في تحول يعد الأكبر في سياسة اللجوء الأوروبية منذ سنوات، بدأت فرنسا تطبيق ميثاق اللجوء والهجرة الأوروبي بدءا من 12 يونيو الجاري ضمن حزمة تشريعية تهدف إلى إعادة تنظيم إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وتسريع البت في طلبات الحماية الدولية، ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه أوروبا تراجعا في أعداد طلبات اللجوء مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه يثير في المقابل نقاشا واسعا بشأن مستقبل الحق في اللجوء، وضمانات المحاكمة العادلة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال والقاصرين غير المصحوبين بذويهم.
بحسب المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، دخلت الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ رسميا في فرنسا يوم 12 يونيو 2026، بالتزامن مع بدء تطبيق الميثاق الأوروبي الذي اعتمده الاتحاد الأوروبي في مايو 2024 بعد سنوات من المفاوضات والخلافات بين الدول الأعضاء، ويضم الميثاق تسعة أنظمة أوروبية وتوجيها واحدا يشكل الإطار الجديد لإدارة اللجوء والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي.
أوروبا تعيد رسم سياسة اللجوء
تشير بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن دول الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة به تلقت نحو 822 ألف طلب لجوء خلال عام 2025، بانخفاض بلغ 19 بالمئة مقارنة بعام 2024.
كما سجل الاتحاد الأوروبي 669 ألفا و400 طلب لجوء أولي خلال عام 2025، بانخفاض نسبته 27 بالمئة مقارنة بعام 2024.
وأرجعت المؤسسات الأوروبية هذا التراجع إلى انخفاض الطلبات المقدمة من السوريين والبنغلاديشيين والأتراك، مقابل استمرار ارتفاع بعض الجنسيات الأخرى، خاصة الأفغان.
وتؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن فرنسا أصبحت من أبرز دول الاستقبال الأوروبية خلال عامي 2025 و2026.
واحتلت فرنسا إلى جانب ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان موقعا مركزيا في منظومة اللجوء الأوروبية، إذ استقبلت هذه الدول مجتمعة نحو 80 بالمئة من إجمالي طلبات اللجوء المقدمة داخل الاتحاد الأوروبي.
الفحص الحدودي.. أولى مراحل التغيير
يمثل نظام الفحص الحدودي أبرز التغييرات التي جاء بها الميثاق الأوروبي.
وبموجب القواعد الجديدة، يخضع القادمون بشكل غير نظامي إلى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لفترة فحص إلزامية تستمر حتى سبعة أيام.
ويشمل الفحص التحقق من الهوية والوضع الصحي والخلفية الأمنية وجمع البيانات البيومترية. وخلال هذه الفترة لا تعتبر السلطات الأوروبية الشخص قد دخل الأراضي الفرنسية رسميا، بل يبقى داخل مناطق عبور أو منشآت حدودية مخصصة لهذا الغرض.
وتسعى الحكومة الفرنسية إلى توسيع الطاقة الاستيعابية لمناطق الانتظار الحدودية لتصل إلى 615 مكانا، مقارنة بنحو 300 مكان فقط قبل بدء تطبيق الميثاق. وتشمل هذه المنشآت مطار شارل ديغول ومطار أورلي ومواقع حدودية أخرى.
اللجوء على الحدود
ألغى الميثاق عمليا الآلية التقليدية التي كانت تسمح لطالب اللجوء بدخول الأراضي الفرنسية سريعا بعد تقديم طلبه الأولي.
وأصبح بإمكان السلطات الفرنسية توجيه بعض الفئات إلى ما يسمى بإجراء اللجوء على الحدود، حيث يظل طالب اللجوء داخل مناطق الانتظار مدة قد تصل إلى 12 أسبوعا أثناء دراسة ملفه.
وتشمل الفئات المستهدفة القادمين من دول تقل فيها نسبة الاعتراف بالحماية الدولية عن 20 بالمئة، إضافة إلى الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات خطرا أمنيا أو الذين ترى أنهم قدموا معلومات مضللة.
ويثير هذا الإجراء مخاوف منظمات حقوق الإنسان التي تخشى أن يتحول إلى شكل من أشكال الاحتجاز المطول المقنع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والعائلات.
تغييرات جوهرية في نظام دبلن
يعيد الميثاق أيضا صياغة قواعد دبلن المنظمة لتحديد الدولة المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء.
وبحسب القواعد الجديدة، تمتد مسؤولية دولة الدخول الأولى عن ملف طالب اللجوء إلى 20 شهرا بدلا من 12 شهرا سابقا.
كما تستبدل آلية الإخطار الإلزامي بطلبات النقل التقليدية، ما يمنح الدول الأعضاء قدرة أكبر على إعادة طالبي اللجوء إلى الدولة الأوروبية الأولى التي سجلوا فيها.
في المقابل، وافقت فرنسا على المشاركة في آلية التضامن الأوروبية التي تهدف إلى تخفيف الضغط عن دول المتوسط، خاصة إيطاليا واليونان. وتشير البيانات الفرنسية إلى أن نحو 3000 شخص استفادوا من ترتيبات عدم الإعادة إلى دولة التسجيل الأولى خلال الفترة الممتدة بين خريف 2024 وصيف 2025.
يوروداك.. توسع غير مسبوق في جمع البيانات
يشكل تطوير قاعدة بيانات يوروداك أحد أكثر بنود الميثاق إثارة للجدل، فابتداء من يونيو 2026، أصبح تسجيل البيانات البيومترية يشمل الأطفال ابتداء من سن السادسة، بعدما كان الحد الأدنى سابقا 14 عاما.
كما أضافت المنظومة الجديدة تقنيات التعرف على الوجه إلى جانب بصمات الأصابع، بهدف تعزيز تتبع التحركات غير النظامية داخل الاتحاد الأوروبي.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات ضرورية لمنع تعدد طلبات اللجوء وتحسين إدارة الحدود، لكن جمعيات حقوقية فرنسية وأوروبية أعربت عن مخاوف تتعلق بالخصوصية وحماية بيانات الأطفال، محذرة من توسيع نطاق المراقبة البيومترية دون ضمانات كافية.
مخاوف حقوقية متصاعدة
أثارت الإصلاحات الجديدة ردود فعل واسعة من المنظمات الحقوقية الأوروبية، وتخشى منظمات الدفاع عن اللاجئين من أن يؤدي تسريع الإجراءات الحدودية إلى تقليص الضمانات القانونية الممنوحة للمهاجرين وطالبي اللجوء، خاصة حق الوصول الفعلي إلى المساعدة القانونية وحق الطعن الفعال في قرارات الرفض.
كما يثير تنفيذ قرارات المغادرة قبل صدور الأحكام النهائية في بعض الطعون القضائية تساؤلات بشأن مدى توافق الإجراءات الجديدة مع مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية جنيف لعام 1951 والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وتحذر جمعيات فرنسية متخصصة في الدفاع عن حقوق الأجانب من أن توسيع الاحتجاز الحدودي قد يفاقم الأوضاع النفسية والاجتماعية لطالبي اللجوء، خصوصا الأطفال والنساء والناجين من النزاعات المسلحة.
الالتزامات الإنسانية والضغوط السياسية
تواجه فرنسا معضلة متزايدة بين التزاماتها الدولية في مجال حماية اللاجئين وبين الضغوط السياسية الداخلية المرتبطة بإدارة الهجرة.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت المطالب السياسية بتشديد الرقابة على الحدود وتسريع عمليات الترحيل، وفي المقابل، تؤكد السلطات الفرنسية استمرار التزامها بمبادئ الحماية الدولية المنصوص عليها في الدستور الفرنسي والاتفاقيات الدولية.
وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن فرنسا استقبلت 159 ألف طلب لجوء خلال عام 2024، لتصبح واحدة من أكبر دول الاستقبال في الاتحاد الأوروبي، كما واصلت خلال 2025 لعب دور محوري في نظام اللجوء الأوروبي الجديد.
اللاجئون في عالم متغير
تأتي هذه التحولات بينما تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود 41.6 مليون لاجئ حول العالم خلال عام 2025، رغم تسجيل أول انخفاض عالمي في أعداد النازحين قسرا منذ أكثر من عقد.
وتؤكد المفوضية أن النزاعات المستمرة في السودان وأوكرانيا وأجزاء من الشرق الأوسط وإفريقيا ما زالت تدفع ملايين الأشخاص إلى البحث عن الحماية خارج أوطانهم.
مستقبل غير محسوم
يمثل ميثاق اللجوء والهجرة الأوروبي محاولة طموحة لإعادة تنظيم إدارة الحدود وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأوروبية، غير أن نجاحه سيعتمد على قدرة الحكومات الأوروبية على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن وإدارة الهجرة من جهة، واحترام الحق في اللجوء والالتزامات الحقوقية من جهة أخرى.
ومع بدء التطبيق الفعلي للميثاق في فرنسا، يترقب آلاف طالبي اللجوء والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الأوروبية نتائج هذه التجربة الجديدة، التي قد تعيد رسم ملامح سياسة الحماية الدولية في القارة الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
إصلاح نظام اللجوء
بدأ الاتحاد الأوروبي مناقشة إصلاح نظام اللجوء بعد أزمة الهجرة الكبرى عام 2015 التي شهدت وصول أكثر من مليون لاجئ ومهاجر إلى أوروبا، وأظهرت تلك الأزمة محدودية فعالية نظام دبلن الذي حمّل دول الوصول الأولى، خاصة اليونان وإيطاليا، الجزء الأكبر من المسؤولية.
وبعد سنوات من الخلافات السياسية، اعتمد الاتحاد الأوروبي ميثاق اللجوء والهجرة في مايو 2024.. ودخلت غالبية أحكامه حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026.
ويهدف الميثاق إلى تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية، وتسريع إجراءات اللجوء، وتطوير قاعدة البيانات الأوروبية يوروداك، وتوسيع آليات التضامن بين الدول الأعضاء، مع الحفاظ على الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وفقا لاتفاقية جنيف لعام 1951 والقانون الأوروبي لحقوق الإنسان.

