منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

لبنان أمام مجلس حقوق الإنسان.. مراجعة حقوقية وأسئلة حول القضاء واللاجئين

20 يونيو 2026
لبنان يستعرض ملفه الحقوقي أمام مجلس حقوق الإنسان
لبنان يستعرض ملفه الحقوقي أمام مجلس حقوق الإنسان

خضع لبنان للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 19 يناير 2026، وترأس الوفد اللبناني وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد.

واعتمد الفريق العامل تقرير لبنان في 30 يناير 2026، ويعد ملف لبنان من الملفات المهمة ضمن الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، لأنه يأتي في سياق أزمات مالية واقتصادية وسياسية وأمنية وإنسانية متداخلة.

وبحسب الوثائق المتوفرة حتى الآن، وصل تقرير الفريق العامل الخاص بلبنان، لكن لم يصل بعد رد الدولة الرسمي النهائي على التوصيات، لذلك، تبقى هذه القراءة أولية وقابلة للتحديث عند صدور موقف لبنان من التوصيات، خصوصاً أن عدداً من الملفات المطروحة يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الدولة ستقبل التوصيات المتعلقة به أم ستأخذ بها علماً.

مراجعة وأزمات متراكمة

تأتي مراجعة لبنان في ظرف استثنائي، إذ يشير التقرير إلى أن البلاد شهدت منذ المراجعة السابقة عام 2021 أزمات مالية واقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية متداخلة، إضافة إلى استمرار وجود أعداد كبيرة من النازحين السوريين، وما يرتبط بذلك من ضغط على المؤسسات والخدمات العامة.

هذا السياق يجعل تقييم حالة حقوق الإنسان في لبنان أكثر تعقيداً، فالأزمة الاقتصادية أثّرت على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والنزاع والتوترات الأمنية أثرا على الحق في الحياة والحماية، بينما لا تزال ملفات القضاء، والفساد، واللاجئين، وحقوق النساء من الملفات المركزية في النقاش الحقوقي.

وعرض لبنان خلال المراجعة مجموعة من الخطوات التي اعتبرها مؤشرات على مسار إصلاحي، من بينها انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة ذات توجه إصلاحي، وإجراء الانتخابات البلدية، وتعيينات أمنية وقضائية ودبلوماسية وإدارية، كما أشار التقرير إلى إطلاق إصلاحات مالية واقتصادية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، بما في ذلك ملفات السرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المالي.

وأشار لبنان إلى اعتماد الخطة الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030، وتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية، وتعزيز استقلال القضاء، وتقديم مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام، واستئناف التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، إضافة إلى تصديق لبنان على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

استقلال القضاء وانفجار المرفأ

يعد ملف استقلال القضاء من أبرز الملفات الحساسة في مراجعة لبنان، فقد عرضت الدولة خطوات مرتبطة بإصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته، بما في ذلك قانون جديد يهدف إلى إعادة هيكلة القضاء ومجلس القضاء الأعلى، وتعزيز الشفافية والحماية من النقل التعسفي للقضاة.

ويبرز ملف انفجار مرفأ بيروت كقضية مركزية في الثقة بالعدالة والمساءلة، فقد أشار التقرير إلى استئناف التحقيقات في الانفجار، وإلى تعاون قضائي دولي وتقديم دعم للمتضررين، بمن فيهم الناجون من ذوي الإعاقة، لكن هذا الملف سيبقى بحاجة إلى متابعة دقيقة، لأن جوهره لا يتعلق فقط بوجود تحقيق، بل بمدى استقلاليته وشفافيته وقدرته على الوصول إلى الحقيقة والمساءلة.

وأشار تقرير لبنان إلى أن الحكومة قدّمت مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام، كما تلقت الدولة توصيات مرتبطة بالتصديق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإضفاء الطابع الرسمي على الوقف الفعلي لعقوبة الإعدام تمهيداً لإلغائها.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة لأن لبنان يشبه عدداً من الدول التي يظهر فيها الفرق بين الوقف الفعلي للتنفيذ والإلغاء القانوني الكامل، وبانتظار رد الدولة الرسمي، سيكون من المهم معرفة ما إذا كان لبنان سيقبل التوصيات الخاصة بالإلغاء الكامل، أم سيكتفي بالإشارة إلى الوضع القائم أو المسار التشريعي المقترح.

حقوق النساء والجنسية

برز ملف حقوق النساء بشكل واضح في مراجعة لبنان، فقد عرضت الدولة إجراءات تتعلق بمنع العنف ضد النساء؛ حملات توعية، وخدمات مساعدة قانونية، وخطوطاً ساخنة، ومنصة وطنية حول العنف ضد النساء، وسياسات لمواجهة التحرش والعنف الرقمي.

لكن التوصيات المقدمة للبنان تضمنت أيضاً دعوات لإصلاح قانون الجنسية بما يسمح للمرأة اللبنانية بنقل جنسيتها لأطفالها وزوجها على قدم المساواة مع الرجل، وسحب التحفظات على مواد من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وتعد هذه الملفات من أكثر القضايا حساسية في السياق اللبناني، لأنها ترتبط بقوانين الجنسية، الأحوال الشخصية، والتوازنات السياسية والاجتماعية.

النازحون والعمال المهاجرون

يشكل ملف اللاجئين والنازحين والعمال المهاجرين أحد أبرز المحاور في مراجعة لبنان، فقد أشار التقرير إلى التزام لبنان بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وإلى ترتيبات مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لضمان أن تكون عودة النازحين السوريين آمنة وكريمة ومستدامة، كما تحدث عن استمرار تقديم خدمات أساسية، بما في ذلك التعليم، وعن إدارة الحدود وتسجيل الولادات لمنع انعدام الجنسية.

وفي المقابل، تضمنت التوصيات دعوات للتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، واتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمال المنزليين، واتفاقيات مرتبطة باللاجئين وعديمي الجنسية.

ويظل هذا الملف حساساً في لبنان بسبب الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بالنزوح، وبسبب أوضاع العمالة المنزلية والعمال المهاجرين.

وعرض لبنان مشروع قانون لإصلاح الإعلام باعتباره خطوة لتعزيز حرية التعبير، وأكد أنه لم يتم توقيف أو الحكم على أي صحفي بسبب نشاط مهني خلال السنة السابقة، ومع ذلك، عبّرت بعض التوصيات عن قلق من استخدام قوانين الذم والقدح ضد الصحفيين والمنتقدين.

هذا الملف يحتاج إلى متابعة خاصة، لأن إصلاح الإعلام لا يقاس فقط بوجود مشروع قانون، بل بمضمونه: هل يحمي الصحفيين؟ هل يمنع العقوبات السالبة للحرية؟ هل يعزز الوصول إلى المعلومات؟ وهل يحد من استخدام القضاء كأداة لتقييد النقد؟

الحق في الحياة

إلى جانب تقرير الاستعراض الدوري الشامل، يوجد تقرير أممي قطري مهم حول لبنان قدمه المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، ويركز هذا التقرير على انتهاكات الحق في الحياة في سياق الأعمال العدائية على الأراضي اللبنانية، وعلى توثيق الانتهاكات، والتحقيق في القتل غير المشروع، ودعم الضحايا وأسرهم في الوصول إلى الحقيقة والعدالة والجبر.

وجود هذا التقرير إلى جانب تقرير الاستعراض يجعل ملف لبنان أوسع من مجرد مراجعة دورية، لأنه يضع حماية المدنيين، والصحفيين، والطواقم الطبية، والتحقيقات المستقلة في قلب المتابعة الحقوقية.

قراءة حقوقية

تعكس مراجعة لبنان حالة حقوقية شديدة التعقيد، فالدولة تعرض مجموعة من الإصلاحات والخطط والقوانين، لكنها تعمل في بيئة مثقلة بأزمات اقتصادية وسياسية وأمنية وإنسانية، لذلك، لا يمكن قراءة تقرير لبنان بمعزل عن الأزمة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن استخدام الأزمة كتبرير دائم لتأجيل الإصلاحات الحقوقية.

وتظهر الملفات الأكثر حساسية في لبنان حول القضاء، انفجار المرفأ، عقوبة الإعدام، قانون الجنسية، حقوق النساء، اللاجئين، العمال المهاجرين، وحرية التعبير، كما أن غياب رد الدولة الرسمي حتى الآن يجعل التحليل الحالي أولياً، بانتظار معرفة موقف لبنان من التوصيات المطروحة.

وتظهر مراجعة لبنان ضمن الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان أن البلاد تقف أمام اختبار مزدوج: إدارة الأزمات المتراكمة من جهة، وتنفيذ إصلاحات حقوقية ومؤسسية من جهة أخرى، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بصدور رد لبنان الرسمي على التوصيات، خاصة في ملفات القضاء، وانفجار مرفأ بيروت، وعقوبة الإعدام، والجنسية، واللاجئين، والعمال المهاجرين، وحرية الإعلام.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print