًا من التراث الأفغاني، وتحظى بإقبال بين الجاليات الأفغانية في الخارج، إلا أن تراجع الصادرات وضعف الأسواق المحلية حدّا من قدرتها على توفير مصدر دخل مستقر للعاملات في هذا القطاع.
وتكشف هذه القصص أن معاناة النساء في قندهار تتجاوز حدود الفقر والبطالة، لتلامس حقوقًا أساسية تكفلها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الحق في العمل، والحق في كسب الرزق، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في المشاركة في الحياة الاقتصادية دون تمييز.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القيود المفروضة على تعليم النساء وعملهن منذ عودة طالبان إلى السلطة أسهمت في تراجع استقلاليتهن الاقتصادية، وأثرت بصورة مباشرة على أوضاع ملايين الأسر التي كانت تعتمد على دخل المرأة، كما أدت إلى زيادة معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
مستقبل غامض
يبقى التطريز بالنسبة إلى كثير من النساء وسيلة للبقاء أكثر منه مهنة يطمحن إليها، إذ تؤكد المتعلمات اللواتي اضطررن إلى امتهان الحرفة أنهن لا يبحثن عن بديل دائم، بل عن فرصة لاستعادة حقهن في العمل في المجالات التي تأهلن لها، والمشاركة مجددًا في بناء مجتمعهن.
تعكس تجربة نساء قندهار أن الأزمات الإنسانية لا تقاس فقط بنقص الغذاء أو الدواء، بل أيضًا بحرمان الإنسان من حقه في العمل والإنتاج وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
وبين خيوط التطريز التي تستغرق أشهرًا لإنجاز قطعة واحدة، تنسج هؤلاء النساء قصة صمود يومية، لكنهن ما زلن ينتظرن اليوم الذي يتمكنّ فيه من العودة إلى وظائفهن، واستعادة حقوقهن التي فقدنها منذ عودة طالبان إلى الحكم.
