أعادت شركات الأدوية فتح واحدة من أكثر المعارك القانونية حساسية في الولايات المتحدة، بعدما تقدمت بطلبات عاجلة إلى المحكمة العليا لإعادة العمل بإمكانية الحصول على دواء “ميفيبريستون” عبر البريد، في خطوة تعكس مخاوف متصاعدة من تقويض مسار طبي ظل لسنوات يمثل ركيزة أساسية في الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية، وفقاً لما أوردته صحيفة “واشنطن بوست”.
ودفعت شركة “دانكو لابوراتوريز”، بوصفها إحدى الجهتين الرئيسيتين لتصنيع الدواء، باستئناف طارئ فور صدور حكم محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الخامسة، قبل أن تلحق بها شركة “جينبيوبرو” بطلب مماثل، في تحرك متسارع يعكس حجم القلق داخل القطاع الدوائي من تداعيات القرار، ولم يقتصر الطعن على الجوانب الإجرائية، بل امتد ليشمل جوهر النظام التنظيمي الذي يحكم تداول الأدوية في البلاد.
وأعادت المحكمة، عبر حكمها الصادر يوم الجمعة، فرض شرط الحصول على “ميفيبريستون” بشكل حضوري فقط، منهية بذلك مساراً توسع تدريجياً خلال السنوات الماضية، خاصة بعد جائحة كورونا، حيث أصبح التطبيب عن بعد والتوصيل البريدي أحد أهم الوسائل التي اعتمدت عليها النساء للوصول إلى الدواء، خصوصاً في الولايات التي تفرض قيوداً مشددة على الإجهاض.
وربطت الدعوى التي رفعتها ولاية لويزيانا بين هذا التيسير في الوصول إلى الحبوب واستمرار عمليات الإجهاض داخل الولاية رغم الحظر شبه الكامل، وهو ما تبنته المحكمة في قرارها، معتبرة أن سياسات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لا تنسجم مع القوانين المحلية، بل وقد تؤدي -وفقاً لرؤيتها- إلى تقويضها عملياً.
ووصفت شركة “دانكو” الحكم بأنه غير مسبوق، مشيرة في مذكرتها إلى أن محكمة اتحادية لم تقدم من قبل على تقييد توزيع دواء معتمد منذ سنوات طويلة، أو إعادة فرض شروط سبق أن اعتبرت غير متوافقة مع المعايير القانونية، ما يعكس -بحسب الشركة- انحرافاً عن المسار المعتاد في تنظيم الأدوية.
قيود قانونية
أثار القرار القضائي موجة واسعة من القلق داخل الأوساط الطبية والحقوقية، إذ نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الحكم لا يهدد فقط آلية توزيع الدواء، بل قد يعطل أحد أهم مسارات الوصول إلى الإجهاض في الولايات المتحدة بأكملها، وليس فقط في الولايات التي تفرض حظراً عليه.
أوضحت المراسلة المتخصصة في الصحة والعلوم بام بيلوك أن نحو ربع عمليات الإجهاض في البلاد تتم حالياً عبر التطبيب عن بعد، في حين يستخدم العلاج الدوائي في قرابة ثلثي الحالات، ما يجعل أي تقييد له ذا أثر مباشر وواسع النطاق في النظام الصحي وفي خيارات النساء.
استندت ولاية لويزيانا في طعنها إلى أن تخفيف القيود على “ميفيبريستون” استند إلى بيانات غير كافية أو معيبة، غير أن منظمات طبية كبرى نفت ذلك، مستندة إلى أكثر من مئة دراسة علمية أظهرت أن الدواء آمن وفعال، وأن المضاعفات الخطيرة المرتبطة به نادرة للغاية، وهو ما يعمق التناقض بين التقييم العلمي والقرار القضائي.
أعادت هيئة مكونة من ثلاثة قضاة في محكمة الاستئناف فرض القيود السابقة التي كانت إدارة الغذاء والدواء قد خففتها، ومنها شرط المعاينة الشخصية، وهو شرط كان قد ألغي لأول مرة عام 2021، قبل أن يصبح الإلغاء دائماً لاحقاً، ما يعكس تراجعاً واضحاً عن مسار التيسير الذي استمر لسنوات.
ربطت المحكمة قرارها أيضاً باعتبارات مالية وقانونية، مشيرة إلى أن سياسات التيسير قد تحمل الولاية أعباءً إضافية عبر برنامج “ميديكيد”، وهو ما يعكس انتقال النزاع من مجرد قضية صحية إلى صراع متعدد الأبعاد يشمل السياسة والاقتصاد والقانون.
تحذير من “الفوضى”
حذرت شركات الأدوية من أن تداعيات القرار لا تقتصر على الإجهاض، بل تمتد إلى استقرار النظام الدوائي بأكمله، مؤكدة -وفقاً لما نقلته صحيفة “بوليتيكو”- أن الحكم يحدث “فوضى فورية” ويخلق حالة غير مسبوقة من عدم اليقين القانوني.
أشارت الشركات إلى أن القرار يجبر المرضى ومقدمي الرعاية الصحية والصيدليات على العمل في بيئة ضبابية، حيث يصبح من الصعب تحديد ما هو مسموح وما هو محظور، وهو ما يهدد بشكل مباشر القرارات الطبية الحساسة التي تعتمد على عامل الوقت.
لفتت البيانات إلى أن “ميفيبريستون” يستخدم فيما يقرب من ثلثي عمليات إنهاء الحمل في الولايات المتحدة، في حين يعتمد نحو ربع المرضى على خدمات التطبيب عن بعد للحصول عليه، ما يعني أن أي تقييد -حتى لو كان مؤقتاً- ستكون له تداعيات فورية وواسعة على ملايين النساء.
طرحت الأوساط الطبية بدائل محدودة، مثل استخدام “الميزوبروستول” وحده، إلا أن هذا الخيار يعد أقل فعالية، وقد يتسبب في آلام وتقلصات لفترات طولى، ما يضع المرضى أمام خيارات أكثر صعوبة في ظل القيود الجديدة.
حذرت قيادات في قطاع التكنولوجيا الحيوية من أن تجاوز القضاء لسلطة إدارة الغذاء والدواء قد يفتح الباب أمام الطعن في أدوية أخرى، ليس فقط تلك المرتبطة بالإجهاض، بل أيضاً علاجات الإدمان والهرمونات واللقاحات، وهو ما قد يؤدي إلى تسييس واسع النطاق للقرارات العلمية.
الحق في الصحة
كشفت تقارير لوكالة “فرانس برس” أن القرار القضائي يعيد صياغة مفهوم الوصول إلى الرعاية الصحية، إذ لم يعد النزاع مقتصراً على شرعية الإجهاض، بل امتد ليشمل الوسائل التي تمكن المرضى من الحصول عليه، في ظل إلزام النساء بالحصول على الدواء من عيادات طبية فقط.
أبرزت الوكالة أن “ميفيبريستون”، المعتمد منذ عام 2000 ويستخدم حتى الأسبوع العاشر من الحمل إلى جانب “ميزوبروستول”، يعد من أكثر الأدوية استخداماً في هذا المجال، ما يجعل تقييده ذا أبعاد تتجاوز الإطار الطبي إلى نطاق حقوقي أوسع يتعلق بالحق في الصحة.
أعادت هذه القضية تسليط الضوء على الانقسام الحاد بين الولايات الأمريكية، خاصة بعد قرار المحكمة العليا عام 2022 بإلغاء الحق الدستوري في الإجهاض، حيث فرضت نحو 20 ولاية قيوداً صارمة أو حظراً شبه كامل، في مقابل تحركات مضادة من ولايات أخرى لضمان استمرارية الوصول إلى الخدمات.
وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين تؤيد الإجهاض القانوني، رغم تصاعد الضغوط من جماعات مناهضة تسعى إلى تقييده، ما يعكس فجوة متزايدة بين الرأي العام والسياسات المعتمدة في بعض الولايات.
واختتمت هذه التطورات فصلاً جديداً من الصراع حول الإجهاض في الولايات المتحدة، حيث بات الحق في الصحة الإنجابية – ومنه الوصول الآمن والفعال إلى العلاج- في مواجهة مباشرة مع اعتبارات سياسية وقضائية متشابكة، تضع النظام القانوني أمام اختبار حاسم في موازنة الحقوق مع السلطة التنظيمية.
