لم تعد موجات الحر وحرائق الغابات مجرد ظواهر مناخية موسمية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على حماية أحد أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة.
ومع تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة واتساع نطاقها، لم يعد الخطر يقاس بعدد الهكتارات التي تلتهمها النيران أو بدرجات الحرارة القياسية، وإنما بعدد الأرواح المهددة، وحجم الحقوق التي تتراجع تحت وطأة أزمة لم تعد بيئية فحسب، بل إنسانية أيضاً.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت إسبانيا وفرنسا واليونان والجزائر وتونس موجات حر غير مسبوقة وحرائق امتدت إلى الغابات والمناطق السكنية، ما أجبر آلاف السكان على الإجلاء وأعاد إلى الواجهة تساؤلات حول مدى استعداد الحكومات لحماية السكان، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة، من أخطار باتت أكثر تكراراً وشدة بفعل التغير المناخي.
أرقام تؤكد اتساع الأزمة
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التغير المناخي قد يتسبب في نحو 250 ألف وفاة إضافية سنوياً بين عامي 2030 و2050 نتيجة الإجهاد الحراري وسوء التغذية والأمراض المرتبطة بالمناخ، في حين يعيش 3.6 مليار شخص بالفعل في مناطق شديدة التأثر بالتغيرات المناخية.
وتؤكد المنظمة على أن موجات الحر أصبحت أكثر تكرارا وشدة، وأنها تمثل أحد أخطر التهديدات الصحية على مستوى العالم.
وتوثق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2025 كانت الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل البيانات، مع أحداث مناخية متطرفة ألحقت أضراراً بملايين الأشخاص وكبدت الاقتصادات العالمية خسائر بمليارات الدولارات.
من يدفع الثمن الأكبر؟
رغم أن آثار التغير المناخي تمتد إلى الجميع، فإنها لا تصيب الجميع بالقدر نفسه، فكبار السن، والأطفال، والأشخاص ذوو الإعاقة، والعمال الذين يقضون ساعات طويلة في الهواء الطلق، وسكان المناطق الفقيرة، هم الأكثر عرضة لفقدان حياتهم أو تدهور أوضاعهم الصحية والمعيشية.
ولا تتوقف التداعيات عند الوفيات والإصابات، بل تمتد إلى تلوث الهواء الناجم عن حرائق الغابات، وانقطاع الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، وتراجع الأمن الغذائي، وفقدان مصادر الدخل، ما يجعل الأزمة المناخية تمس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالقدر نفسه الذي تمس فيه الحق في الحياة والصحة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أكثر من 2.4 مليار عامل حول العالم يتعرضون لمستويات مرتفعة من الإجهاد الحراري، مع تزايد الإصابات المهنية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
حماية الحقوق قبل وقوع الكارثة
لا يقتصر واجب الدول، وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، على الاستجابة بعد اندلاع الحرائق أو وقوع الكوارث، بل يمتد إلى اتخاذ إجراءات وقائية تحد من المخاطر قبل حدوثها.
ويشمل ذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز جاهزية القطاع الصحي، وإدارة الغابات، ووضع خطط لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان حصول الجميع على المعلومات والخدمات الأساسية خلال الأزمات.
كما أن خفض الانبعاثات والتكيف مع التغير المناخي لم يعودا خيارين سياسيين، بل أصبحا جزءاً من التزام قانوني وأخلاقي بحماية الحق في الحياة والصحة والعيش في بيئة نظيفة وآمنة.
أزمة واختبار لالتزامات الدول
يرى الخبير القانوني المختص بحقوق الإنسان كمال بن عمر أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية بحتة، بل تحول إلى تهديد مباشر لمنظومة حقوق الإنسان، بعدما انعكست آثاره على الحق في الحياة والصحة والعيش في بيئة نظيفة وآمنة.
ويقول بن عمر لـ”صفر” إن موجات الحر وحرائق الغابات والكوارث المناخية تؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات والإصابات، وتفاقم الأمراض المرتبطة بالإجهاد الحراري وتلوث الهواء، فضلاً عن الضغط المتزايد على الأنظمة الصحية، ما يحد من قدرة الأفراد على الوصول إلى الخدمات الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية.
ويضيف أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض على الدول التزامات واضحة تبدأ بالحد من الانبعاثات، وتعزيز خطط التكيف وأنظمة الإنذار المبكر، ولا تنتهي عند توفير حماية خاصة للأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، وسكان المناطق الفقيرة، باعتبارهم الأكثر تأثراً بالمخاطر المناخية.
ويؤكد أن هذه الالتزامات تستند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين، واتفاق باريس بشأن تغير المناخ، إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اعترف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة بوصفه حقاً من حقوق الإنسان.
العدالة المناخية وحماية الإنسان
تكشف موجات الحر وحرائق الغابات أن أخطر آثار التغير المناخي لا تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وحده، بل في اتساع الفجوة بين المجتمعات القادرة على التكيف وتلك التي تفتقر إلى الحماية والموارد.
ومع استمرار الظواهر المناخية المتطرفة، لن يقاس نجاح الدول بعدد استراتيجياتها البيئية أو تعهداتها الدولية فحسب، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان عندما يصبح المناخ نفسه مصدراً للخطر، فالحق في الحياة، والصحة، والعيش في بيئة سليمة، لم تعد قضايا منفصلة عن السياسات المناخية، بل أصبحت المعيار الذي يقاس به مدى التزام الدول بحقوق الإنسان في مواجهة أحد أكبر تحديات العصر.

