تعيش منظومة السجون في سريلانكا واحدة من أكثر أزماتها تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعادت أحداث العنف الدامية داخل سجن نيجومبو فتح ملف الانتهاكات المرتبطة بأوضاع الاحتجاز، وسط مطالب دولية بإجراء تحقيق مستقل ومراجعة شاملة لنظام العدالة الجنائية في البلاد.
وأسفرت المواجهات التي شهدها السجن الواقع شمال العاصمة كولومبو عن مقتل 23 شخصاً وإصابة 15 آخرين، وفق ما أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي طالبت السلطات السريلانكية بكشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات بصورة شفافة.
أزمة تتجاوز حادث نيجومبو
أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أحداث سجن نيجومبو لا يمكن التعامل معها بوصفها واقعة أمنية منفصلة؛ لأن الحادث يعكس مشكلات متراكمة داخل نظام الاحتجاز في سريلانكا، وعلى رأسها الاكتظاظ الشديد، وطول فترات الحبس الاحتياطي، وضعف الخدمات الصحية، ومحدودية برامج إعادة التأهيل.
وقالت رافينا شامداساني، المتحدثة باسم مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إن أسر الضحايا تحتاج إلى معرفة الحقيقة حول ما حدث، وإن النزلاء وموظفي السجن الذين تضرروا من أعمال العنف يستحقون تحقيقاً نزيهاً يحدد المسؤوليات. وأضافت أن معالجة جذور الأزمة تتطلب إصلاحات تتجاوز التحقيق في حادثة واحدة.
الضغط داخل السجون
أظهرت بيانات إدارة السجون في سريلانكا وتقارير قاعدة بيانات “قاعدة بيانات السجون العالمية – World Prison Brief” أن نظام السجون في البلاد يعاني من فجوة كبيرة بين عدد النزلاء والطاقة الاستيعابية المتاحة. وتضم السجون السريلانكية عشرات الآلاف من المحتجزين، في حين لا تتجاوز القدرة التصميمية للمؤسسات العقابية جزءاً محدوداً من هذا العدد.
وذكرت وكالة رويترز أن عدد المحتجزين في السجون السريلانكية وصل إلى نحو 41 ألف شخص، في وقت لا تتجاوز فيه الطاقة الاستيعابية الرسمية نحو 10 آلاف نزيل، ما يعني أن بعض المنشآت تعمل بأكثر من أربعة أضعاف قدرتها الأصلية. وأوضحت الوكالة أن سجن نيجومبو الذي شهد أعمال العنف الأخيرة، صمم لاستيعاب نحو 650 شخصاً، لكنه كان يضم قرابة 2400 نزيل قبل اندلاع الأحداث.
وتؤكد هذه الأرقام أن الاكتظاظ يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه إدارة السجون لأنه يضغط على الخدمات الأساسية، ويزيد صعوبة توفير الرعاية الصحية والغذاء المناسب، ويؤثر في قدرة السلطات على الفصل بين الفئات المختلفة من المحتجزين.
الحبس الاحتياطي يفاقم الأزمة
ترتبط مشكلة الاكتظاظ في سريلانكا بشكل مباشر بارتفاع أعداد المحتجزين قبل المحاكمة، وأظهرت بيانات قاعدة بيانات السجون العالمية أن نسبة كبيرة من نزلاء السجون لا يحملون أحكاماً نهائية، بل ينتظرون استكمال الإجراءات القضائية، ما يؤدي إلى بقاء آلاف الأشخاص داخل المؤسسات العقابية لفترات طويلة.
وأشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن الاحتجاز المطول قبل المحاكمة يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تزيد الضغط على السجون، ودعت السلطات السريلانكية إلى مراجعة سياسات الحبس الاحتياطي، واستخدام بدائل قانونية عندما لا تفرض الضرورة استمرار احتجاز المتهمين.
وأكدت الأمم المتحدة أن المعايير الدولية لا تعد السجن قبل المحاكمة إجراءً تلقائياً، بل استثناء يجب استخدامه وفق ضوابط واضحة تضمن حقوق المتهمين وتحافظ على مبدأ افتراض البراءة.
المخدرات في صدارة أسباب الاحتجاز
تحتل قضايا المخدرات مساحة كبيرة داخل نظام السجون في سريلانكا، حيث أشارت وكالة رويترز إلى أن المحتجزين على خلفية جرائم مرتبطة بالمخدرات يشكلون نحو 65.5 بالمئة من إجمالي نزلاء السجون.
وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن التعامل مع قضايا المخدرات يحتاج إلى مقاربة تعتمد على العلاج وإعادة التأهيل إلى جانب إنفاذ القانون؛ لأن حبس جميع المتهمين بجرائم المخدرات يزيد من الضغط على السجون دون معالجة الأسباب الاجتماعية والصحية المرتبطة بالإدمان.
وأكدت الأمم المتحدة أن برامج العلاج والرعاية الصحية يمكن أن تساعد في تقليل معدلات العودة إلى الجريمة، كما تخفف الضغط عن المؤسسات العقابية التي تعاني أصلاً من نقص الموارد.
تاريخ طويل من أزمات السجون
لا تمثل أزمة نيجومبو أول اختبار لملف حقوق الإنسان داخل السجون السريلانكية، فقد شهدت البلاد خلال العقود الماضية حوادث دامية أثارت انتقادات دولية.
وتعد أحداث سجن ويليكادا عام 2012 من أبرز الوقائع التي ما زالت حاضرة في سجل الانتهاكات داخل السجون السريلانكية، بعدما قتل 27 سجيناً خلال عملية أمنية أعقبت اضطرابات داخل المنشأة، وطالبت منظمات حقوقية آنذاك بتحقيق مستقل حول استخدام القوة والظروف التي أدت إلى سقوط الضحايا.
كما وثقت منظمات حقوق الإنسان خلال جائحة كورونا مخاوف متزايدة بشأن أوضاع السجون، خاصة مع انتشار الفيروس داخل منشآت مكتظة وصعوبة تطبيق إجراءات الوقاية الصحية في أماكن الاحتجاز.
وقالت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة إن ضعف الرعاية الصحية والاكتظاظ وغياب الرقابة المستقلة تمثل عوامل متكررة تؤثر على حقوق السجناء في سريلانكا.
حقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز
لا تقتصر أزمة السجون في سريلانكا على مشكلة الاكتظاظ فقط، بل تمتد إلى مخاوف متعلقة بظروف المعاملة داخل أماكن الاحتجاز ومستوى الحماية القانونية التي يحصل عليها النزلاء، وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أي تحقيق في أحداث سجن نيجومبو يجب أن يتجاوز تحديد المسؤولين عن أعمال العنف، وأن يشمل مراجعة شاملة للظروف التي سبقت الحادث، وطريقة إدارة المنشأة، والإجراءات الأمنية التي اتبعتها السلطات.
وقالت المفوضية إن ضمان الرقابة المستقلة على السجون يمثل عنصراً أساسياً لمنع الانتهاكات، ودعت الحكومة السريلانكية إلى السماح للجنة حقوق الإنسان في البلاد بالوصول إلى مراكز الاحتجاز لمتابعة أوضاع النزلاء والتحقق من أي ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة أو التعذيب.
وتؤكد مبادئ الأمم المتحدة لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، أن حرمان الإنسان من الحرية لا يعني حرمانه من حقوقه الأساسية، وأن على الدول توفير ظروف احتجاز تحفظ الكرامة الإنسانية، ومنها الرعاية الصحية المناسبة، والغذاء، والنظافة، والحماية من العنف.
التعذيب وسوء المعاملة
وثقت منظمات حقوقية دولية خلال السنوات الماضية مخاوف بشأن استخدام العنف داخل مراكز الاحتجاز السريلانكية، خاصة في سياق التعامل مع المحتجزين خلال مراحل التحقيق أو أثناء الاضطرابات داخل السجون.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها حول سريلانكا إن السلطات تحتاج إلى تعزيز آليات المحاسبة لمنع الانتهاكات داخل مؤسسات إنفاذ القانون، وإن ضعف التحقيقات المستقلة في بعض القضايا السابقة أسهم في استمرار المخاوف المتعلقة بالإفلات من العقاب.
كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن ملف حقوق الإنسان في سريلانكا ارتبط تاريخياً بمخاوف حول الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري خلال مراحل الصراع الداخلي، وضعف المساءلة عن بعض الانتهاكات، وهي قضايا ألقت بظلالها على الثقة العامة في مؤسسات العدالة والأمن.
وأكدت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة أن الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب تلتزم باتخاذ إجراءات فعالة لمنع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والتحقيق في أي ادعاءات تصل إلى علم السلطات.
التزامات قانونية دولية تواجه اختباراً عملياً
تلتزم سريلانكا بعدد من الاتفاقيات الدولية التي تنظم معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، وتفرض هذه الاتفاقيات على الدولة حماية الحق في الحياة، وضمان المحاكمة العادلة، ومنع المعاملة المهينة داخل السجون.
وأكد مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن احترام هذه الالتزامات لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل يتطلب إجراءات عملية تشمل تطوير البنية التحتية للسجون، وتدريب العاملين، وتحسين آليات التفتيش والمراقبة.
وترى الأمم المتحدة أن إصلاح نظام السجون يجب أن يكون جزءاً من إصلاح أوسع لمنظومة العدالة الجنائية؛ لأن استمرار الاعتماد على الحبس الاحتياطي والعقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم يؤدي إلى تفاقم أزمة الاكتظاظ.
ضغوط مالية تزيد تعقيد الأزمة
ارتبطت أزمة السجون في سريلانكا خلال السنوات الأخيرة بالضغوط الاقتصادية الحادة التي واجهتها البلاد، بعدما تعرض الاقتصاد لأكبر أزمة مالية منذ استقلالها عام 1948، وأكد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2022 أدت إلى تراجع الموارد العامة وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والدواء، وهو ما أثر في قدرة المؤسسات الحكومية على تقديم الخدمات الأساسية بالكفاءة المطلوبة. وانعكست هذه الظروف على قطاع السجون الذي يحتاج إلى تمويل مستمر لتوفير الرعاية الصحية والتغذية والصيانة والتجهيزات الأمنية.
وأشارت منظمات حقوقية دولية، منها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى أن تراجع الموارد يزيد من صعوبة معالجة مشكلات قديمة مثل الاكتظاظ ونقص الخدمات الطبية وضعف برامج إعادة التأهيل.
كما دفعت الأزمة الاقتصادية أعداداً من الأسر إلى مواجهة ضغوط اجتماعية ومعيشية كبرى، وهو ما يزيد الحاجة إلى سياسات عدالة جنائية تركز على تقليل الاعتماد على السجن في الجرائم الأقل خطورة، وتوفير بدائل قانونية تساعد على تخفيف العبء عن المؤسسات العقابية.
ردود الحكومة وخطط الإصلاح
أكدت السلطات السريلانكية في أعقاب أحداث نيجومبو أنها ستتعامل مع الواقعة، وأن الجهات المختصة ستبحث أسباب اندلاع العنف. وأعلنت إدارة السجون إجراءات تهدف إلى مراجعة الأوضاع الأمنية داخل المؤسسات العقابية، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً داخلية ودولية لمعالجة المشكلات المتراكمة.
وقالت وزارة العدل السريلانكية في مناسبات سابقة إن الحكومة تعمل على تحديث نظام العدالة وتقليل الضغط على السجون من خلال تسريع إجراءات المحاكم، وتطوير برامج بديلة للعقوبات السجنية في بعض القضايا.
لكن منظمات حقوق الإنسان ترى أن الإصلاحات تحتاج إلى خطوات أكثر عمقاً، تشمل تقليل الاحتجاز قبل المحاكمة، وتوفير رقابة مستقلة دائمة، وضمان التحقيق في جميع الانتهاكات بصورة شفافة.
الإصلاحات وفق القانون الدولي
تستند المطالب الدولية بإصلاح نظام السجون في سريلانكا إلى مجموعة من القواعد والمعاهدات التي تحدد التزامات الدول تجاه الأشخاص المحرومين من حريتهم، وتؤكد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، ضرورة توفير ظروف احتجاز تحفظ الكرامة الإنسانية، وضمان حصول النزلاء على الرعاية الصحية، والحماية من التعذيب أو أي معاملة قاسية أو مهينة.
كما تلزم اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي صادقت عليها سريلانكا عام 1994، السلطات باتخاذ إجراءات فعالة لمنع التعذيب والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة.
ودعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الحكومة السريلانكية إلى تعزيز الرقابة المستقلة على السجون، وتمكين لجنة حقوق الإنسان في البلاد من متابعة أوضاع المحتجزين، إلى جانب إصلاح نظام الحبس الاحتياطي وتوسيع استخدام العقوبات البديلة وبرامج علاج الإدمان.
وترى المؤسسات الأممية أن معالجة أزمة السجون لا تتطلب فقط زيادة القدرة الاستيعابية للمنشآت، بل تحتاج إلى إصلاح شامل لمنظومة العدالة الجنائية يبدأ من سرعة إجراءات التقاضي وينتهي بإعادة تأهيل السجناء ودمجهم في المجتمع بعد انتهاء فترة العقوبة.
كما تدعو هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية السلطات السريلانكية إلى تعزيز الشفافية، والسماح بالمراقبة المستقلة، وضمان محاسبة أي مسؤول يثبت تورطه في انتهاكات ضد السجناء.
السجون وحقوق الإنسان في سريلانكا
دخل ملف السجون وحقوق الإنسان في سريلانكا دائرة الاهتمام الدولي منذ سنوات الحرب الأهلية التي انتهت عام 2009، عندما واجهت البلاد اتهامات مرتبطة بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وبعد انتهاء الحرب، ركزت المؤسسات الدولية على ملفات العدالة والمساءلة وإصلاح مؤسسات الدولة، ومنها أجهزة الأمن والسجون.
وفي عام 2012 شهد سجن ويليكادا في العاصمة كولومبو واحدة من أكثر الحوادث دموية داخل السجون الحديثة في البلاد، عندما قتل 27 سجيناً خلال عملية أمنية أعقبت اضطرابات داخل المنشأة، وهو الحادث الذي دفع منظمات حقوقية إلى المطالبة بتحقيقات مستقلة وضمان عدم تكرار استخدام القوة المفرطة.
وتشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن أزمة السجون الحالية تمثل امتداداً لتحديات قديمة لم تعالج بصورة كاملة، وأن أحداث نيجومبو أعادت تأكيد الحاجة إلى إصلاح شامل يوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية للمحتجزين.
ويرى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن نجاح أي إصلاح في هذا الملف يعتمد على قدرة سريلانكا على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء نظام احتجاز يعتمد على الوقاية والرقابة والمساءلة، ما يضمن حماية كرامة الإنسان داخل السجون ويحافظ في الوقت نفسه على سيادة القانون.

