جيس فيليبس*
أمضيت عقوداً وأنا أناضل من أجل حقوق ضحايا العنف المنزلي والجنسي والجسدي. وخلال هذه السنوات، انتزعنا بصعوبة حقوقاً باتت الضحايا في المحاكم البريطانية تعدها أمراً مسلماً به: مداخل منفصلة حتى لا تضطر الضحية إلى مواجهة المعتدي، وإمكانية الإدلاء بالشهادة عبر الفيديو، أو من خلف حاجز يحجبها عن المتهم، فضلاً عن كم هائل من الإرشادات التي تحدد للقضاة والمحامين ما يجوز وما لا يجوز في التعامل مع الضحايا.
ووضعنا قواعد واضحة تمنع استجواب الضحية بشأن تاريخها الجنسي إلا في أضيق الحدود، كما حددنا ما يمكن طلبه من سجلاتها الطبية وما لا يجوز المساس به.
كثيرون منا كرّسوا حياتهم لهذه المعركة، ليس فقط لتخفيف وطأة التجربة القاسية التي تعيشها امرأة تضطر إلى الوقوف وجهاً لوجه أمام الرجل الذي اعتدى عليها، بل أيضاً من أجل تحقيق العدالة. صحيح أن النظام لا يزال بعيداً عن الكمال، وكثيراً ما يفشل، لكنني أستطيع القول، من واقع تجربتي الشخصية عندما قررت المضي في قضية تتعلق بالملاحقة، إنني ربما كنت سأتراجع عن القضية بأكملها لو كان عليّ أن أدلي بشهادتي لساعات طويلة وأنا في مواجهة مباشرة مع المتهم.
لقد حصلت النساء البريطانيات على هذه الحقوق بعد نضال طويل. لكن يبدو أن هذه الحقوق تتوقف عن الوجود إذا كان الشخص المتهم بالاعتداء جندياً أمريكياً متمركزاً أو عاملاً داخل المملكة المتحدة.
فالتحقيق الذي نشرته صحيفة الغارديان بشأن قضية سارة ستيل والنقيب جاكوب وولفسون، أحد أفراد القوات الجوية الأمريكية، كشف لي حقيقة صادمة: امرأة بريطانية تعرضت للاعتداء على الأراضي البريطانية، وحوكمت قضيتها داخل بريطانيا، لكنها لم تتمتع بالحماية القانونية التي تكفلها المحاكم البريطانية للضحايا.
القضية التي كُشفت تفاصيلها المؤلمة شهدت توجيه اتهام إلى وولفسون أمام محكمة عسكرية أمريكية بارتكاب جريمة لا وجود لها أصلاً في القانون البريطاني، وهي “الاتصال الجنسي المشدد”، وقد بُرئ من هذه التهمة، في حين أدانته هيئة محلفين مؤلفة بالكامل من رجال، جميعهم من أقرانه العسكريين، بتهمة “الخنق غير المفضي إلى الوفاة”، وقضت بسجنه ستة أشهر في منشأة إصلاحية، مع خضوع الحكم لاستئناف تلقائي.
أما سارة ستيل، فقد حُرمت من الحقوق التي أمضيت ساعات لا تحصى وأنا أدافع عنها داخل قاعات اللجان البرلمانية في مجلس العموم. اضطرت إلى البقاء في قاعة المحكمة طوال الوقت إلى جانب الرجل الذي تتهمه بالاعتداء عليها، في حين كان جميع أعضاء هيئة المحلفين يعملون في القاعدة العسكرية نفسها التي يخدم فيها المتهم.
يشبه الأمر، بالنسبة لي، أن تُنظر قضية مرفوعة ضدي أمام هيئة محلفين لا تضم سوى نساء من حزب العمال البرلماني. وأستطيع أن أقول بكل صراحة إنه لو كانت هيئة المحلفين في أي قضية أُتهم فيها تتكون فقط من أصدقائي وزملائي، فسأكون أكثر ثقة بكثير في الإفلات من العقاب.
ومن خلال ما قرأته عن الطريقة التي استجوبها بها محامي الدفاع العسكري الأمريكي، أستطيع أن أقول بثقة إن مثل هذا الأسلوب لم يكن ليسمح به أي قاضٍ في محكمة بريطانية.
سارة ستيل امرأة بريطانية. تعيش في بريطانيا، تعرضت للاعتداء في بريطانيا. وقد أمضيت ساعات طويلة من حياتي أفكر في كيفية حماية نساء يشبهن سارة، وإذا أخفقنا في حمايتهن، فكيف نضمن لهن العدالة.
لكنني لم أرَ سارة من قبل. كنت أظن أنها مجرد واحدة من بين آلاف النساء والفتيات اللواتي كنا نحقق، ببطء ولكن بثبات، تقدماً في حمايتهن. غير أن كل شيء تغير في اللحظة التي سمحت فيها شرطة كامبريدجشير للجيش الأمريكي بتولي زمام هذه القضية. عندها خرجت سارة من بين ذلك الجمع، ووجدت نفسها وحيدة تماماً.
ولم يكن ينبغي أن يحدث ذلك أبداً.
أراك الآن يا سارة.
أعرف أن ذلك جاء متأخراً جداً، لكنني أراك الآن.
ورغم كل ما يمكن أن يقال عن نظامنا القضائي، ورغم أنه لا يزال بعيداً عن الكمال، فإنني أجد نفسي اليوم أتمنى لو كان متاحاً لكل ضحية على أرض هذا البلد.
والآن، بعدما أصبحت أرى سارة بوضوح، أراها امرأة قد تكون قادرة على تغيير هذا الواقع بأكمله.
ينبغي لأي ضحية بريطانية ألا تُسلَّم إلى القضاء العسكري الأمريكي بسبب جريمة ارتُكبت على الأراضي البريطانية إلا إذا كان ذلك هو الخيار الذي تريده الضحية بنفسها.
سارة، أعتذر لأنني لم أسمع صوتك في الوقت المناسب. وأعتذر لأنهم تمكنوا من إسكاتك. لكنني أراك الآن، وأعدك بأنني سأبذل كل ما أستطيع حتى يتغير هذا الواقع.
*نقلاً عن الجارديان
