منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ماكي سال.. من رئاسة السنغال إلى اختبار قيادة النظام الدولي في زمن الانقسام

23 أبريل 2026
ماكي أمادو عبدول سال
ماكي أمادو عبدول سال

يظهر اسم ماكي أمادو عبدول سال اليوم بوصفه أحد أكثر الأسماء تداولاً في سباقٍ دبلوماسي بالغ الحساسية نحو منصب الأمين العام للأمم المتحدة، في لحظة دولية مضطربة تبحث فيها المنظمة الأممية عن توازن جديد بين الشمال والجنوب، وبين إرث النظام الدولي القديم ومطالب العالم الصاعد.

وترشيح سال لقيادة المنظمة بدءاً من 1 يناير 2027 ولمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، يعكس تحوّلاً لافتاً في مسار دبلوماسي إفريقي يسعى إلى الانتقال من الفعل الإقليمي إلى التأثير الكوني.

ولد ماكي سال في 11 ديسمبر 1961 بمدينة فاتيك في قلب السنغال، في بيئة اجتماعية متواضعة تنتمي إلى عرقية “السيرير”، حيث تداخلت البساطة الريفية مع انضباط اجتماعي محافظ شكّل لاحقاً جزءاً من شخصيته السياسية، والده كان منتمياً إلى الحزب الاشتراكي السنغالي، ما وضعه مبكراً في تماس مع السياسة بوصفها امتداداً للحياة اليومية، لا مجرد نشاط مؤسساتي.

في مساره الأكاديمي اختار سال طريقاً علمياً دقيقاً، فحصل على دبلوم في الفيزياء الجيولوجية عام 1988 من معهد علوم الأرض في السنغال، ثم تابع دراساته العليا في الجيولوجيا بجامعة الشيخ أنتا ديوب عام 1990.

لاحقاً، انتقل إلى فرنسا حيث حصل عام 1993 على شهادة متقدمة من المدرسة الوطنية للبترول والمحركات بمعهد البترول الفرنسي (IFP)، وهو ما منحه تكويناً تقنياً نادراً بين السياسيين الأفارقة، يجمع بين العلوم الصلبة وفهم الاقتصاد الطاقي.

يتقن سال الفرنسية والإنجليزية إلى جانب لغات وطنية سنغالية، ما عزز قدرته على التحرك بين السياقات المحلية والدولية، وهي ميزة ستصبح لاحقاً أحد مفاتيح صعوده السياسي في بيئة إقليمية معقدة تتقاطع فيها المصالح الفرنسية والإفريقية والدولية.

صعود سياسي متعرج

بدأ التحول الحقيقي في مسار ماكي سال مع مطلع الألفية، حين صعد داخل الحزب الديمقراطي السنغالي بعد الإطاحة بالاشتراكيين عام 2000، شغل مناصب حزبية متعددة، بينها نائب الأمين العام للحزب والأمين الوطني للمناجم والصناعة، قبل أن يدخل الحكومة ويتدرج في مواقع تنفيذية حساسة، أبرزها وزارة الداخلية ثم وزارة المناجم، وصولاً إلى منصب رئيس الوزراء بين 2004 و2007.

لكن التحول الأهم جاء عندما دخل دائرة السلطة التنفيذية العليا في عهد الرئيس عبد الله واد، حيث لعب دور مدير الحملة الانتخابية في انتخابات 2007، في واحدة من المفارقات السياسية اللافتة، الرجل الذي أسهم في صناعة فوز رئيس، سيصبح لاحقاً أحد أبرز منافسيه.

غير أن العلاقة بين الرجلين سرعان ما تدهورت، ففي عام 2008 انفجرت خلافات حادة على خلفية اتهامات بالفساد طالت ملفات عقارية مرتبطة بقمة منظمة التعاون الإسلامي في داكار، حيث طالب سال بمساءلة كريم واد، نجل الرئيس، أمام البرلمان.

هذا الموقف لم يكن مجرد خلاف إداري، بل تحوّل إلى صراع سياسي مفتوح حول طبيعة السلطة وحدود العائلة في الحكم.

في سياق هذا التوتر، فَقَدَ سال مواقع سياسية مؤثرة، منها منصبه الحزبي بعد إعادة هيكلة الحزب، ثم رئاسة البرلمان التي لم تدم سوى 17 شهراً، في تقليص اعتبره مراقبون “إبعاداً سياسياً محسوباً”، عند هذه النقطة، انتقل من داخل النظام إلى خارجه.

عام 2008 أسس حزبه الخاص “التحالف من أجل الجمهورية”، ليبدأ بناء مشروع سياسي مستقل، وفي 2009 انتُخب عمدة لمدينة فاتيك، في إشارة إلى تمسكه بجذوره المحلية بوصفه قاعدة للشرعية السياسية.

في انتخابات 2012، دخل سال السباق الرئاسي في مواجهة الرئيس واد الذي حاول تعديل الدستور لتمديد ولايته الثالثة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل السنغال وخارجها. غير أن التحالفات السياسية لمصلحة سال في الجولة الثانية حسمت المعركة لمصلحته في مارس 2012، حيث أقر واد بالهزيمة، في انتقال سلمي للسلطة اعتُبر نموذجاً نادراً في غرب إفريقيا.

في خطاباته الأولى قدّم سال نفسه رئيساً “لجميع السنغاليين”، متعهداً بإطلاق إصلاحات اقتصادية تعتمد على الزراعة والأمن الغذائي والطاقة، مع التركيز على الاستقلال الطاقي عبر تنويع المصادر بين الغاز والطاقة الشمسية، كما رفع شعار محاربة الفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية.

لكن تجربته لم تخلُ من الجدل؛ إذ واجه انتقادات تتعلق بتعيين أقارب في مواقع حكومية، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول “الزبائنية السياسية” في النخب الإفريقية، رغم دفاع أنصاره بأن التعيينات لم تصل إلى مستوى الفضائح التي شهدها عهد سلفه.

بناء الصورة الدولية

خلال أكثر من عقد في الحكم، أعاد ماكي سال تشكيل صورة السنغال بوصفها دولة مستقرة نسبياً في منطقة مضطربة، فقد حافظ على انتقالات سياسية سلسة، ونجح في ترسيخ موقع بلاده بوصفه أحد النماذج الديمقراطية في غرب إفريقيا، في وقت كانت فيه دول الجوار تعيش انقلابات وصراعات مسلحة.

اقتصادياً، ركز على مشاريع البنية التحتية والطاقة، مع استثمار متزايد في قطاع الغاز الطبيعي، حيث تشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن اكتشافات الغاز في الحوض المشترك مع موريتانيا وضعت السنغال ضمن قائمة الدول المرشحة للتحول إلى مصدر طاقي إقليمي خلال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

سياسياً، عمل سال على تعزيز موقع السنغال داخل الاتحاد الإفريقي، وشارك في ملفات الوساطة الإقليمية، خصوصاً في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث تصاعدت التحديات الأمنية المرتبطة بالإرهاب وعدم الاستقرار السياسي.

على المستوى الدولي بنى سال شبكة علاقات مع أوروبا والولايات المتحدة والصين، مستفيداً من موقع السنغال الجيوسياسي على الأطلسي، وقد انعكس ذلك في زيادة التعاون التنموي والاستثماري، مقابل التزام دكار بسياسات استقرار نسبي في محيط إقليمي متوتر.

ومع نهاية ولايته في 2024، خرج سال من السلطة دون انهيار مؤسساتي، وهو عنصر بالغ الأهمية في تقييمه دولياً، إذ إن الأمم المتحدة غالباً ما تنظر إلى سجل “إدارة الانتقال” بوصفه معياراً أساسياً في تقييم القيادات المرشحة للمناصب العليا.

ترشيح الأمم المتحدة

في عام 2026 برز اسم ماكي سال ضمن قائمة المرشحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في سياق سياسي دولي يشهد إعادة تشكيل لموازين النفوذ داخل المنظمة.

ووفق ما تم تداوله إعلامياً، فإن ترشيحه جاء بدعم إفريقي لافت، حيث أبلغت بوروندي رسمياً الأمم المتحدة بترشيحه، في خطوة اعتُبرت تعبيراً عن رغبة الاتحاد الإفريقي في تعزيز حضوره داخل النظام الدولي.

تنطلق ولاية الأمين العام الجديد في 1 يناير 2027، في لحظة تواجه فيها الأمم المتحدة تحديات مركبة؛ حروباً إقليمية، أزمات مناخية، إعادة تعريف الأمن الدولي، وتراجع الثقة في فعالية المؤسسات متعددة الأطراف.

في هذا السياق، يدخل سال المنافسة إلى جانب أسماء دولية بارزة، منها رافائيل غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والزعيمة التشيلية السابقة ميشيل باشليه، المدعومة من تحالفات لاتينية واسعة، ما يجعل السباق أقرب إلى “توازن قارات” منه إلى اختيار فردي تقليدي.

آلية الاختيار نفسها تعكس تعقيد النظام الأممي، حوارات تفاعلية داخل الجمعية العامة، ثم تصويت غير رسمي في مجلس الأمن، حيث يمتلك الأعضاء الخمسة الدائمون حق النقض، قبل رفع الاسم النهائي لاعتماده عالمياً.

هنا تبرز أهمية سال بوصفه مرشح “الخبرة التنفيذية من الجنوب العالمي”، وهو خطاب سياسي يتزايد حضوره في الأمم المتحدة منذ سنوات، خصوصاً مع تصاعد الدعوات لتقليص هيمنة الدول الكبرى على مواقع القرار.

غير أن ترشيحه لا يخلو من تحديات. فخصومه يشيرون إلى ملفات داخلية جدلية خلال حكمه، وإلى طبيعة علاقاته السياسية السابقة، في حين يرى مؤيدوه أنه يجسد نموذج “الدبلوماسي التنفيذي” القادر على الجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن في رؤية واحدة.

بين الرمزية والواقع يقف ماكي سال عند مفترق دقيق: فإما أن يتحول إلى أول أمين عام من غرب إفريقيا يقود الأمم المتحدة في مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي، أو أن يبقى ترشيحه جزءاً من صراع التوازنات بين القوى الكبرى والقارات الصاعدة.

وفي كل الأحوال، فإن اسمه اليوم لم يعد مجرد امتداد لتجربة رئاسية إفريقية، بل صار عنواناً لسؤال أوسع: من يملك حق قيادة العالم في زمن تتآكل فيه اليقينيات القديمة، وتبحث فيه الأمم المتحدة عن وجه جديد يعيد تعريف دورها في عالم يزداد تعقيداً، كما تتكسر فيه الحدود بين المحلي والعالمي، بين الدولة والمنظمة، وبين السياسة بوصفها سلطة والسياسة بوصفها مسؤولية كونية.