منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

 منجم الموت بشانشي.. 82 ضحية يفتحون ملف السلامة المهنية في الصين

30 مايو 2026

كشفت أسوأ كارثة تعدين تشهدها الصين منذ نحو 17 عاماً عن أزمة تتجاوز حدود حادث صناعي عابر، لتضع الحق في الحياة والحق في ظروف عمل آمنة في قلب النقاش العام، فمقتل 82 عاملاً وإصابة أكثر من 100 آخرين في انفجار غاز بمنجم ليوشينيو للفحم في مقاطعة شانشي أعاد إلى الواجهة تساؤلات تتعلق بمدى التزام الشركات والسلطات بضمان السلامة المهنية وحماية العمال من المخاطر التي تهدد حياتهم أثناء العمل.

خيم الحزن على مقاطعة تشين يوان، حيث وقع الانفجار في حين كان مئات العمال تحت الأرض، ووفق ما أوردته “فايننشيال تايمز”، تباطأت الحياة في المنطقة التي تنتشر فيها المناجم والمصانع، وقد أحاطت قوات الأمن والشرطة بموقع الحادث والمستشفيات التي استقبلت المصابين.. وبينما كانت العائلات تترقب مصير أبنائها، عبر أحد السكان عن المأساة بقوله إن هؤلاء العمال يمثلون عماد أسرهم، وإن فقدانهم يعني معاناة أسر كاملة تعتمد على دخلهم.

أعاد حجم الكارثة إلى الأذهان حقبة الحوادث المروعة التي شهدها قطاع التعدين الصيني خلال العقدين الماضيين، رغم ما تؤكده السلطات من تشديد إجراءات السلامة.

وذكرت صحيفة “الغارديان” أن الانفجار وقع في الساعة 7:29 مساءً في حين كان 247 عاملاً تحت الأرض، مشيرة إلى أن الحادث يعد الأكثر دموية في قطاع التعدين الصيني منذ عام 2009.

سلط الحادث الضوء على البعد الحقوقي المرتبط بسلامة بيئة العمل، بعدما أفادت وسائل الإعلام الرسمية بأن النتائج الأولية للتحقيق تشير إلى أن الشركة المشغلة للمنجم ارتكبت “انتهاكات قانونية جسيمة”.

كما كشفت تقارير رسمية أشارت إليها “أسوشيتد برس” أن منجم ليوشينيو كان ضمن قائمة المناجم المصنفة عالية المخاطر من قبل الإدارة الوطنية لسلامة المناجم في الصين خلال عام 2024 بسبب مستويات الغاز المرتفعة.

وأظهر مسار التحقيقات مؤشرات إضافية على وجود مشكلات تتعلق بالسلامة المهنية، فبحسب ما نقلته الوكالة يركز المحققون على ثغرات السلامة داخل المنجم، فيما أفادت تقارير رسمية بأن المخططات المقدمة من إدارة المنجم لم تتطابق مع التصميم الفعلي للموقع، الأمر الذي عوق جهود الإنقاذ.

حق العمال في بيئة آمنة

يضع هذا الحادث قضية الحق في ظروف عمل آمنة ضمن صدارة الاهتمام، خصوصاً في قطاع يوظف ملايين العمال، فوفق البيانات التي أوردتها “فايننشيال تايمز”، عمل نحو مليون شخص في تعدين الفحم وغسله في مقاطعة شانشي خلال عام 2023، وهو ما يمثل 11% من إجمالي العمالة في المقاطعة، في حين استحوذت شانشي وحدها على أكثر من ثلث العاملين في قطاع الفحم على مستوى الصين.

يكشف اعتماد أعداد كبيرة من الأسر على قطاع التعدين عن حجم التداعيات الإنسانية لأي إخفاق في إجراءات الحماية.

وقال العامل وانغ لينجون لـ”أسوشيتد برس” إن قلبه “مثقل بالحزن” بعد فقدان زملائه الذين كان يعمل معهم يومياً، مضيفاً أنه لم يعد يرغب في مواصلة العمل في المناجم، لكنه لا يعرف بديلاً آخر يوفر له سبل العيش.

يعكس تصريح عامل المنجم فنغ رينفو حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجه العمال في هذه الصناعة،حيث أوضح أن أسرته المكونة من ثمانية أفراد تعتمد عليه بالكامل، فيما كان والده الثمانيني يتصل به باستمرار للاطمئنان على سلامته. وتبرز هذه الشهادات العلاقة المباشرة بين الحق في العمل والحق في الحياة الكريمة، حيث يجد كثير من العمال أنفسهم مضطرين للعمل في بيئات محفوفة بالمخاطر لتأمين احتياجات أسرهم.

أثار الحادث أيضاً تساؤلات حول فعالية الرقابة السابقة على المنجم، فقد أفادت “فايننشيال تايمز” بأن منجم ليوشينيو تعرض لعقوبات من الجهات التنظيمية خمس مرات على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية بسبب مخالفات تتعلق بلوائح السلامة.

كما ذكرت وكالة الأنباء الصينية الرسمية “شينخوا” أن فرق الإنقاذ اكتشفت ممرات غير معلمة داخل المنجم، وأن بعض العمال لم يكونوا موظفين بشكل مباشر لدى الشركة المشغلة.

ولفت الناشط المناخي وانغ شياوجون الانتباه إلى ما وصفه بمشكلة سوء الإدارة، قائلاً إن القضية لا تتعلق بالغاز أو المخالفات الفردية فحسب، بل بوجود مشكلات أوسع قد تكون موجودة في مناجم أخرى أيضاً.

وأضاف أن الغرامات السابقة المفروضة على المنجم لم تتجاوز 30 ألف يوان، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مدى الردع الذي توفره العقوبات الحالية.

قطاع الفحم في الصين

تكشف أهمية قطاع الفحم في الاقتصاد الصيني عن حجم التحدي الذي تواجهه السلطات، فالفحم لا يزال يشكل أكثر من نصف استهلاك الصين من الطاقة الأولية، بحسب البيانات التي أوردتها “فايننشيال تايمز” نقلاً عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، كما بلغ إنتاج الفحم في البلاد مستوى قياسياً وصل إلى 4.8 مليارات طن خلال العام الماضي.

أدت الكارثة إلى وقف العمل في عدد من المناجم المجاورة وبدء عمليات تفتيش واسعة، وأعلنت السلطات المحلية عن مراجعة شاملة لأنظمة التهوية وتصريف الغازات ومراقبة السلامة، في حين تحدثت “أسوشييتد برس” عن احتمال أن يؤثر هذا التفتيش المكثف في إنتاج المقاطعة التي توفر ما يقرب من ثلث إنتاج الصين من الفحم.

دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بذل أقصى الجهود لإنقاذ المصابين والبحث عن المفقودين، كما شدد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الحادث، وأكد رئيس الوزراء لي تشيانغ أهمية نشر المعلومات بدقة ومحاسبة المتورطين بصرامة، وفق ما نقلته “الغارديان”.

تطرح هذه التطورات سؤالاً حقوقياً جوهرياً يتعلق بمسؤولية الدولة والشركات عن حماية العمال في القطاعات الخطرة، فبينما نجحت الصين خلال السنوات الماضية في خفض أعداد الوفيات الناجمة عن حوادث المناجم مقارنة بما كانت عليه في مطلع الألفية، فإن كارثة شانشي تشير إلى أن التقدم في مؤشرات السلامة لا يلغي الحاجة إلى رقابة فعالة ومستمرة تضمن عدم تحول السعي إلى الإنتاج إلى تهديد لحق العمال في الحياة والأمان.

تختتم مأساة ليوشينيو فصلاً جديداً من الجدل حول سلامة العمل في صناعة الفحم الصينية، لكنها تفتح في الوقت ذاته ملفاً أوسع يتعلق بحقوق العمال، وضرورة أن تكون حماية الأرواح معياراً لا يقل أهمية عن تحقيق الإنتاج والنمو الاقتصادي.