تواجه النساء والفتيات من الشعوب الأصلية إرثاً ممتداً من الانتهاكات التي مست حقوقهن الجنسية والإنجابية والصحية، في سياق تاريخي ارتبط بالاستعمار والتمييز والعنصرية المنهجية ومحاولات طمس الهوية الثقافية، إلى جانب ما تسببه النزاعات المسلحة والعسكرة والتلوث البيئي من مخاطر إضافية على حياتهن وأجسادهن وحقوقهن الأساسية.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي مع المقرر الخاص المعني بحقوق الشعوب الأصلية، بشأن تقريره حول الانتهاكات التاريخية والمعاصرة للحقوق الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات من الشعوب الأصلية، حيث تناول النقاش ممارسات تاريخية ومعاصرة شملت الإكراه الإنجابي وفرض وسائل منع الحمل، والعنف المرتبط بالرعاية الصحية والتعليم، والفصل عن الأطفال، وتجريم بعض الممارسات الصحية التقليدية، إلى جانب التحديات التي تواجه النساء في الوصول إلى خدمات صحية ملائمة ثقافياً.
الحقوق الجنسية والإنجابية.. جزء من تقرير المصير
قدم المقرر الخاص ألفريد كواكو برومي تقريره حول الانتهاكات التاريخية والمعاصرة لحقوق النساء والفتيات من الشعوب الأصلية، مركزاً على حقوقهن الجنسية والإنجابية والصحية، باعتبارها جزءاً أساسياً من حق الشعوب الأصلية في تقرير المصير والحفاظ على هويتها واستمرارها.
وأشار التقرير إلى أن الانتهاكات لم تكن منفصلة عن السياقات التاريخية التي تعرضت فيها الشعوب الأصلية للاستعمار والعنصرية المنهجية والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، وما ارتبط بذلك من محاولات لإضعاف الهويات الثقافية والاجتماعية لهذه المجتمعات.
وتناول المقرر الخاص ممارسات تاريخية، بينها فرض وسائل منع الحمل، والعنف المرتبط بالرعاية الصحية والتعليم، وتجريم الممارسات التقليدية للقابلات، موضحاً أن هذه الممارسات تركت آثاراً ممتدة على النساء والفتيات وعلى المجتمعات الأصلية بصورة عامة.
ولا يقتصر الأمر، بحسب التقرير، على الماضي، إذ لا تزال النساء والفتيات من الشعوب الأصلية يواجهن تحديات في الوصول إلى الرعاية الصحية، ومخاطر العنف والاستغلال الجنسي والإكراه الإنجابي، فضلاً عن ارتفاع معدلات وفيات الأمهات في بعض السياقات، والفصل عن الأطفال، وتجريم أو تهميش بعض الممارسات الصحية التقليدية.

العسكرة والتلوث والنزاعات تزيد المخاطر
وسلط التقرير الضوء كذلك على تأثير العسكرة والتلوث البيئي والنزاعات المسلحة في أوضاع النساء والفتيات من الشعوب الأصلية.
وأوضح أن هذه الظروف قد تؤدي إلى زيادة مخاطر العنف والاستغلال الجنسي، فضلاً عن الإكراه الإنجابي وتدهور الأوضاع الصحية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، كما قد تؤدي النزاعات إلى الفصل بين الأطفال وأسرهم والمجتمعات التي ينتمون إليها.
ويطرح ذلك، وفق ما ورد في التقرير، الحاجة إلى التعامل مع الحقوق الجنسية والإنجابية باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع من الحقوق، تشمل الحق في الصحة، والكرامة، وعدم التمييز، والاستقلالية، وتقرير المصير، والحفاظ على الهوية والثقافة.
الاعتذار والتحقيق والجبر.. مطالب لمعالجة الماضي
ورأى المقرر الخاص أن الإجراءات التي اتخذت حتى الآن لا تزال دون المستوى المطلوب، داعياً إلى تعزيز الاعتذارات الرسمية والتحقيقات وجلسات الاستماع ومبادرات حفظ الذاكرة، إلى جانب الجبر والتعويض والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار.
ولا يتوقف الجبر، وفق هذا الطرح، عند تقديم تعويضات للضحايا، وإنما يشمل معالجة الأسباب الجذرية التي سمحت بوقوع الانتهاكات، وإصلاح المؤسسات والسياسات التي قد تؤدي إلى استمرار التمييز.
كما شدد التقرير على ضرورة توفير خدمات صحية تراعي الخصوصية الثقافية، وإشراك الشعوب الأصلية والنساء والفتيات في تصميم هذه الخدمات وتقديمها وتقييمها، مع اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات وجبر الأضرار الواقعة على المتضررين.
بوتسوانا.. معالجة المظالم التاريخية
وفيما يتعلق ببوتسوانا، أشاد المقرر الخاص بالتعاون الذي تلقاه خلال زيارته للبلاد في سبتمبر 2025، مشيراً إلى مبادرات حكومية لمعالجة مظاهر الحيف التاريخي.
ومن بين هذه المبادرات إعادة رفات أحد زعماء الشعوب الأصلية إلى أراضيه لدفنه، وإنشاء لجنة مشتركة بين الوزارات لبحث المسؤوليات والسياسات المتعلقة بالإنصاف.
لكن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى استمرار تحديات تتعلق بسلب الأراضي ومصادرتها، والفقر والإقصاء الاجتماعي والبطالة بين بعض المجتمعات الأصلية.
ورحبت الحكومة البوتسوانية بتقرير المقرر الخاص، مؤكدة التزامها بمعالجة المظالم التاريخية وحماية هوية الشعوب الأصلية وإرثها الثقافي، وتعزيز مشاركتها في صنع القرار وفق مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة.
وأشارت إلى مشاورات حكومية وإعداد خريطة طريق لتنفيذ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، إلى جانب التوجه للانضمام إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169.
كما استعرضت برامج في مجالات التعليم والعمل والخدمات الاجتماعية، بينها تعزيز التعليم باللغة الأم وحماية اللغات الأصلية، وزيادة التفتيش على ظروف العمل، وحماية المواقع الأثرية والمعارف التقليدية وضمان استفادة المجتمعات الأصلية من السياحة.
الاتحاد الأوروبي.. إرث الاستعمار والتمييز
وأكد الاتحاد الأوروبي أن الانتهاكات التاريخية والمعاصرة للصحة والحقوق الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات من الشعوب الأصلية ترتبط، بحسب موقفه، بتركة الاستعمار والتمييز والنزاعات والعسكرة والإقصاء من صنع القرار.
وأشار إلى استمرار العنف والتمييز والعوائق أمام الوصول إلى الرعاية الصحية، مؤكداً دعمه لتعزيز حقوق الشعوب الأصلية والمساءلة وجبر الضرر.
وتركزت إحدى التساؤلات الموجهة إلى المقرر الخاص على كيفية ضمان المشاركة الفاعلة للشعوب الأصلية في تصميم الخدمات الصحية وتقديمها وتقييمها.
فانواتو وجزر المحيط الهادئ.. المعرفة الأصلية في الخدمات الصحية
وتحدثت فانواتو باسم ميكرونيزيا وكيريباتي وجزر مارشال وناورو وفيجي، مؤكدة أهمية الدور الذي تضطلع به النساء من الشعوب الأصلية في الحفاظ على الثقافة واللغة والهوية والمعارف التقليدية.
ودعت إلى إدماج هذه المعارف في النظم الصحية إلى جانب الرعاية الحديثة، على أساس الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، وتعزيز خدمات صحية متاحة ومراعية للخصوصيات الثقافية.
وأكدت أهمية تمكين النساء من المشاركة في القرارات المتعلقة بصحتهن وأراضيهن ومستقبلهن.
وانضمت فيجي إلى البيان، مشيرة إلى أن النساء والفتيات من الشعوب الأصلية يساهمن في نقل اللغات والقصص والتقاليد والهوية وتعزيز التماسك المجتمعي.
غواتيمالا.. العدالة الانتقالية وجبر الضرر
أما غواتيمالا فأشادت بتركيز التقرير على العنف والتمييز والعوائق التي تواجه النساء والفتيات من الشعوب الأصلية في الوصول إلى خدمات صحية ملائمة ثقافياً.
واستحضرت الانتهاكات التي تعرضت لها نساء المايا خلال النزاع المسلح الداخلي، مشيرة إلى التقدم المحرز في مجالي العدالة وجبر الضرر.
وأكدت أهمية العدالة الانتقالية لمنع تكرار الانتهاكات، إلى جانب تعزيز الخدمات الصحية التي تعترف بالمعارف التقليدية، وطرحت تساؤلاً حول أفضل الممارسات لدمج هذه المعارف في النظم الصحية مع ضمان الموافقة المستنيرة.
الإكوادور.. القابلات والمعارف التقليدية داخل النظام الصحي
وقدمت الإكوادور نموذجاً للمساعدة الصحية المجتمعية والأسرية والثقافية، يقوم على دمج دور القابلات والمعارف الصحية للشعوب الأصلية داخل النظام الصحي.
وأشارت إلى برامج بدأت منذ عام 2023 لتعزيز الصحة المراعية للثقافة، شملت دعم ممارسات أكثر من 1900 قابلة، إلى جانب تدريب 14 ألف مشاركة خلال عام 2025.
كما تحدثت عن إعداد أدلة تتعلق بمعارف النساء من الشعوب الأصلية والرعاية بعد الولادة، وتوفير موارد لغوية وخدمات ترجمة لتسهيل الوصول إلى المعلومات الصحية.
ويعكس هذا النموذج أحد المحاور الرئيسية للنقاش، والمتعلق بكيفية الجمع بين الطب الحديث والمعارف الصحية التقليدية، بدلاً من استبعاد الممارسات المرتبطة بثقافة الشعوب الأصلية.
صندوق الأمم المتحدة للسكان.. العنصرية الهيكلية عائق أمام الرعاية
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن انتهاكات الحقوق الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات من الشعوب الأصلية ترتبط بالعنصرية الهيكلية والعوائق الموجودة داخل الأنظمة الصحية.
وأشار إلى تأثير هذه العوائق في وفيات الأطفال والحمل غير المرغوب فيه واستخدام وسائل منع الحمل.
ودعا الصندوق إلى دمج المعارف التقليدية واللغات الأصلية في الخدمات الصحية، وتعزيز قيادة النساء والفتيات، وجمع البيانات المصنفة لرصد أوجه عدم المساواة.
كما شدد على مكافحة العنف الجنسي وضمان أن تراعي المبادرات الصحية احتياجات الشعوب الأصلية وخصوصياتها.
الأمم المتحدة للمرأة.. الاستقلالية الكاملة للجسد
وأكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة حق النساء والفتيات من الشعوب الأصلية في العيش بكرامة والاستقلالية الكاملة لأجسادهن والتمتع بحياة إنجابية خالية من العنف والقسر والتمييز.
وأشارت إلى أهمية تنفيذ التوصية العامة رقم 39 للجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، مستعرضة أمثلة على التقدم، بينها الاعتراف في المكسيك بدور القابلات القانونيات، واعتراف بوليفيا بالمعارف والطب التقليدي وتعزيز مشاركة المجتمعات في القرارات الصحية.
ويضع هذا الطرح استقلالية المرأة وحقها في اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها وصحتها الإنجابية في قلب الحماية المطلوبة، إلى جانب ضمان عدم تعرضها للإكراه أو التمييز.
جزر مارشال.. آثار التجارب النووية على صحة الأمهات
ومن أكثر الملفات ارتباطاً بالآثار البيئية والتاريخية، ما طرحته جزر مارشال بشأن تأثير التجارب النووية التي أجريت في البلاد.
وأشارت إلى استمرار التمييز والعوائق الثقافية التي تؤثر في استقلالية النساء والفتيات الأصليات وحقوقهن وكرامتهن، مستعرضة آثار 67 تجربة نووية على صحة الأمهات، بما في ذلك حالات سرطان وولادات متضررة، إضافة إلى مخاطر التلوث الإشعاعي واليورانيوم والزئبق التي تناولها التقرير.
ودعت إلى الاعتراف بهذه الآثار ومنع تكرارها، وتوفير الدعم والمشورة للمتضررين، خصوصاً في الجزر النائية، وضمان أن تراعي الخدمات الصحية الخصوصيات الثقافية، وأن تشارك النساء والفتيات في القرارات المتعلقة بصحتهن ورفاههن.
كندا.. الاعتراف بأضرار الاستعمار
وفي مداخلة لافتة، أقرت كندا بأن ممارسات مثل التعقيم القسري وسوء معاملة الأسر والتمييز في النظام الصحي ارتبطت بتاريخ الاستعمار في البلاد.
وأشارت إلى أعمال لجنة الحقيقة والمصالحة والتحقيق الوطني بشأن النساء والفتيات الأصليات المفقودات والمقتولات، مؤكدة ضرورة أن يتحول الاعتراف بالأضرار إلى إجراءات عملية وجبر للضرر.
كما شددت على أهمية وجود إشراف مستقل ومشاركة فعالة للنساء الأصليات في معالجة هذه الملفات.
وفي مداخلة أخرى، رحبت كندا بالزيارة القطرية التي يخطط لها المقرر الخاص في نوفمبر، مؤكدة استعدادها للتعاون بشأن التحديات التي تواجه شعوب الأمم الأولى.
وأقرت بوجود فجوات في النتائج الصحية وحواجز أمام الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية الآمنة والملائمة ثقافياً، مشيرة إلى آثار الظلم والتمييز، ومؤكدة التزامها بتحسين النتائج الصحية والسلامة الثقافية عبر الشراكات والقيادة المشتركة للخدمات الصحية مع الشعوب الأصلية.
البرازيل.. البيئة والصحة والحقوق الإنجابية
ورحبت البرازيل بالتقرير، مؤكدة أهمية حماية الحقوق الإنجابية للنساء والفتيات من الشعوب الأصلية في مواجهة التمييز وتعزيز المشاركة والمساواة.
وأشارت إلى تطوير أنظمة صحية وبروتوكولات تراعي الخصوصيات الثقافية، والتعامل مع المخاطر البيئية، خصوصاً التعرض للزئبق المرتبط بالتعدين.
كما أعلنت معارضتها للتعدين غير القانوني والاستغلال في أراضي الأمازون، وأشارت إلى تفكيك عدد من مراكز التعدين غير القانونية، وتنظيم مؤتمر للمرأة الأصلية عام 2025 لتعزيز حقوقها.
من الحق في الصحة إلى الحق في تقرير المصير
وخلال الحوار، تكرر الربط بين الحقوق الجنسية والإنجابية والحق في تقرير المصير.
فمن وجهة نظر عدد من المتحدثين، لا يمكن فصل قدرة النساء والفتيات على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن أجسادهن وصحتهن عن حق المجتمعات الأصلية في الحفاظ على هويتها وثقافتها ولغاتها ومعارفها التقليدية.
وأكدت غيانا أهمية القوانين والسياسات التي تضمن الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة بشأن القرارات التي تؤثر في حياة الشعوب الأصلية، مشيرة إلى برنامج أطلق عام 2022 لتعزيز العدالة للنساء والفتيات من الشعوب الأصلية والتصدي للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
كما أكدت باراغواي أهمية مواجهة العنف والتمييز والعوائق أمام الوصول إلى الخدمات الصحية الملائمة ثقافياً، مشيرة إلى خطتها الوطنية للشعوب الأصلية 2020-2030 وإجراءات لتحسين صحة الأم والطفل واعتماد بروتوكول ثقافي للتعامل مع حالات العنف ضد النساء الأصليات.
فجوات في الخدمات الصحية والوصول إلى العدالة
وأقرت بيرو بوجود فجوات في الوصول إلى الخدمات الصحية وتنفيذها، خصوصاً في المناطق الريفية، مؤكدة مواصلة تعزيز الخدمات والقدرات المؤسسية والطواقم المختصة.
وأكدت الفلبين من جانبها التزامها بحق النساء والفتيات من الشعوب الأصلية في الصحة والحقوق الجنسية، مشيرة إلى أن قانون حقوق الشعوب الأصلية يوفر إطاراً لحمايتهن، إلى جانب خدمات الأمومة والرعاية الإنجابية المراعية للثقافة وبرامج التثقيف الإنجابي.
وفي السياق ذاته، أكدت نيوزيلندا دعمها لحق النساء والفتيات من الشعوب الأصلية في الوصول المتساوي إلى خدمات صحية جيدة، بعيداً عن التمييز والعنف والإكراه، وشددت على أهمية إزالة الحواجز أمام الرعاية الملائمة ثقافياً واحترام نظم المعرفة الأصلية.
خلافات حول تعريف الشعوب الأصلية
ولم يخل الحوار من اختلافات بشأن تعريف بعض الجماعات باعتبارها شعوباً أصلية.
فقد اعترضت اليابان على توصيف سكان أوكيناوا الوارد في التقرير باعتبارهم من الشعوب الأصلية، مؤكدة أنهم مواطنون يابانيون وأن حقوقهم مكفولة دون تمييز.
كما أشارت إلى الحوادث المتعلقة بموظفين عسكريين أمريكيين في أوكيناوا، داعية إلى تنفيذ التدابير الوقائية التي اتخذتها الولايات المتحدة لمنع تكرارها.
وفي المقابل، ركز الاتحاد الروسي على ما وصفه بالآثار المستمرة للاستعمار على الشعوب الأصلية في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، بما في ذلك قضايا الصحة والتحكم بالإنجاب وفصل الأطفال والتعقيم القسري في غرينلاند، داعياً المقرر الخاص إلى توسيع دراسة آثار الاستعمار.
الشعوب الأصلية والنزاعات المسلحة
وتطرق الحوار كذلك إلى أوضاع تتعلق بالنزاعات المسلحة.
فقد أشار البرلمان الأوكراني إلى أوضاع تتعلق بتتار القرم، وطرح ادعاءات بشأن اعتقالات واحتجازات وانتهاكات للحق في المحاكمة العادلة وفرض الجنسية الروسية والقيود على حرية الدين والمعتقد، داعياً إلى ضمان وصول بعثات الرصد الدولية إلى الأراضي التي وصفها بأنها محتلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي المقابل، طرحت مداخلة من المجلس العرفي دريو في كاليدونيا الجديدة قضية امرأة من الشعوب الأصلية في بابوا الغربية، قال ممثل المجلس إنها كانت حاملاً في شهرها السابع وقت مقتلها داخل منزلها في يوليو/تموز 2026 إثر إطلاق نار عسكري اخترق جدار المنزل.
وطالب المقرر الخاص بزيارة بابوا الغربية، ودعا إندونيسيا إلى التحقيق في الواقعة وتسهيل وصول المقرر الخاص إليها.
مشاركة النساء.. من دور رمزي إلى حقوق أصيلة
وأكدت مداخلات عدة أن النساء من الشعوب الأصلية لا ينبغي التعامل معهن فقط باعتبارهن حاملات للثقافة أو حارسات للمعارف التقليدية، وإنما باعتبارهن صاحبات حقوق يجب أن تكون لهن مشاركة فعلية في القرارات المتعلقة بالصحة والأرض والموارد والبيئة والتنمية.
وأشارت مداخلة إلى أن النساء الأصليات يمثلن ركيزة في نقل اللغات والقصص والتقاليد، لكنهن في الوقت نفسه يواجهن أشكالاً متداخلة من التمييز، إلى جانب أضرار صحية مرتبطة بتدهور البيئة والمبيدات والمواد الكيميائية والأنشطة الاستخراجية.
وشدد التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان على أهمية دور المؤسسات الوطنية في رصد الانتهاكات وتوثيقها وتعزيز المساءلة والتفاعل مع الدول والشعوب الأصلية، داعياً إلى ضمان مشاركة النساء من الشعوب الأصلية، والوصول إلى القضاء وجبر الضرر ومكافحة جميع أشكال التمييز.
نحو معالجة جذور الانتهاكات
ويخلص الحوار إلى أن معالجة الانتهاكات التي تعرضت لها النساء والفتيات من الشعوب الأصلية لا ترتبط فقط بتوفير خدمات صحية جديدة، وإنما تتطلب معالجة جذور تاريخية ومؤسسية ما زالت آثارها حاضرة في بعض المجتمعات.
فالاعتراف بالانتهاكات، والتحقيق فيها، وحفظ الذاكرة، وتقديم الاعتذار الرسمي، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار، كلها مسارات طرحت خلال النقاش بوصفها عناصر مرتبطة بمعالجة الإرث التاريخي.
وفي الوقت نفسه، برزت الحاجة إلى خدمات صحية تراعي اللغة والثقافة والمعارف التقليدية، وتضمن الموافقة الحرة والمستنيرة، وتوفر للنساء والفتيات القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن أجسادهن وصحتهن ومستقبلهن.
وهكذا وضع الحوار أمام مجلس حقوق الإنسان قضية تتجاوز حدود الرعاية الصحية إلى صميم حقوق الإنسان؛ فالحق في الصحة الجنسية والإنجابية، وفق المداخلات المطروحة، يتقاطع مع الحق في الكرامة وعدم التمييز، والحق في تقرير المصير، والحفاظ على الهوية والثقافة، والمشاركة في صنع القرار، والوصول إلى العدالة وجبر الضرر، بما يجعل حماية النساء والفتيات من الشعوب الأصلية جزءاً من حماية حقوق المجتمعات التي ينتمين إليها واستمرارها.
