منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ما الذي يمكن أن يأتي بعد انحسار حمى الهلع من تغير المناخ؟

20 يونيو 2026
نظم ناشطون في مجال المناخ مظاهرة في الحي المالي بمانهاتن للمطالبة بإنهاء تمويل الوقود الأحفوري من قبل وول ستريت والحكومة الأمريكية في 18 سبتمبر 2023
نظم ناشطون في مجال المناخ مظاهرة في الحي المالي بمانهاتن للمطالبة بإنهاء تمويل الوقود الأحفوري من قبل وول ستريت والحكومة الأمريكية في 18 سبتمبر 2023

بيورن لومبورغ

كان هناك أمر لافت غاب عن الانتخابات التمهيدية في ولاية كاليفورنيا هذا الشهر. ففي الولاية التي بنت جزءاً كبيراً من هويتها السياسية على مكافحة تغير المناخ، بالكاد ظهر هذا الملف ضمن أولويات الناخبين.

انشغل الناخبون بقضايا القدرة المعيشية وأزمة الإسكان. فقد اعتبر نحو 44% منهم أن تكاليف المعيشة والوظائف والتضخم هي المشكلة الأهم التي تواجه الولاية، في حين لم يذكر تغير المناخ سوى 1% فقط.

حتى توم ستاير، الملياردير الذي صنع اسمه من تمويل النشاط المناخي، خاض حملته الانتخابية على أساس خفض الأعباء المالية عن الأسر.

في أكثر الولايات الأمريكية تبنياً للأجندة البيئية، أصبح المناخ مجرد هامش في النقاش العام.

وليس ذلك مؤشراً معزولاً. فقبل أيام فقط من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع، صوّت مجلس موارد الهواء في كاليفورنيا على منح مصافي النفط وغيرها من المنشآت الصناعية المسببة للتلوث ما يصل إلى أربعة مليارات دولار من المخصصات المجانية لتخفيف أعباء الامتثال لسوق الكربون في الولاية.

وفي نيويورك، يجري حالياً تعديل قانون المناخ التاريخي للولاية عبر تأجيل المواعيد النهائية وتخفيف أهداف خفض الانبعاثات الملزمة بحلول عام 2030.

وعندما تبدأ الولايات الأكثر ليبرالية في الولايات المتحدة بالتراجع بهدوء عن سياساتها المناخية، فإن الرسالة واضحة: السياسيون أدركوا أن الناخبين يهتمون بمحافظهم المالية أكثر بكثير من اهتمامهم بأهداف مناخية بعيدة المدى.

فمن الذي ما زال يشعر بالذعر من «الكارثة المناخية؟»

الجواب: عدد أقل فأقل من الناس.

فوفقاً لأحدث استطلاع أجرته مؤسسة غالوب حول أهم المشكلات التي تواجه العالم، لم تتجاوز نسبة الذين اعتبروا البيئة أو المناخ القضية الأولى في بلدانهم 3% في المتوسط.

أما القضايا الاقتصادية والإدارية والحكومية فقد تفوقت عليها بفارق كبير.

بل إن الأموال نفسها بدأت تتحرك في اتجاه آخر. فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة «التايمز» اللندنية -شمل 200 مدير لصناديق استثمار مؤسسية- أن تغير المناخ تراجع من المرتبة الأولى بين القضايا البيئية والاجتماعية والحوكمة إلى المرتبة الخامسة، خلف الصحة البشرية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي والفساد وسلوك الشركات.

كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ كيف انتقل كثير من الناس من الخوف الشديد من تغير المناخ قبل سنوات قليلة إلى تراجع اهتمامهم به اليوم؟

هناك أربعة أسباب رئيسة لذلك.

أولاً، تذكرنا أن العالم يواجه مشكلات كثيرة.

بعد نهاية الحرب الباردة أصبح من الشائع تصوير تغير المناخ باعتباره التحدي الأكبر والأخير للبشرية. لكنه لم يكن يوماً التحدي الوحيد.

فجائحة كوفيد والحروب والعجز المالي وضغوط الهجرة وتراجع مستوى التعليم وعدم اليقين المرتبط بالذكاء الاصطناعي والشيخوخة السكانية التي تضغط على أنظمة الصحة والتقاعد، كلها قضايا حقيقية ومشروعة وتنافس المناخ على الاهتمام والموارد.

المناخ قضية مهمة، لكنه ليس القضية الوحيدة.

ثانياً، لا يمكن الاستمرار في إطلاق الإنذارات الكارثية إلى ما لا نهاية دون أن يفقد الناس ثقتهم بها.

فعلى مدى نصف قرن تقريباً، تعرض الجمهور لسلسلة متواصلة من التوقعات الكارثية والمواعيد النهائية التي يُفترض أنها ستحدد مصير الكوكب.

وقد وثقت إحدى الدراسات العلمية المحكمة ما لا يقل عن 79 تنبؤاً كارثياً محدداً.

في عام 2019 حذر الملك تشارلز من أن أمامنا 18 شهراً فقط لإنقاذ الكوكب.

وقبل ذلك قال آل غور عام 2008 إن أمامنا عشر سنوات فقط.

مرت تلك المواعيد وانقضت، وكثير من النبوءات الدرامية التي انتهت صلاحيتها الزمنية ثبت أنها لم تكن دقيقة. وقد لاحظ الناخبون ذلك.

ثالثاً، السياسات المناخية باهظة التكلفة بصورة مذهلة، في حين تحقق نتائج محدودة للغاية.

فالعالم أنفق بالفعل أكثر من 16 تريليون دولار على إجراءات وسياسات مرتبطة بالمناخ، مع وعود بإنفاق مئات التريليونات الإضافية مستقبلاً.

ومع ذلك، فإن دراسة بارزة نشرتها مجلة “ساينس” حللت 1500 سياسة مناخية في 41 دولة على مدى عقدين، وخلصت إلى أن 4% فقط من تلك السياسات حققت خفضاً ملموساً في الانبعاثات.

وبشكل إجمالي، أسهمت المنظومة بأكملها في تقليص الانبعاثات العالمية بأقل من ربع نقطة مئوية.

وفي أي مجال آخر، كانت الحكومات التي تنفق هذا الحجم من الأموال مقابل هذه النتائج المتواضعة ستواجه رفضاً شعبياً واسعاً منذ زمن طويل.

رابعاً، كثير من أكثر الادعاءات إثارة للخوف كانت مضللة أو مبالغاً فيها.

يقال لنا إن ارتفاع مستوى البحار قد يؤدي إلى نزوح 187 مليون شخص، لكن هذا الرقم يَفترِض أن البشرية لن تتخذ أي إجراءات للتكيف طول قرن كامل.

وعندما تؤخذ في الاعتبار التدابير الواقعية التي سيتخذها البشر، مثل بناء السدود والحواجز البحرية والتكيف مع المخاطر، يتبين أن تقديرات النزوح مبالغ فيها بمئات المرات.

ويقال لنا أيضاً إن موجات الحر ستؤدي إلى زيادة أعداد الوفيات، لكن نادراً ما يذكر أن الطقس البارد يقتل عدداً أكبر بكثير من الناس مقارنة بالحرارة، وأن الاحترار المعتدل يؤدي حالياً، في المحصلة، إلى إنقاذ أرواح أكثر مما يزهق.

وخلال القرن العشرين، ومع ارتفاع درجات الحرارة في الولايات المتحدة، انخفضت وفيات الحر، والسبب بسيط: الناس أصبحوا قادرين على استخدام أجهزة التكييف.

فالطاقة الرخيصة والموثوقة تنقذ الأرواح.

كل هذا لا يعني أن تغير المناخ غير حقيقي.

إنه حقيقي بالفعل.

لكن أبرز الاقتصاديين المتخصصين في المناخ يقدرون أن الاحترار غير المنضبط قد يكلف الاقتصاد العالمي ما بين 2% و3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول نهاية القرن.

إنها مشكلة حقيقية تستحق المعالجة، لكنها ليست نهاية العالم.

فالأمم المتحدة تتوقع أن يصبح متوسط دخل الفرد عالمياً بحلول عام 2100 أعلى بنحو 450% مما هو عليه اليوم.

وقد يؤدي تغير المناخ إلى خفض هذه الزيادة المتوقعة إلى نحو 435%.

وسيكون ذلك وضعاً أسوأ مما يمكن تحقيقه، لكنه سيظل يعني عالماً أكثر ثراءً وصحة وازدهاراً مما نعرفه حالياً.

لهذا السبب ينبغي أن نستمر في معالجة تغير المناخ، لكن بطريقة ذكية ومنخفضة التكلفة.

ويعني ذلك الاستثمار المكثف في البحث والتطوير بمجال الطاقة النظيفة، حتى تصبح هذه الطاقة رخيصة إلى درجة تدفع الجميع إلى استخدامها طوعاً، وليس فقط النخب الثرية.

فالهلع مستشار سيئ.

ولهذا فإن تراجع حالة الذعر المناخي يعد خبراً إيجابياً.

إنه أفضل لصنع سياسات مناخية عقلانية وأكثر فاعلية.

وهو أفضل للصحة النفسية، خاصة للشباب الذين أمضوا سنوات وهم يُقنعون بأن المستقبل قد سُرق منهم.

كما أنه يمنحنا الفرصة للالتفات إلى مشكلات أخرى كثيرة أهملناها.

فبعد سنوات من الخوف المبالغ فيه، يبدو أن الحمى بدأت أخيراً بالانحسار.

وربما جاء ذلك متأخراً، لكنه أفضل من ألا يأتي أبداً.

نقلاً عن نيويورك بوست

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print