لم تعد دماء الطواقم الطبية والإعلامية في جنوب لبنان مجرد ضحايا مصادفة، بل هي النتيجة الحتمية لـ “تكتيك الضربة المزدوجة”، النمط العملياتي الصارم الذي يحوّل أعمال الإنقاذ والتغطية الصحفية إلى مصيدة موت محققة.
تشتغل هذه الهندسة الجنائية بدم بارد؛ حيث تنطلق قذيفة أولى لإحداث شلل مؤقت وتحويل المكان إلى نقطة جذب، وما إن تهرع فرق الإسعاف والدفاع المدني ويتقدم الصحفيون لتوثيق الحدث، حتى تنقضّ ضربة ثانية قاتلة بفارق ثوانٍ معدودة.
وتشير البيانات الميدانية الموثقة من قبل وزارة الصحة اللبنانية والمنظمات الحقوقية حتى منتصف العام الجاري 2026، إلى أن هذا السلوك ليس معزولاً، بل يمثل استراتيجية ممنهجة لفرض حصار معلوماتي وعملياتي كامل على الأرض.
من الناحية الجنائية، يتطلب تنفيذ هذه الضربات المتتالية بفارق ثوانٍ استخدام تقنيات استطلاع متطورة وخوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على رصد التحركات اللحظية وتوجيه الذخائر الدقيقة بدقة متناهية، ما ينفي بشكل قاطع فرضية العشوائية ويؤكد نية القتل العمد لطواقم محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
تشريح مجزرتي “علماً الشعب” و”حاصبيا”
تُمثل مجزرة “علماً الشعب” ومجزرة مقرات إقامة الصحفيين في “حاصبيا” تجسيداً مخبرياً صارخاً لكيفية توظيف “الضربة المزدوجة” لإيقاع أكبر عدد من الضحايا بين المهنيين.
في حاصبيا، وبحسب تقارير الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية ومقررات لجنة دعم الصحفيين الصادرة، استهدفت غارة إسرائيلية مباشرة ومفاجئة فجراً مجمعاً سكنياً معلوماً ومحدداً بدقة يضم مقار إقامة الفرق الإعلامية والمصممين الذين يرتدون شارات الصحافة بوضوح، حيث أسفرت الضربة المزدوجة المتتالية عن استشهاد مصور قناة المنار وسام قاسم، ومصور وتقني قناة الميادين غسان نجار ومحمد رضا، وإصابة آخرين بجروح بليغة.
هذا الاستهداف وقع في منطقة اعتُبرت نسبياً خارج نطاق العمليات المباشرة، ما يثبت أن الرصد والتعقب كانا مقصودين لشطب هذه الطواقم. وفي بلدة “علماً الشعب” الحدودية، تكرر النمط الجنائي ذاته عبر استهداف طواقم إعلامية ودفاع مدني بغارات متتالية بفارق ثوانٍ؛ حيث تضرب القذيفة الأولى محيط الفريق لدفعه إلى التجمع أو محاولة الاحتماء خلف الآليات المخصصة، ثم تتبعها قذيفة موجهة ثانية تصيب الهدف بشكل مباشر (مثل الحادثة الأليمة التي أودت بحياة الصحفي عصام عبد الله وإصابة زملائه).
هذا التتابع الزمني الذي وثقته نقابة الصحافة اللبنانية والاتحاد الدولي للصحفيين في تقاريرهما الصادرة بين أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، يقطع الشك باليقين بأن غرف العمليات العسكرية للاحتلال تملك إحداثيات حية وتصنيفات بصرية كاملة للسيارات والشارات والمعدات، ومع ذلك، تتخذ قراراً واعياً بالضغط على زر الإطلاق للمرة الثانية لتأكيد التصفية الجسدية وحجب الحقيقة الميدانية.
الأرقام والبيانات المحدثة
وفقاً لإحصائيات رسمية دقيقة صادرة عن وزارة الصحة العامة اللبنانية (مركز عمليات طوارئ الصحة) ومحدثة في تقاريرها التراكمية الموثقة لعامي 2025 و2026، ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي المستمر لتتجاوز آلاف الشهداء وعشرات آلاف المصابين من المدنيين.
وتظهر البيانات الصادرة عن نقابة الصحفيين اللبنانيين والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، أن سياسة الاستهداف المباشر حصدت أرواح ما لا يقل عن 12 صحفياً وإعلامياً منذ بدء التصعيد، تعرض العديد منهم لغارات تتبعية أثناء أداء واجبهم.
وعلى صعيد طواقم الإغاثة والقطاع الصحي، تشير التقارير الحقوقية المتقاطعة مع الدفاع المدني اللبناني والهيئات الإسعافية (مثل الهيئة الصحية الإسلامية وجمعية كشافة الرسالة الإنسانية والصليب الأحمر) إلى أن استراتيجية الضربة المزدوجة واستهداف مراكز الإيواء الطبي تسببت في استشهاد أكثر من 220 مسعفاً وعامل إغاثة، وتدمير مئات الآليات الطبية.
وفي السياق، أفاد الاتحاد الدولي للصحفيين بتوثيق حوادث ترهيب خطيرة وإطلاق نار حي مباشر ضد طواقم قنوات محلية ودولية (مثل فرق قنوات الميادين، والمنار، ومؤسسات إعلامية غربية) أثناء محاولتهم التغطية في بلدات مثل حولا وكفركلا وطيرحرفا، على الرغم من وجود الشارات الواضحة والتنسيق الميداني المفترض، ما يؤكد رقمياً أن استهداف بيئة العمل الإعلامي والإغاثي يتبع منحنى تصاعدياً مصمماً بعناية لإفراغ الجنوب من شهوده الميدانيين وحجب حقيقة المجازر عن الرأي العام العالمي.
انتهاكات صارخة للقوانين
من المنظور القانوني الحقوقي، يشكل تكتيك الضربة المزدوجة ضد طواقم الصحافة والإغاثة جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً ومباشراً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وتحديداً البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.
تنص المادة 79 من هذا البروتوكول على أن الصحفيين الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة يجب أن يُعاملوا بوصفهم أشخاصاً مدنيين ويتمتعوا بجميع الحصانات الممنوحة لهم، شريطة ألا يقوموا بأي عمل يسيء إلى صفاتهم هذه.
وتفرض المادتان 24 و25 من اتفاقية جنيف الأولى حماية مطلقة لأفراد الخدمات الطبية وطواقم إسعاف الطوارئ والدفاع المدني.
غير أن سلوك الاحتلال الإسرائيلي، والموثق في التقارير الدورية لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية لعامي 2025 و2026، يثبت تعمداً كاملاً لكسر هذه الحصانة؛ إذ يتم تحويل الشارات البصرية المحمية، مثل الخوذ الزرقاء والسترات المضادة للرصاص المكتوب عليها بخط عريض “صحافة”، وعلامات الإسعاف الفسفورية، من أدوات حماية دولية إلى “أهداف استدلال بصرية” تسهل على الطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد الحراري تحديد نقاط التجمع وتوجيه القذيفة الثانية بدقة متناهية.
هذا التدمير الممنهج لمفهوم “الملاذ الآمن” و”الحماية المحايدة” يهدف قانونياً وعملياً إلى تجريد المجتمع الدولي من أدوات المراقبة الميدانية، ويجعل من الهياكل الحقوقية الدولية مجرد نصوص نظرية عاجزة عن لجم هندسة القتل الممنهجة للاحتلال.
ويفجر استمرار إسرائيل في تطبيق تكتيك الضربة المزدوجة طوال الأعوام الماضية وحتى مطلع عام 2026 دون رادع حقيقي، تساؤلات نقدية حادة حول الشلل البنيوي الذي يعاني منه المجتمع الدولي وآليات المحاسبة القضائية العالمية.
ويمثل الإفلات المستمر من العقاب الوقود الأساسي الذي يسمح لغرف العمليات العسكرية للاحتلال بتطوير وتكرار هذه الهندسة الجنائية القاتلة ضد طواقم الإعلام والإغاثة في لبنان.
التواطؤ التكنولوجي
يفتح تكتيك “الضربة المزدوجة” الباب على مصراعيه أمام نقاش يتعلق بالتواطؤ التكنولوجي الغربي، والدور الذي تلعبه شركات البرمجيات وسلاح الطيران في صياغة العقيدة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي.
بحسب دراسات استقصائية موثقة نشرتها مراكز أبحاث حقوقية وصحف عالمية بين عامي 2025 ومطلع عام 2026، أن جيش الاحتلال يدمج أنظمة الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الرصد الفوري (مثل منظومات “حبشور” و”الإنجيل”) لتحديد الأهداف البشرية وتوجيه الطائرات المسيّرة دون تدخل بشري كامل.
هنا تتضح الأبعاد الجنائية لتكتيك الضربة المتتالية، فالخوارزمية المصممة لرصد الساحات لا تميز بين هوية المسعف الذي يرتدي شارة فسفورية أو الصحفي الذي يحمل كاميرا، بل تتعامل مع حركة التجمع البشري اللاحقة للانفجار الأول بوصفها “هدفاً معادياً متحركاً” يجب تصفيته فوراً لرفع منسوب الردع.
ويعكس هذا المنطق العسكري المؤتمت سقوطاً أخلاقياً مدوياً للمجتمع الدولي، حيث تتحول الأسلحة الذكية المخصصة نظرياً لـ”تقليص الأضرار الجانبية” إلى أدوات تصفية بالغة الدقة تستهدف عمداً الفئات المحمية قانونياً لترهيب البيئة الحاضنة ومنع توثيق الجرائم.
وتتطلب مواجهة هذا النمط من الجرائم المحدثة حتى عام 2026 توسيع دائرة الملاحقة القانونية لتشمل الشركات المصنعة والمطورة لهذه الأنظمة البرمجية وأنظمة التوجيه الذكي، باعتبارها شريكة في هندسة الاغتيال الممنهج لطواقم الإغاثة والصحافة في جنوب لبنان، وتحويل الفضاء التكنولوجي إلى مقصلة رقمية تُعدم فيها الحقيقة وحقوق الإنسان بلا هوادة.
تكتيك الضربة المزدوجة
أكد الدكتور محمود الحنفي، الخبير في القانون الدولي الإنساني ومدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، أن استراتيجية الاستهداف المتتالي والغارات المزدوجة التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد طواقم الإغاثة والصحفيين في لبنان ترقى إلى مرتبة جرائم الحرب الموصوفة والجرائم ضد الإنسانية، مشدداً على أن هذه الأفعال لا يمكن تصنيفها تحت أي ظرف بوصفها أخطاءً عارضة أو أضراراً جانبية، بل هي سلوك منهجي يحمل نية جرمية مبيتة ومقصودة ومكتملة الأركان الجنائية، والهدف منها حصد أكبر عدد من أرواح المستجيبين الأوائل وفرض حصار معلوماتي وإنساني شامل على الأرض.
وأشار الحنفي في تصريحات خاصة لـ”صفر” إلى أن البنية الجنائية لتكتيك “الضربة المزدوجة” تسقط تماماً أي ادعاءات تروج لها سلطات الاحتلال حول التباس الهوية أو الخطأ الهامشي، موضحاً أن توجيه غارة أولى لإحداث صدمة وشلل مؤقت، تعقبها غارة ثانية بفارق ثوانٍ أو دقائق معدودة على البقعة الجغرافية ذاتها، يمثل دليلاً مادياً قاطعاً على أن غرف العمليات العسكرية للاحتلال حددت هدفها الأول وقصمته، ثم انتظرت عن عمد وصول طواقم الدفاع المدني والمسعفين والإعلاميين الذين يهرعون مدفوعين بواجبهم الإنساني والمهني لإنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا، لتباغتها بضربة قاتلة ثانية تضمن تصفية الناجين والمنقذين معاً، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأي التمييز والتناسب الراسخين في أحكام القانون الدولي.
ونبه الخبير الدولي إلى أن المنظومة العسكرية للاحتلال تمتلك ترسانة تكنولوجية فائقة الدقة، وأنظمة برمجية معتمدة على الذكاء الاصطناعي، وأدوات رصد وتحليل بالغة التطور، ما ينفي عنها بشكل مطلق فرضية “شبهة الهدف”، مؤكداً أن هذه القدرات التقنية الهائلة تمثل من الناحية الحقوقية أداة إدانة قطعية للاحتلال وليس صك براءة؛ إذ من المستحيل تقنياً ومنطقياً لمنظومة تملك هذه القدرة على التدقيق والتمييز الرقمي اللحظي أن تعجز عن التفريق بين مسعف يرتدي شارات فسفورية وصحفي يحمل كاميرا وبين مقاتل مسلح، ما يقطع الشك باليقين بأن الاستهداف كان متعمداً ومع سبق الإصرار لتجريد المجتمع الدولي من شهود العيان الميدانيين.
وشدد الحنفي على أن الحماية القانونية التي يفرضها القانون الدولي الإنساني المنظم للنزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، تمنح حصانة مطلقة وخاصة للطواقم الطبية والإغاثية طالما أنها تؤدي مهامها الإنسانية وتنأى بنفسها عن المشاركة في أي أعمال حربية، موضحاً أن هذا المبدأ ينطبق تماماً وبذات القوة القانونية على الصحفيين والإعلاميين الذين يتولون التغطية الميدانية، حيث يصنفون مدنيين ويتمتعون بكامل الحقوق المرتبطة بهذه الصفة.
ولفت الحنفي، إلى أن جميع الصحفيين المستهدفين ميدانياً مهنيون مرموقون ومشهورون بصفاتهم الرسمية، وكانوا يلتزمون برفع الشارات الوقائية والبصرية المعترف بها عالمياً، سواء عبر تمييز سيارات الإسعاف بشعاري الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أو ارتداء الطواقم الإعلامية للسترات والخوذ الواقية الممهورة بكلمة “صحافة” بارزة وبخط عريض، ومع ذلك جرى تحويل هذه الشارات من أدوات حماية دولية إلى أهداف استدلال بصري يسهل تصفيتها.
الحصانة الدولية المهدورة
أكد مدير مؤسسة (شاهد) أن التحقيقات الميدانية والقرائن الرقمية المحدثة، ولا سيما التوثيقات الخاصة بحوادث استهداف الصحفيين والمسعفين، مصورة وموثقة عبر بث مباشر فضح الجريمة لحظة بلحظة، وهي واضحة وضوح النهار ولا تحتاج إلى كثير من الجهد لإثباتها، منبهاً إلى أن تكرار هذا النمط العملياتي في أكثر من زمان ومكان يعزز فرضية السياسة الثابتة التي ينتهجها الاحتلال لإفراغ مناطق المواجهة من طواقمها الإنسانية والإعلامية، وهو سلوك يفرض بشكل عاجل تحركاً دولياً لكسر الدائرة المفرغة وتشكيل لجان تحقيق جنائية خاصة ومستقلة، مشيداً بالدور المحوري الذي تلعبه المنظمات الحقوقية في لبنان لتوثيق هذه الانتهاكات.
وحذر الحنفي، من أن المحرك الأساسي والأخطر الذي يمنح غرف العمليات العسكرية للاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة هذه الفظائع ومضاعفة أعداد الضحايا وتعميق الكارثة الإنسانية، يكمن في “غياب المحاسبة الدولية” وسيادة ثقافة الإفلات من العقاب، مستشهداً بالمثل العربي الشهير “من أَمِنَ العقوبة، أساء الأدب”، ومعتبراً أن العجز الأممي والشلل الذي تعاني منه آليات المحاسبة القضائية العالمية يمثل إساءة بالغة وهدماً لمنظومة الأخلاق والقيم التي يرتكز عليها القانون الدولي، كما أنه يبعث برسالة طمأنة وتوفير حصانة ومناعة فوق-قانونية مشوهة للاحتلال لمواصلة جرائمه دون أي رادع، فضلاً عن كونه يقوض مصداقية الهياكل الحقوقية الأممية ويحول نصوصها الإنسانية الصارمة إلى حبر على ورق ونصوص نظرية منزوعة الأثر.
وأشار الخبير القانوني إلى أن الجهد الاستثنائي الذي يبذله الحقوقيون لجمع القرائن الرقمية من تسجيلات حية، وإحداثيات جغرافية، وبيانات الأقمار الصناعية، وإفادات الناجين وشهود العيان وطواقم الإسعاف، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأزمة الحالية ليست في “شح الأدلة” أو النقص التوثيقي، ونبه إلى أن المشهد المأساوي التراكمي الموثق في قطاع غزة، والذي شهد استشهاد عشرات الآلاف من المدنيين واستهدافاً علنياً وممنهجاً للمستشفيات ورجال الإنقاذ والإعلام، لم يمنع إسرائيل من نقل ذات التكتيك الحربي الوحشي إلى لبنان بسبب غياب الرادع الفعلي.
وأكد أن الخلل الحقيقي والعميق يتمثل في غياب الإرادة السياسية الدولية والقرار الأممي الحاسم الكفيل بلجم هذه الانتهاكات الصارخة، واختتم الحنفي تصريحه محذراً من أن الجرائم والمجازر التي تمر مرور الكرام اليوم دون عقاب رادع، ستشكل سابقة خطيرة وقناعة عامة حول العالم بإمكانية استباحة الفئات المحمية، ما ينذر بتكرار ذات السيناريوهات الدموية والمجازر الممنهجة في جغرافيا أخرى وسياقات نزاع جديدة، ما لم تتبلور إرادة دولية حقيقية ونافذة تضع حداً نهائياً لسياسة الإفلات من العقاب وتفرض سيادة القانون الدولي الإنساني فوق الجميع دون نفاق جيوسياسي.

