تتجه إسبانيا نحو واحدة من أوسع عمليات تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تهدف إلى تقنين أوضاع مئات الآلاف من المقيمين داخل البلاد خارج الإطار القانوني، وتظهر بيانات وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية أن الحكومة استقبلت حتى يونيو 2026 نحو 900 ألف طلب تسوية، في وقت تشير فيه تقديرات بحثية صادرة عن مؤسسة فونكاس إلى وجود نحو 840 ألف شخص يعيشون في وضع غير نظامي داخل إسبانيا.
وتضع هذه الأرقام إسبانيا أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة الاقتصادية إلى العمالة، والالتزامات القانونية المرتبطة بحقوق الإنسان، والضغوط السياسية الداخلية والأوروبية المتعلقة بالهجرة واللجوء، وفق وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية.
جذور الأزمة
تشير بيانات مؤسسة فونكاس الإسبانية للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية إلى أن عدد المقيمين في وضع غير نظامي ارتفع بشكل ملحوظ منذ عام 2017 ليصل إلى نحو 840 ألف شخص بحلول عام 2026. ويعزو التقرير هذا الارتفاع إلى عدة عوامل أبرزها انتهاء صلاحية الإقامات المؤقتة، وتعقيد إجراءات التجديد، وتداخل مسارات الهجرة القانونية واللجوء، إلى جانب حاجة سوق العمل الإسباني إلى اليد العاملة في قطاعات متعددة.
وتوضح وزارة العمل والاقتصاد الاجتماعي الإسبانية أن قطاعات مثل الزراعة والرعاية المنزلية والسياحة والخدمات تعتمد بشكل متزايد على العمالة المهاجرة، ما خلق فجوة بين الطلب الفعلي على العمالة وبين الإطار القانوني المنظم لدخولها وإقامتها.
التسوية الاستثنائية
أقرت الحكومة الإسبانية آلية تسوية استثنائية تستهدف الأشخاص المقيمين داخل البلاد قبل 1 يناير 2026، بشرط عدم وجود سجل جنائي واستيفاء معايير محددة تتعلق بالإقامة أو الروابط الاجتماعية أو العمل أو وضع الهشاشة.
وتؤكد وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية أن المستفيدين من البرنامج يحصلون على تصريح إقامة وعمل لمدة عام واحد قابل للتجديد، ما يتيح لهم الدخول إلى سوق العمل الرسمي والاستفادة من نظام الضمان الاجتماعي والخدمات العامة.
وتشير التقديرات الحكومية إلى أن عدد المستفيدين المحتملين قد يصل إلى نحو 500 ألف شخص، في واحدة من كبريات عمليات التسوية في تاريخ إسبانيا الحديث، وفق وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية.
الفئات المستفيدة
تشمل الفئات المستفيدة من التسوية العمال غير النظاميين المقيمين منذ سنوات، وبعض طالبي اللجوء الذين لم تُحسم ملفاتهم بعد، إلى جانب الأشخاص الذين تربطهم علاقات عائلية أو اجتماعية داخل إسبانيا.
وتشير الحكومة الإسبانية إلى أن الهدف من هذه العملية هو تحويل العمالة غير النظامية إلى قوة عمل قانونية، ما يسهم في تقوية الاقتصاد الرسمي وزيادة إسهامات الضمان الاجتماعي، وفق وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية.
كما ترى وزارة العمل الإسبانية أن إدماج هذه الفئات في سوق العمل الرسمي يسهم في معالجة نقص العمالة الناتج عن شيخوخة السكان وتراجع معدلات المواليد.
فئات خارج دائرة الاستفادة
رغم اتساع نطاق تسوية أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء، تبقى فئات واسعة خارج دائرة الاستفادة، منها الأشخاص الذين دخلوا البلاد بعد التاريخ المحدد، أو أولئك الذين لا يملكون وثائق تثبت الإقامة، إضافة إلى المشردين وبعض ضحايا الاتجار بالبشر الذين يواجهون صعوبات في إثبات أوضاعهم القانونية.
كما يواجه عدد من طالبي اللجوء الذين لم تُبت ملفاتهم بعد مخاطر الاستبعاد من المسار الجديد، خصوصاً في ظل تعقيدات التداخل بين نظام اللجوء ومسارات التسوية الإدارية.
وتشير اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين إلى أن الفئات الأكثر هشاشة غالباً ما تكون الأقل قدرة على استيفاء متطلبات الوثائق والإجراءات، ما يضعها خارج نطاق الحماية رغم حاجتها الكبرى إليها.
طالـبو اللجوء بين مسارين متوازيين
تشير اللجنة الكاتالونية للعمل من أجل اللاجئين إلى أن عدداً كبيراً من طالبي اللجوء يتجهون إلى مسار التسوية الاستثنائية نتيجة طول فترات الانتظار وعدم اليقين بشأن قرارات الحماية الدولية.
وفي هذا السياق، تؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن إسبانيا من بين الدول الأكثر استقبالاً لطلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025، ما يضع ضغطاً إضافياً على نظام الحماية والإدماج.
ويخلق هذا الوضع مساراً مزدوجاً، حيث ينتقل بعض طالبي اللجوء من مسار الحماية الدولية إلى مسار الإقامة الإدارية، دون أن يعني ذلك بالضرورة الحصول على حماية طويلة الأمد.
نظام دبلن.. تحديات إضافية
يمثل نظام دبلن الأوروبي أحد أبرز التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية، إذ يفرض على دولة الدخول الأولى مسؤولية دراسة طلب اللجوء.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى تنفيذ آلاف عمليات النقل سنوياً داخل الاتحاد الأوروبي بموجب هذا النظام، مع تسجيل إسبانيا بوصفها إحدى الدول المستقبلة لهذه الحالات.
كما تؤكد تقارير المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين أن بعض الأشخاص المعادين إلى إسبانيا يواجهون صعوبات في الوصول إلى خدمات الاستقبال والدعم، رغم وجود التزامات قانونية رسمية.
ضغط إداري وهيكلي على النظام
تواجه عملية التسوية ضغطاً إدارياً كبيراً نتيجة الأعداد المرتفعة من الطلبات، ما أدى إلى اختناقات في مواعيد الحجز وإجراءات التسجيل والحصول على الوثائق الرسمية، وفق ما وثقته اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين (CEAR) في تقاريرها الميدانية حول إدارة ملفات الهجرة واللجوء في إسبانيا.
وتشير اللجنة الكاتالونية للعمل من أجل اللاجئين (CCAR) إلى أن الضغط المتزايد على مكاتب الأجانب في كل من برشلونة ومدريد أدى إلى تأخير معالجة عدد كبير من الملفات، مع تفاوت واضح بين الأقاليم الإسبانية في سرعة الاستجابة الإدارية وقدرتها على استيعاب الطلبات.
كما أوضحت نقابة المحامين في برشلونة في ملاحظات مهنية متعلقة بإجراءات الهجرة أن تراكم الطلبات وندرة المواعيد الإلكترونية خلقا حالة من “الاختناق الإداري” أثرت بشكل مباشر في إمكانية استكمال ملفات التسوية في الوقت المحدد.
وتبرز هذه التحديات أهمية البنية الإدارية في نجاح أو تعثر أي سياسة تسوية واسعة النطاق، بحسب تحليل اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين (CEAR) التي تربط بين قدرة الإدارة العامة واستدامة عمليات الإدماج القانوني للمهاجرين.
البعد الاقتصادي للتسوية
يرى بنك إسبانيا ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن إدماج المهاجرين في سوق العمل الرسمي يمثل عاملاً مهماً لدعم النمو الاقتصادي، خصوصاً في ظل التحديات الديموغرافية المرتبطة بشيخوخة السكان.
وتعتمد قطاعات حيوية مثل الزراعة والرعاية الصحية والخدمات على العمالة المهاجرة، ما يجعل التسوية أداة لتنظيم سوق العمل وتقليل الاقتصاد غير الرسمي.
لكن هذا البعد الاقتصادي يظل مرتبطاً بتحديات حقوقية تتعلق بضمان عدم تحول العمالة المهاجرة إلى فئة هشّة داخل النظام القانوني.
الإطار الحقوقي الدولي
تستند قضية الهجرة في إسبانيا إلى مجموعة من الالتزامات الدولية، أبرزها اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة وفعالة يمثل أحد عناصر الحماية الأساسية، في حين تشدد المنظمة الدولية للهجرة على أهمية تعزيز الهجرة الآمنة والمنظمة لتقليل المخاطر الإنسانية.
موقف المنظمات الحقوقية
تشير منظمة العفو الدولية إلى ضرورة ضمان عدم حرمان المهاجرين من حقوقهم الأساسية، ومنها الحق في العمل والصحة والتعليم، بغض النظر عن وضعهم القانوني.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش أهمية معالجة ظروف الاستقبال والهشاشة القانونية التي يواجهها المهاجرون وطالبو اللجوء، خاصة في فترات الانتظار الطويلة.
كما يشير المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين إلى استمرار التحديات المرتبطة بتطبيق نظام دبلن داخل الاتحاد الأوروبي، وتأثيره في الفئات الضعيفة.
من تسوية 2005 إلى تسوية 2026
تشير السجلات الحكومية الإسبانية إلى أن آخر عملية تسوية واسعة النطاق عام 2005 شملت نحو 580 ألف مهاجر. وتأتي تسوية 2026 لتستهدف عدداً مماثلاً تقريباً، ما يعكس عودة الدولة إلى استخدام هذا الإجراء الاستثنائي لمعالجة تراكمات الهجرة غير النظامية.
ويعكس هذا التكرار وجود تحديات بنيوية مستمرة في نظام الهجرة واللجوء وسوق العمل، وفق تحليل وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية.
شباب بين نظامين
تظهر حالات الشباب الذين يعادون إلى إسبانيا بعد بلوغ سن الرشد بموجب نظام دبلن تعقيد الوضع القانوني، إذ يجد بعضهم أنفسهم دون دعم إداري كافٍ رغم ارتباطهم السابق بأنظمة حماية في دول أوروبية أخرى.
وتبرز هذه الحالات الفجوة بين القواعد القانونية الأوروبية والتطبيق العملي على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالاندماج والحماية الاجتماعية.
تكشف تجربة التسوية الإسبانية أن معالجة أوضاع المهاجرين غير النظاميين لا تقتصر على منح تصاريح إقامة مؤقتة، بل ترتبط بمنظومة أوسع تشمل سوق العمل، ونظام اللجوء، والالتزامات الحقوقية الدولية، والبنية الإدارية للدولة.
وبينما تتيح التسوية الحالية فرصة لمئات الآلاف للخروج من الهشاشة القانونية والانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، فإنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة مفتوحة حول الفئات التي تبقى خارج نطاقها، وحول قدرة السياسات الحالية على منع إعادة إنتاج أوضاع عدم الاستقرار القانوني في المستقبل.
وتشير البيانات الرسمية والحقوقية إلى أن نجاح هذه العملية لن يُقاس فقط بعدد التصاريح الممنوحة، بل بمدى قدرتها على تحويل الإدماج القانوني إلى حماية فعلية ومستدامة لحقوق الإنسان.

