منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

تقرير تحليلي: خطاب دول الخليج والأردن أمام مجلس حقوق الإنسان يعيد ترسيم حدود القانون الدولي في مواجهة الهجمات الإقليمية الإيرانية

15 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقد في جنيف
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المنعقد في جنيف

يكشف ملف الخليج والأردن وإيران أمام مجلس حقوق الإنسان عن محاولة إيرانية واضحة لتحويل مسار النقاش من مساءلة إيران عن هجماتها ضد دول الخليج والأردن، إلى تقديم نفسها كضحية للنزاع الإيراني الإسرائيلي والتصعيد المرتبط به، غير أن هذه السردية لا تصمد حقوقيًا أو قانونيًا، لأن دول الخليج والأردن لم تكن طرفًا في الهجوم على أي من أطراف النزاع الإيراني الإسرائيلي، ولم تكن جزءًا من المواجهة العسكرية التي تقول إيران إنها تعرضت لها.

وبالتالي، فإن استهداف إيران لدول الخليج والأردن لا يمكن تبريره تحت ذريعة الدفاع عن النفس، ولا يمكن تقديمه كامتداد مشروع للرد على أطراف أخرى، فالهجمات التي طالت أراضي دول غير مشاركة في النزاع، واستهدفت مدنيين وبنية تحتية مدنية ومرافق حيوية، تمثل انتهاكًا خطيرًا لمبادئ القانون الدولي، وتحديدًا مبادئ السيادة، وحسن الجوار، والتمييز، والتناسب، وحظر الهجمات العشوائية.

من خلال الكلمات التي تم رصدها، يظهر أن موقف دول الخليج والأردن متماسك من الناحية الحقوقية والقانونية، لأنه يستند إلى ثلاث ركائز واضحة: أنها لم تكن طرفًا في النزاع الإيراني الإسرائيلي، وأن الهجمات الإيرانية طالت مدنيين وأعيانًا مدنية، وأن هذه الهجمات خلّفت تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود الدول المستهدفة.

أما كلمة إيران فقد ركزت على إعادة تعريف نفسها كضحية، والحديث عن الاعتداءات التي تعرضت لها، والضحايا الإيرانيين، وحق الدفاع عن النفس، إلا أن هذه السردية تتجاهل السؤال الجوهري: ما علاقة دول الخليج والأردن بأي اعتداء مزعوم على إيران؟ ولماذا يتم استهداف دول لم تشارك في الهجوم على إيران ولم تكن طرفًا مباشرًا في النزاع؟

الخلفية والسياق

جاء النقاش أمام مجلس حقوق الإنسان في سياق الإحاطة الشفوية المقدمة تنفيذًا لقرار المجلس رقم 61/1، والمتعلق بالآثار الحقوقية للهجمات غير المبررة التي شنتها إيران ضد البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية، والإمارات، والأردن.

وقد تناولت الإحاطة الأممية الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي طالت دول المنطقة، وما ترتب عليها من خسائر بشرية وأضرار في البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المطارات، والمرافئ، ومحطات الطاقة، ومحطات تحلية المياه، والمدارس، والجامعات، والمناطق السكنية، ودور العبادة.

هذا الإطار مهم لأنه ينقل النقاش من مستوى الاتهامات السياسية إلى مستوى الحقوق الأساسية للمدنيين: الحق في الحياة، والحق في الأمن، والحق في الصحة، والحق في المياه، والحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في العيش في بيئة آمنة ومستقرة.

موقف دول الخليج والأردن

1.      موقف جماعي واضح: إيران مسؤولة عن هجمات غير مبررة

البيان المشترك الذي قدمه مندوب البحرين باسم عدد من دول الخليج والأردن أكد أن الهجمات الإيرانية لا يمكن التعامل معها كأعمال عسكرية عادية أو كجزء مشروع من نزاع قائم، لأنها استهدفت دولًا لم تكن طرفًا في النزاع الإيراني الإسرائيلي.

هذه النقطة هي جوهر الموقف الخليجي والأردني.. فحتى لو ادعت إيران أنها تعرضت لاعتداء من أطراف أخرى، فإن ذلك لا يمنحها حق توسيع دائرة النزاع واستهداف دول مجاورة أو دول إقليمية لم تشارك في الهجوم عليها.

2.      استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية

ركزت كلمات الخليج والأردن والكويت والإمارات على أن الهجمات لم تكن رمزية أو محدودة، بل طالت أعيانًا مدنية وبنى تحتية حيوية، مثل المطارات، والموانئ، ومنشآت الطاقة، والمياه، والكهرباء، والاتصالات، والمدارس، والجامعات، ودور العبادة، والمناطق السكنية.

هذا النوع من الاستهداف لا يمس السيادة فقط، بل يضرب أساس الحياة اليومية للمدنيين. فعندما تُستهدف محطة تحلية مياه، لا يكون الضرر عسكريًا فقط، بل يصبح مساسًا مباشرًا بحق السكان في المياه والصحة. وعندما تُستهدف المطارات والموانئ، فإن الأثر يمتد إلى التنقل، والدواء، والغذاء، وسلاسل الإمداد، وحركة المدنيين.

3.      الهجمات بوصفها تهديدًا للأمن الإنساني والاقتصادي

أبرزت دول الخليج والأردن أن الهجمات الإيرانية تجاوزت حدود الضرر العسكري، لأنها أثرت على الأمن الإنساني والاقتصادي والاستقرار المجتمعي. وهذا يظهر بوضوح في الحديث عن تعطيل المرافق الحيوية، وتهديد مضيق هرمز، وتأثير الهجمات على سلاسل الإمداد العالمية.

بمعنى آخر، إيران لم تستهدف دولًا فقط، بل عرّضت مصالح مدنيين ومقيمين وعمال ومجتمعات واقتصادات بأكملها للخطر.

تحليل موقف الكويت

كلمة الكويت كانت شديدة الوضوح في تحميل إيران المسؤولية.. فقد أشارت إلى أن الكويت تعرضت منذ 29 فبراير إلى أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بما يعكس نمطًا ممنهجًا من الاستهداف لا حادثة عابرة.

أهمية كلمة الكويت أنها ركزت على ثلاث نقاط:

الأولى، أن الهجمات الإيرانية شكلت تهديدًا مباشرًا للمدنيين والمقيمين، وتسببت في خسائر وإصابات وأضرار مادية ومعنوية.

الثانية، أن التكرار الممنهج للهجمات يؤكد أن الأمر لا يتعلق برد محدود، بل بمسار تصعيدي يمس سيادة الدول واستقرارها.

الثالثة، أن تهديد مضيق هرمز يمثل خطرًا عالميًا وليس إقليميًا فقط، لأنه يمس حرية الملاحة والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

ومن الناحية القانونية، كان موقف الكويت قويًا عندما ربط بين حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وبين تحميل إيران المسؤولية القانونية الدولية عن الأضرار والآثار التي ترتبت على الهجمات.

تحليل موقف الإمارات

كلمة الإمارات ركزت على أن الهجمات الإيرانية لا يمكن تبريرها سياسيًا أو قانونيًا، وأن إيران واصلت اعتداءاتها رغم الرسالة الواضحة التي بعث بها مجلس حقوق الإنسان عبر القرار الطارئ.

أبرز ما في الكلمة الإماراتية أنها ربطت بين الهجمات الإيرانية وحقوق الإنسان الأساسية، ولم تحصر المسألة في السيادة فقط؛ فقد اعتبرت أن استهداف المطارات، والموانئ، ومنشآت الطاقة، والمدارس، والجامعات، ودور العبادة، والكهرباء، والمياه، والاتصالات، يمثل اعتداءً مباشرًا على حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة، والأمن، والصحة، والتعليم، والعمل.

كما قدمت الإمارات نفسها كنموذج دولة مستقرة ومنفتحة وقادرة على حماية الإنسان والبنية التحتية واستمرارية الاقتصاد رغم الهجمات. وهذه نقطة مهمة لأنها تقابل السردية الإيرانية القائمة على الضحية بسردية دولة مسؤولة تركز على حماية المدنيين واستمرارية الخدمات وعدم الانجرار إلى الفوضى.

تفكيك كلمة إيران

1.      محاولة نقل النقاش من مسؤولية إيران إلى مظلومية إيران

كلمة إيران بدأت من فكرة أنها تدخل السنة الأولى منذ بداية الاعتداءات عليها، وأن الشعب الإيراني عانى من الحرب، وأن هناك ضحايا وناجين وآثارًا نفسية وإنسانية. هذه المقدمة تهدف إلى إعادة تموضع إيران داخل النقاش: من طرف متهم بشن هجمات على دول الخليج والأردن، إلى طرف يطالب بالإنصاف بوصفه ضحية.

لكن هذه المحاولة لا تجيب عن جوهر الملف. فالنقاش في مجلس حقوق الإنسان لم يكن حول المعاناة داخل إيران فقط، بل حول الهجمات التي شنتها إيران على دول الخليج والأردن. وحتى لو كانت هناك انتهاكات ضد إيران، فإن ذلك لا يمنحها حق مهاجمة دول غير مشاركة في النزاع.

2.      الخلط بين النزاع الإيراني الإسرائيلي ودول الخليج والأردن

إيران حاولت ربط هجماتها بما قالت إنه اعتداءات تعرضت لها منذ يونيو 2025، وبما وصفته بأنه تهديد وحصار وتصعيد مستمر. غير أن هذا الربط غير مقنع، لأن دول الخليج والأردن لم تكن طرفًا في الهجوم على إيران أو في النزاع الإيراني الإسرائيلي.

وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في خطاب إيران: فهي تتحدث عن اعتداءات تعرضت لها، لكنها لا تقدم أساسًا قانونيًا يبرر نقل المعركة إلى دول أخرى لم تشارك في تلك الاعتداءات.

3.      استخدام خطاب الدفاع عن النفس بطريقة غير مقنعة

قالت إيران إن ردها جاء في إطار الدفاع عن النفس وتقرير المصير ووفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لكن حق الدفاع عن النفس لا يعني حق استهداف دول غير مشاركة في الهجوم، ولا يبرر ضرب البنية التحتية المدنية أو تعريض المدنيين للخطر.

الدفاع عن النفس في القانون الدولي له شروط، أبرزها الضرورة والتناسب وتوجيه الرد نحو مصدر التهديد الفعلي. أما استهداف دول لم تكن طرفًا في النزاع، وتهديد الملاحة، وضرب منشآت مدنية، فلا يمكن تغطيته قانونيًا تحت عنوان الدفاع عن النفس.

4.      محاولة قلب صفة الضحية والمعتدي

إيران قالت إن النقاش يخلط بين الضحية والمعتدي. لكن من زاوية الخليج والأردن، هذا الاتهام نفسه هو محاولة لقلب الحقيقة؛ فالدول التي تعرضت للهجمات لم تكن طرفًا في النزاع الإيراني الإسرائيلي، ولم تبادر إلى الاعتداء على إيران، بل تعرضت لهجمات على أراضيها ومرافقها الحيوية.

لذلك، فإن ادعاء إيران بأنها الضحية لا يلغي كونها في هذا الملف طرفًا مسؤولًا عن توسيع النزاع واستهداف دول أخرى.

5.      الحديث عن ضحايا إيران لا يبرر إيقاع ضحايا آخرين

لا يمكن إنكار أن المدنيين في أي دولة يستحقون الحماية، بما في ذلك المدنيون الإيرانيون. لكن استخدام معاناة المدنيين الإيرانيين لتبرير استهداف مدنيين في دول الخليج والأردن يمثل منطقًا مرفوضًا حقوقيًا. فالضحايا لا يبررون صناعة ضحايا جدد، والانتهاك لا يبرر انتهاكًا مضادًا.

6.      تجاهل الأثر الحقوقي للهجمات على دول الخليج والأردن

كلمة إيران ركزت على الضحايا الإيرانيين، لكنها لم تقدم معالجة جدية للضحايا في دول الخليج والأردن، ولا للأضرار التي طالت البنية التحتية المدنية، ولا لتعطيل الخدمات، ولا لتهديد مضيق هرمز. هذا التجاهل يضعف الخطاب الإيراني، لأنه يحاول إعادة توجيه النقاش دون الاعتراف بالضرر الذي وقع على الآخرين.

7.      التناقض بين الدعوة للسلام وتوسيع نطاق النزاع

إيران أكدت أنها تؤمن بالسلم والأمن الجماعيين، وأن أمن المنطقة مترابط. لكن الهجمات على دول الخليج والأردن تناقض هذا الخطاب، لأن الأمن الجماعي لا يتحقق عبر استهداف دول الجوار أو تعريض المدنيين والمرافق الحيوية للخطر.

إذا كانت إيران تؤمن فعلًا بأمن المنطقة فإن أول خطوة يجب أن تكون وقف الهجمات على الدول غير المشاركة في النزاع، واحترام سيادتها، والعودة إلى القنوات الدبلوماسية.

لماذا لا تنجح سردية الضحية الإيرانية؟

سردية إيران لا تنجح في هذا الملف لعدة أسباب واضحة، وهي:

  • دول الخليج والأردن لم تكن طرفًا في الهجوم على إيران أو في النزاع الإيراني الإسرائيلي.
  • إيران لم تقدم مبررًا قانونيًا مقنعًا لاستهداف دول غير مشاركة في النزاع.
  • الهجمات طالت مدنيين وبنية تحتية مدنية ومرافق حيوية، وهو ما لا يمكن تبريره بالدفاع عن النفس.
  • تهديد مضيق هرمز وسلاسل الإمداد يعرض مصالح شعوب ودول كثيرة للخطر، وليس أطراف النزاع فقط.
  • الحديث عن ضحايا إيران لا يلغي حقوق الضحايا في دول الخليج والأردن.
  • الدفاع عن النفس لا يسمح بالرد العشوائي أو توسيع النزاع ضد أطراف غير مشاركة.
  • إيران تحاول نقل النقاش من مسؤوليتها عن الهجمات إلى مظلوميتها، دون معالجة جوهر الاتهامات الموجهة إليها.
  • دول الخليج والأردن قدمت خطابًا أكثر اتساقًا: نحن لسنا طرفًا في النزاع، تعرضنا لهجمات، نطالب بحماية المدنيين، ونتمسك بالدبلوماسية وحسن الجوار.

جدول تحليل المواقف

المفوضية السامية

  • دعت إلى وقف الهجمات الإيرانية وحماية المدنيين
  • تعاملت مع الخليج والأردن كدول متضررة من الهجمات
  • موقف حقوقي يركز على الأثر المدني والإنساني

البحرين باسم المجموعة

  • إدانة واضحة لإيران وتحميلها المسؤولية
  • تأكيد أن دول الخليج والأردن ضحايا لهجمات غير مبررة
  • موقف جماعي متماسك قانونيًا

الكويت

  • إدانة شديدة لإيران مع أرقام تفصيلية للهجمات
  • إبراز الكويت كدولة مستهدفة رغم عدم مشاركتها في النزاع
  • موقف قوي ومسنود بتفاصيل رقمية

الإمارات

  • إدانة شديدة للهجمات ورفض أي تبرير لها
  • إبراز الإمارات كدولة متضررة وصامدة تحمي المدنيين والخدمات
  • خطاب يجمع بين الإدانة والقدرة على الصمود

إيران

  • تنفي السردية وتقدم نفسها كضحية
  • لا تعترف بشكل كافٍ بضرر الهجمات على الخليج والأردن
  • سردية دفاعية تحاول قلب الضحية والمعتدي لكنها غير مقنعة

خلاصة نهائية

ملف الخليج والأردن وإيران أمام مجلس حقوق الإنسان يكشف محاولة إيرانية لإعادة صياغة النقاش حول نفسها بوصفها ضحية، إلا أن هذه المحاولة لا تصمد أمام الحقائق الأساسية: دول الخليج والأردن لم تكن طرفًا في النزاع الإيراني الإسرائيلي، والهجمات الإيرانية طالت دولًا غير مشاركة، وأثرت على المدنيين والبنية التحتية والخدمات الأساسية والملاحة الدولية.

لذلك، فإن الموقف الحقوقي الأكثر اتساقًا هو الوقوف بوضوح إلى جانب دول الخليج والأردن في إدانة الهجمات الإيرانية، والمطالبة بوقفها فورًا، وتحميل إيران مسؤولية آثارها، مع التأكيد على أن حماية المدنيين، واحترام السيادة، وحسن الجوار، وحرية الملاحة، والعودة إلى الدبلوماسية، هي الأساس الوحيد المقبول لمنع اتساع الأزمة وتحقيق الاستقرار في المنطقة.