منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من يكمم صوت السجين؟.. بريطانيا تُغلق أبواب الصحافة أمام “سجين العدالة الضائعة”

15 مايو 2026
يكتب جيريمي بامبر إلى الصحفيين منذ سجنه عام 1985.
يكتب جيريمي بامبر إلى الصحفيين منذ سجنه عام 1985.

قبل أسابيع، أرسلتُ رسالة إلكترونية مطولة إلى جيريمي بامبر، الرجل الذي يقضي ما يقرب من 41 عامًا خلف القضبان بعد إدانته بقتل خمسة من أفراد أسرته في قضية “مزرعة البيت الأبيض” الشهيرة.

بامبر لم يتوقف يومًا عن إعلان براءته، وعلى مدار سنوات طويلة، كتبتُ أنا وزميلي الراحل إريك أليسون عن القضية وعن الثغرات التي أحاطت بالتحقيق والمحاكمة.

في رسالتي الأخيرة، لم أتحدث فقط عن ملفه القضائي، بل عن مباراة كرة قدم حضرتها مع ابنتي، وعن غداء جمعني بخبير في الأدلة الجنائية، وحتى عن شجرة مزهرة رائعة أمام منزلي أرسلت له صورتها.

لاحقًا، علمت من فريق حملته أن سجن ويكفيلد لم يسلمه الرسالة أصلًا، بعدما قررت إدارة السجن منعه من تلقي أو إرسال أي مراسلات مع الصحفيين.. حتى رده البسيط على صورة الشجرة مُنع من إرساله.

جيريمي بامبر يكتب للصحافة منذ دخوله السجن عام 1985، ومن خلال هذه الرسائل تكشفت تناقضات وأخطاء وثغرات دفعت كثيرين، وأنا منهم، للاعتقاد بأن إدانته غير آمنة على أقل تقدير. كما كشفت المراسلات اختفاء أدلة مهمة وتدمير مواد كان يمكن أن تغيّر مسار القضية.

لهذا يبدو قرار المنع الآن مثيرًا للريبة، خصوصًا بعد موجة التغطيات الإعلامية الأخيرة التي أعادت فتح النقاش حول القضية. ففي فبراير الماضي، نشرت صحيفة “الغارديان” رأيًا للبروفيسور جيسون باين-جيمس، المتخصص في الطب الشرعي، أكد فيه اعتقاده بأن كاتم الصوت الذي شكّل حجر الأساس في إدانة بامبر لم يُستخدم أصلًا في الجريمة.

خلال المحاكمة عام 1986، طُرحت أمام هيئة المحلفين روايتان: الأولى تقول إن بامبر قتل أسرته طمعًا في الميراث، والثانية تفترض أن شقيقته شيلا كافيل، التي كانت تعاني اضطرابات نفسية حادة، قتلت والديها وطفليها ثم انتحرت.

القاضي موريس دريك اعتبر آنذاك أن وجود كاتم الصوت يعني استحالة أن تكون شيلا قد أطلقت النار على نفسها، وبالتالي فإن بامبر هو القاتل.. لكن التشكيك في هذه الفرضية أعاد القضية كلها إلى دائرة الشك.

الاهتمام الإعلامي بالقضية تصاعد أيضًا بعد سلسلة “أقارب الدم” التي بثتها مجلة “ذا نيويوركر”، واستضافت فيها بامبر مطولًا، إضافة إلى شهادات شخصيات سبق أن تعرضت لإدانات خاطئة قبل تبرئتها لاحقًا.

من بين هؤلاء مايكل أوبراين، أحد ثلاثة رجال أُدينوا خطأً في قضية قتل بائع الصحف فيليب سوندرز بمدينة كارديف عام 1987، قبل أن تثبت براءتهم لاحقًا.

أوبراين، الذي قضى فترة سجن مع بامبر، يؤكد اقتناعه ببراءته.

بريطانيا شهدت خلال السنوات الأخيرة إسقاط إدانات مدوية، أبرزها قضية أندرو مالكينسون الذي بُرئ بعد 17 عامًا في السجن، وبيتر سوليفان الذي أُلغي حكم إدانته بعد 38 عامًا خلف القضبان. هذه السوابق جعلت الصحافة أكثر اهتمامًا بقضايا يُحتمل أن تكون شهدت أخطاء قضائية.

والأخطر أن حق السجناء في التواصل مع الإعلام سبق أن حسمته المحاكم البريطانية عام 1999، عندما اعتبرت محكمة الاستئناف أن الحظر الشامل على مقابلات الصحفيين مع السجناء ينتهك حرية التعبير ويقوّض الوصول إلى العدالة.

القاضي اللورد ستاين قال وقتها إن “عددًا كبيرًا من الأخطاء القضائية لم يُكشف إلا بفضل التحقيقات الصحفية المضنية”.

ورغم ذلك، تعود القيود اليوم بصورة جديدة، لكن هذه المرة في عهد حكومة حزب العمال بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، الرجل الذي بنى جزءًا من سمعته القانونية على الدفاع عن حقوق الإنسان وضحايا الأخطاء القضائية.

المفارقة قاسية: حكومة تضم محامين بارزين في مجال الحقوق والحريات، مثل ديفيد لامي، وشبانا محمود، وريتشارد هيرمر، وسارة ساكمان، تشرف اليوم على منع سجين يدّعي براءته من مخاطبة الصحافة.

كير ستارمر نفسه سبق أن دافع عن ناشطين بيئيين في قضية “ماك ليبل” الشهيرة، كما شارك في تحرير كتاب بعنوان “الأخطاء القضائية: مراجعة للعدالة حين تخطئ”.

أما ريتشارد هيرمر فاشتهر بترافعه في قضايا أخطاء قضائية، بينها قضية ديريك بنتلي الذي أُعدم عام 1953 قبل أن يحصل لاحقًا على عفو بعد وفاته.

لكن رغم هذا الإرث الحقوقي، تجد الحكومة نفسها اليوم متهمة بخنق صوت سجين يسعى لإثبات براءته.

إذا لم تتدخل الحكومة لرفع هذا الحظر، فقد تُتَّهم يومًا بأنها لم تدافع عن حقوق الإنسان، بل شاركت في خنقها داخل السجون البريطانية.

نقلاً عن الغارديان