أكدت غالبية الدول المشاركة في المناقشة العامة لمجلس حقوق الإنسان أهمية الاستعراض الدوري الشامل باعتباره آلية عالمية تقوم على استعراض الأقران والحوار بين الدول، وتتيح تقييم التزامات حقوق الإنسان وتبادل الخبرات والممارسات الجيدة. وتركز النقاش، مع اقتراب نهاية الدورة الرابعة والاستعداد للدورة الخامسة، على ضرورة الانتقال من مرحلة تقديم التوصيات إلى تنفيذها، وتعزيز الآليات الوطنية للمتابعة، وضمان المشاركة الآمنة للمجتمع المدني، والحفاظ على مبادئ العالمية والحياد وعدم الانتقائية.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الثلاثين للدورة، وفي إطار المناقشة العامة بشأن البند السادس من جدول الأعمال، برئاسة رئيس مجلس حقوق الإنسان، السفير سيدهارتو ريزا سورياوديورو، حيث قدمت الدول الأعضاء ومجموعات إقليمية ودولية رؤيتها لمستقبل الاستعراض الدوري الشامل، في ضوء اقتراب الدورة الخامسة من الآلية.
ويأتي النقاش في وقت تستعد فيه منظومة الاستعراض الدوري الشامل للانتقال إلى دورتها الخامسة، بعد نحو عشرين عاماً على إنشاء الآلية، التي أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في الدول الأعضاء بالأمم المتحدة. وركزت المداخلات على كيفية الحفاظ على الطابع العالمي للآلية، وتعزيز قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة، وتحويل التوصيات المقبولة إلى سياسات وإجراءات وطنية.
منظمة التعاون الإسلامي: الحفاظ على الطابع الفريد للاستعراض
وأكدت باكستان، نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي، تقدير المجموعة للاستعراض الدوري الشامل باعتباره آلية تقودها الدول وتقوم على استعراض الأقران داخل مجلس حقوق الإنسان.
وأشارت إلى أن الدورات الأربع للاستعراض أسهمت في تمكين الدول من اتخاذ تدابير تشريعية وسياساتية وإدارية للنهوض بحقوق الإنسان، من خلال الحوار البناء والمشاركة العالمية والانخراط رفيع المستوى.
كما أكدت أن إعداد التقارير الوطنية، ومساهمات المجتمع المدني، وتبادل الإنجازات وأفضل الممارسات، إلى جانب الملاحظات البناءة، شكلت عناصر مهمة في نجاح العملية.
ومع بدء التحضير للدورة الخامسة، شددت منظمة التعاون الإسلامي على ضرورة الحفاظ على المبادئ التي قامت عليها الآلية، وفي مقدمتها العالمية والحياد والشفافية والمساواة في معاملة الدول، إلى جانب طابعها الطوعي والقائم على استعراض الأقران.
كما أشادت بدور الصندوقين الطوعيين للاستعراض الدوري الشامل في توفير التعاون التقني وبناء القدرات، وبالدعم الذي تقدمه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لضمان حسن سير العملية.
الاتحاد الأوروبي: توصيات أكثر تحديداً وتنفيذاً
وجدد الاتحاد الأوروبي دعمه للاستعراض الدوري الشامل باعتباره أداة لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها على المستوى العالمي، مؤكداً أن قوة الآلية ترتبط بعالميتها والمساواة في معاملة الدول والمشاركة الشاملة.
ودعا الاتحاد جميع الدول إلى المشاركة الكاملة في العملية، وتقديم توصيات محددة وموجهة نحو العمل، والعمل على تنفيذ التوصيات التي تقبلها الدول بصورة هادفة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية الآليات الوطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة، باعتبارها أدوات يمكن أن تساعد الحكومات في تحويل التوصيات الدولية إلى إجراءات وطنية.
وشدد الاتحاد الأوروبي كذلك على أهمية مشاركة منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، مع ضرورة ضمان مشاركتهم بصورة آمنة وهادفة، وخالية من الترهيب أو المضايقة أو الأعمال الانتقامية.
خلاف حول التسييس والانتقائية
وأظهرت المداخلات استمرار اختلاف وجهات النظر بشأن كيفية ضمان موضوعية الاستعراض الدوري الشامل ومنع تسييسه.
وأكدت فنزويلا، نيابة عن مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، أن الاستعراض يستند إلى معلومات موضوعية وموثوقة بشأن وفاء الدول بالتزاماتها وتعهداتها في مجال حقوق الإنسان، وأن جميع الدول يجب أن تعامل على قدم المساواة.
وأشارت المجموعة إلى أن الاستعراض ينبغي أن يستند إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والصكوك الحقوقية التي تكون الدولة المعنية طرفاً فيها.
وحذرت من المبادرات التي وصفتها بأنها قد تؤدي إلى تسييس الآلية من خلال بيانات أو اتهامات لا تستند إلى أساس، داعية إلى الابتعاد عن الآليات الانتقائية والمسيّسة، وتعزيز المساعدة التقنية والتعاون بناء على طلب الدول وموافقتها.
أما حركة عدم الانحياز، التي تحدثت باسمها أوغندا، فأكدت ضرورة الحفاظ على الاستعراض الدوري الشامل باعتباره الآلية الدولية الحكومية الوحيدة التي تتيح فحص قضايا حقوق الإنسان على المستوى الوطني في جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.
وشددت الحركة على ضرورة أن يظل الاستعراض موجهاً نحو النتائج، وأن يركز على بناء القدرات، مع ضمان عدم الانتقائية وعدم تسييس قضايا حقوق الإنسان.
كما أكدت أن الآلية لا ينبغي أن تستخدم للتدخل في الشؤون الداخلية للدول أو التشكيك في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو خصوصياتها الوطنية والدينية والثقافية.
الانتقال من التوصيات إلى التنفيذ
وكانت مسألة التنفيذ واحدة من أكثر النقاط حضوراً في النقاش.
وقالت سلوفينيا، بالنيابة عن أستراليا وسويسرا، إن الاستعراض الدوري الشامل يحتفل بالذكرى العشرين لتأسيسه، بينما تقترب الدورة الرابعة من نهايتها، معتبرة أن عالميته وطابعه التعاوني والمساواة في معاملة الدول تمثل عناصر أساسية في استمراره.
وأكدت أن جهود تعزيز الكفاءة يجب أن تقوي الآلية لا أن تضعفها، مشددة على أن التنفيذ الفعال للتوصيات المقبولة ينبغي أن يكون في صميم الأولويات خلال المرحلة المقبلة.
وأضافت أن التنفيذ يحتاج إلى موارد كافية وقدرات تشغيلية وإرادة سياسية مستدامة، إلى جانب إجراءات وطنية قوية وإشراك جميع أصحاب المصلحة.
كما دعت إلى إيلاء اهتمام خاص للآليات الوطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة، معتبرة أن استمرارها وقدرتها على التنسيق والعمل يمثلان عاملاً أساسياً في المتابعة الفعالة.
وأكدت في الوقت نفسه أن سلامة المشاركين في الاستعراض تعد جزءاً من استدامته، وأن الأعمال الانتقامية ضد المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وغيرهم من المتعاونين مع الآليات أمر غير مقبول.
الهند: مراعاة الظروف الوطنية
وأكدت الهند، نيابة عن مجموعة من الدول، أن الاستعراض الدوري الشامل كان من أهم آليات مجلس حقوق الإنسان لتعزيز جميع حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في التنمية.
وأشارت إلى أن طابع استعراض الأقران أتاح تبادل الممارسات والخبرات الوطنية، وتعزيز التفاهم المتبادل، ودعم المؤسسات والتشريعات الوطنية.
وشددت على أن الاستعراض يجب أن يظل عملية تقودها الدول، وحكومية دولية، وموضوعية وشفافة وغير انتقائية وبناءة وغير تصادمية وغير مسيسة.
وأكدت أن لكل دولة الحق في تحديد كيفية تنفيذ التوصيات المقبولة وفقاً لظروفها الوطنية، مع الاعتراف بدور المساعدة التقنية وبناء القدرات التي تقدمها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عندما تطلب الدول ذلك.
كما أشارت الهند إلى أن بعض تحديات التنفيذ ترتبط بمحدودية الموارد والقدرات، وهو ما يجعل الدعم التقني الموجه أداة مهمة لمساعدة الدول على الوفاء بالتزاماتها.
أفريقيا: ربط الاستعراض بالتنمية
وجددت المجموعة الأفريقية، في مداخلة قدمتها كينيا، دعمها للاستعراض الدوري الشامل باعتباره آلية عالمية وتعاونية وغير تصادمية تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والمساواة في معاملة الدول.
وأشارت المجموعة إلى أن الآلية توفر منصة لتبادل التقدم المحرز والممارسات الجيدة والتحديات في مجال حقوق الإنسان، مرحبة في الوقت نفسه باعتماد نتائج الاستعراض الدوري الشامل لناميبيا والنيجر وموزمبيق وسيشل وسيراليون والصومال.
كما أبرزت المجموعة التكامل بين الاستعراض الدوري الشامل والآليات الإقليمية الأفريقية، ومنها الآلية الأفريقية للمراجعة من قبل النظراء وهيكل الحوكمة الأفريقي، معتبرة أن هذه الأطر يمكن أن تعزز الجهود الوطنية في مجالات الديمقراطية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
وأكدت أن القيمة الحقيقية للاستعراض تظهر عندما تتحول التوصيات المقبولة إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس، وهو ما يتطلب ملكية وطنية مدعومة بالتعاون الدولي والمساعدة التقنية وبناء القدرات، ولا سيما في الدول الأقل نمواً والدول الجزرية الصغيرة والدول الخارجة من النزاعات.
العراق: الحوار واحترام الخصوصيات
وجدد العراق تأكيده على الدور المحوري للاستعراض الدوري الشامل في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، مشيراً إلى أن العملية تتيح للدول مراجعة التزاماتها وتقييم التقدم المحرز وتبادل أفضل الممارسات.
وشدد على ضرورة أن يقوم الاستعراض على حوار تفاعلي مع الدولة المعنية بطريقة موضوعية ومحايدة، وأن تكون التوصيات المقدمة مراعية لخصوصيات الدول الثقافية والدينية والتحديات التي تواجهها.
وأكد العراق أن مستقبل الاستعراض ينبغي أن يقوم على التعاون الإيجابي، مع استمرار الدول في تنفيذ التوصيات المقبولة وفقاً لظروفها الوطنية.
وأكدت مصر مجدداً الدور المهم للاستعراض الدوري الشامل في تعزيز حقوق الإنسان حول العالم، مشيرة إلى أن الآلية تضع الدول على قدم المساواة وتتيح لها تبادل الخبرات وتقييم أوضاع حقوق الإنسان.
وأوضحت أن مصر شاركت في يناير/كانون الثاني 2025 في عملية الاستعراض الخاصة بها، وأنها تعمل على تنفيذ التوصيات التي قبلتها.
ومع اقتراب الدورة الخامسة، شددت مصر على المسؤولية المشتركة عن تعزيز الاستعراض الدوري الشامل، وعلى أهمية التعاون والحياد للوصول إلى نتائج بناءة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مستقبل الاستعراض
وطرحت مقدونيا الشمالية جانباً جديداً في النقاش يتعلق بالتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، داعية إلى بحث الفرص والتحديات التي يمكن أن تطرحها هذه التقنيات على عملية الاستعراض، ولا سيما تأثيرها المحتمل على الحيز المدني والأصوات المستقلة والمشاركة الهادفة.
وأكدت أن هناك حاجة إلى تعزيز منظور النوع الاجتماعي في جميع مراحل دورة الاستعراض، في ظل استمرار التمييز ضد النساء، والهجمات على المدافعات عن حقوق الإنسان، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
كما شددت على ضرورة أن يتمكن المجتمع المدني والمدافعون عن حقوق الإنسان من المشاركة بأمان وفاعلية في جميع مراحل العملية.
إسبانيا: التكنولوجيا لتقييم التنفيذ
وقدمت إسبانيا مثالاً عملياً على مسار التنفيذ، مشيرة إلى خضوعها للاستعراض الدوري الشامل في أبريل/نيسان 2025، وتلقيها 324 توصية وقبولها 93.5% منها.
وأكدت التزامها بمواصلة تنفيذ التوصيات واحترام التزاماتها الدولية، داعية في الدورة الخامسة إلى استخدام التكنولوجيا والنظم الرقمية في منهجة وتقييم مستوى الامتثال للتوصيات.
كما طالبت بتوسيع مشاركة المجتمع المدني ومكاتب أمناء المظالم والبرلمانات والمؤسسات الإقليمية والمحلية في العملية.
الصين وإندونيسيا: الحفاظ على العالمية
وأكدت الصين أن الاستعراض الدوري الشامل آلية حيوية لمجلس حقوق الإنسان، وأن عمله ينبغي أن يقوم على الموضوعية والشفافية وعدم الانتقائية والحوار البناء وعدم المواجهة وعدم التسييس.
ودعت إلى الحفاظ عليه كمنصة للحوار والتعاون، وأشارت إلى مساهماتها في الصندوق الطوعي للاستعراض الدوري الشامل.
أما إندونيسيا فشددت على أن العالمية هي المبدأ الأساسي الذي لا ينبغي أن تفقده الآلية، محذرة من العودة إلى الانتقائية.
وأكدت أن التوصيات يجب أن تراعي اختلاف الحقائق والقدرات الوطنية، بما يضمن أن يؤدي تنفيذها إلى أثر حقيقي على أرض الواقع، داعية إلى تعزيز الاستعداد للدورة الخامسة بصورة جوهرية لا تقتصر على الجوانب التقنية.
نحو دورة خامسة أكثر تركيزاً على التنفيذ
وعكست المناقشة العامة توافقاً واسعاً بين الدول على أهمية استمرار الاستعراض الدوري الشامل، مع اختلافات في بعض الرؤى المتعلقة بحدود الآلية وكيفية ضمان عدم تسييسها.
غير أن محوراً مشتركاً برز في معظم المداخلات، يتمثل في ضرورة الانتقال من ثقافة تقديم التوصيات إلى ثقافة تنفيذها ومتابعتها، وتعزيز الآليات الوطنية للإبلاغ والمتابعة، وتوفير الدعم التقني وبناء القدرات للدول التي تحتاج إليه، مع ضمان مشاركة المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية والمدافعين عن حقوق الإنسان بصورة آمنة.
ومع اقتراب الدورة الخامسة، يبدو أن التحدي الأساسي الذي تواجهه الآلية لا يتعلق فقط باستمرار عالميتها، وإنما بقدرتها على إثبات أن التوصيات التي تصدر عنها يمكن أن تتحول إلى سياسات وتشريعات وإجراءات ملموسة تنعكس على حياة الأفراد.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحفاظ على المبادئ التي تأسست عليها الآلية، وفي مقدمتها المساواة في المعاملة، والموضوعية، والشفافية، وعدم الانتقائية، والحوار البناء، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي واحترام الظروف الوطنية.
وهكذا اختتمت المناقشة العامة مساراً امتد عبر مداخلات دول ومجموعات إقليمية متعددة، متجهة نحو مرحلة جديدة من الاستعراض الدوري الشامل، سيكون عنوانها الرئيسي ـ وفق ما عكسته المداخلات ـ كيف تتحول التوصيات المقبولة من وثائق دولية إلى التزامات وطنية قابلة للقياس، ونتائج ملموسة في مجال حقوق الإنسان؟
