خضعت ناورو للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 20 يناير 2026، وترأس وفد ناورو وزير العدل ومراقبة الحدود ليونيل روين أينغيميا.
واعتمد الفريق العامل تقرير الدولة في 30 يناير 2026، وحتى الآن، يتوفر تقرير الفريق العامل الخاص بناورو، لكن لم يصدر ضمن الملفات المتاحة رد الدولة الرسمي النهائي على التوصيات، لذلك تبقى هذه القراءة أولية وقابلة للتحديث.
وقدمت ناورو نفسها خلال المراجعة باعتبارها دولة جزرية صغيرة تواجه تحديات مرتبطة بمحدودية الموارد البشرية والمالية، العزلة الجغرافية، ضعف القدرات المؤسسية، والتأثر الكبير بتغير المناخ، وأكدت الدولة أن الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان لا يُنظر إليه بوصفه تمريناً إجرائياً، بل آلية للحوار والتطوير التدريجي.
وتظهر مراجعة ناورو أن تقييم حالة حقوق الإنسان في الدول الجزرية الصغيرة لا يمكن أن يعتمد فقط على وجود القوانين أو السياسات، بل يجب أن ينظر أيضاً إلى قدرة الدولة على التنفيذ، وتوفير الخدمات، وجمع البيانات، وبناء المؤسسات، والوصول إلى المجتمعات المتأثرة بالمناخ والكوارث.
إصلاحات قانونية ومؤسسية
عرضت ناورو عدداً من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية، منها قوانين مرتبطة بإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، حماية المستهلك، النزاهة المالية، الصحة العامة، الشرطة، المرونة الاقتصادية، تطوير المشاريع الصغيرة، حماية اللغة، المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، والتكيف المناخي. وقدمت الدولة هذه الإصلاحات باعتبارها جزءاً من مقاربة قائمة على الحقوق تهدف إلى تحويل المعايير الدولية إلى نتائج وطنية عملية.
ومن أبرز التطورات التي عرضتها الدولة إقرار قانون لجنة حقوق الإنسان لعام 2025، وهو تطور مهم لأنه يرتبط بإنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، كما أشارت الدولة إلى إصلاحات في عمل الشرطة والتدريب والمساءلة، وإلى أطر قانونية تنظم تعيين القضاة ومدة ولايتهم وآليات عزلهم.
المناخ وحقوق الإنسان
يعد ملف المناخ من أبرز محاور مراجعة ناورو، فقد أوضحت الدولة أن اقتصادها تشكل تاريخياً بفعل تعدين الفوسفات، وأن الآثار البيئية لذلك ما تزال تؤثر في استخدام الأراضي، السكن، الأمن الغذائي، وسبل العيش.
وفي هذا السياق، أطلقت الدولة مبادرة Higher Ground التي تهدف إلى حماية الأرواح والمنازل من خلال نقل المجتمعات إلى مناطق أكثر أماناً، مع تعزيز الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة.
وتؤكد مراجعة ناورو أن تغير المناخ لم يعد ملفاً بيئياً فقط، بل أصبح قضية حقوق إنسان تمس الحق في الحياة، السكن، الصحة، الغذاء، المياه، وسبل العيش، ولذلك، فإن أي متابعة لتوصيات ناورو يجب أن تربط بين المناخ والتنمية والحقوق الأساسية.
حقوق النساء وذوي الإعاقة
رحبت عدة دول بتبني ناورو قانون إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة، وبالجهود المبذولة لتحسين الوصول إلى الخدمات والرعاية والتعليم، كما أشارت المراجعة إلى إجراءات الحماية الاجتماعية والدعم النقدي للفئات الهشة، ومنها كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.
لكن هذا الملف يحتاج متابعة عملية، خاصة من حيث القدرة على تحويل القوانين إلى خدمات فعلية، وضمان الوصول إلى التعليم والصحة والبنية التحتية، وتوفير بيانات تساعد على قياس أثر السياسات في الأشخاص ذوي الإعاقة.
وظهر ملف حقوق النساء والفتيات في مراجعة ناورو من خلال التركيز على العنف المنزلي، حماية الأسرة، الدعم للناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفير المشورة القانونية والمساعدة في أوامر الحماية والوصول إلى أماكن آمنة.
ورغم وجود هذه الجهود، لا يزال الملف بحاجة إلى متابعة؛ لأن نجاح الحماية لا يقاس فقط بوجود خدمات أو قوانين، بل بمدى سهولة الوصول إليها، وانتشارها في المجتمعات، وتوفر بيانات حول استخدامها وأثرها.
حقوق الطفل والعقاب البدني
برز ملف حقوق الطفل والتعليم أيضاً ضمن مراجعة ناورو، فقد أبدت بعض الدول قلقها بشأن الحاجة إلى ضمانات أقوى لسلامة الأطفال ورفاههم، وضمان وصولهم إلى تعليم جيد وشامل ودعم نفسي، كما عبّرت أستراليا عن القلق من إعادة إدخال العقاب البدني بوصفه إجراءً تأديبياً في المدارس.
هذا الملف يعد من الملفات الحساسة؛ لأن حماية الطفل لا تقتصر على الوصول إلى التعليم، بل تشمل أيضاً بيئة مدرسية آمنة وخالية من العنف، وآليات واضحة للإبلاغ والحماية والمساءلة.
وأشارت ناورو إلى أن إطارها القانوني يوفر الإجراءات القانونية الواجبة، الوصول إلى الخدمات، والرقابة القضائية للمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، كما أوضحت أنه لا توجد حالياً أعداد طويلة الأمد من طالبي اللجوء في البلاد.
ورغم ذلك، يبقى هذا الملف مهماً بسبب ارتباط اسم ناورو سابقاً بسياسات الهجرة واللجوء الإقليمية، ما يجعل متابعة التوصيات المتعلقة بهذا الملف ضرورية عند صدور رد الدولة الرسمي.
قراءة حقوقية
تكشف مراجعة ناورو عن دولة صغيرة تحاول بناء إطار حقوقي تدريجي في ظل تحديات كبيرة، فالتقرير يعرض إصلاحات مهمة في مجالات حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، المناخ، الشرطة، الصحة، والحماية الاجتماعية، لكن السؤال الأساسي يبقى: هل تستطيع دولة محدودة الموارد أن تحول هذه الإصلاحات إلى واقع ملموس ومستدام؟
وتبرز ناورو بوصفها حالة مهمة لفهم العلاقة بين حقوق الإنسان والمناخ والقدرات المؤسسية، فالتوصيات التي قد تبدو قانونية أو تقنية ترتبط عملياً بقدرة الدولة على حماية السكان من آثار المناخ، إصلاح إرث تعدين الفوسفات، وتحسين الخدمات العامة.
وتظهر ناورو في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان بوصفها دولة جزرية صغيرة تواجه اختباراً مزدوجاً: بناء المؤسسات الحقوقية من جهة، والتعامل مع آثار المناخ ومحدودية الموارد من جهة أخرى، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بصدور رد الدولة الرسمي على التوصيات، خاصة في ملفات المناخ، المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، حقوق الطفل، العقاب البدني، العنف ضد النساء، وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
