لم تعد ظاهرة العنصرية في الرياضة مجرد تجاوزات فردية تصدر من بعض الجماهير، بل أصبحت قضية حقوقية تكشف استمرار وجود أشكال من التمييز المرتبطة بالأصل والهوية والدين، حتى في أكثر المساحات التي يفترض أن تكون رمزا للتنوع والتعايش.
وتجسدت هذه الإشكالية مؤخرا في حالة لاعب المنتخب الإسباني لامين يامال، الذي كان من بين أكثر الشخصيات استهدافا بمنشورات خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي خلال يونيو 2026، وفقا لتقرير صادر عن مرصد مكافحة العنصرية وكراهية الأجانب في إسبانيا التابع لأمانة الدولة للهجرة.
ووثق المرصد الإسباني أكثر من 40 ألف منشور يتضمن خطاب كراهية خلال شهر يونيو/حزيران، وكان 16% منها مرتبطا بالمجال الرياضي، ما يعكس تحول الرياضة إلى إحدى المساحات التي تنتشر عبرها رسائل التمييز والعنصرية.
وأشار التقرير إلى أن لامين يامال، اللاعب الإسباني من أصول مغربية من جهة الأب وغينية استوائية من جهة الأم، كان من أبرز المستهدفين بالمنشورات العنصرية والمعادية للمسلمين، خصوصا بعد احتفاله بالسجود عقب تسجيل هدفه الوحيد في البطولة.
الهوية وخطاب الكراهية
لم تقتصر الهجمات التي تعرض لها يامال على انتقاد أدائه الرياضي، بل استهدفت هويته وانتماءه الوطني، إذ تضمنت بعض المنشورات عبارات تشكك في أحقيته بتمثيل المنتخب الإسباني، وتحمل مضامين عنصرية ومعادية للمسلمين.
ورأى المرصد أن هذه المنشورات تكشف كيف يمكن أن تتحول الخلفية العائلية أو المعتقدات الشخصية أو طريقة التعبير عن الهوية إلى أهداف لخطابات الإقصاء، رغم أن الرياضة تقوم أساسا على قيم المشاركة والتنوع والمساواة.
تؤكد قضية يامال أن الملاعب والمنصات الرقمية ليست منفصلة عن القضايا الاجتماعية الأوسع، فالعنصرية التي تظهر تجاه الرياضيين تعكس في كثير من الأحيان انقسامات موجودة داخل المجتمعات نفسها.
وأشار التقرير إلى أن الأحداث المرتبطة باللاعب تظهر أن الرياضة قد تصبح بيئة تساعد على انتشار خطابات الكراهية التي لا تستهدف الرياضيين فقط، بل تمتد إلى المجتمعات والثقافات التي ينتمون إليها.
حماية الحق في المساواة
تؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان أن التمييز على أساس الأصل أو العرق أو الدين يتعارض مع مبدأ المساواة، ويقع على عاتق الدول والمؤسسات الرياضية والمنصات الرقمية دور في مواجهة خطاب الكراهية ومنع تحوله إلى ممارسة طبيعية في الفضاء العام.
ولا تقتصر مواجهة العنصرية في الرياضة على معاقبة أصحاب المنشورات المسيئة، بل تشمل أيضا تعزيز التوعية، وحماية الرياضيين، وترسيخ مفهوم أن تمثيل المنتخب الوطني لا يرتبط بأصل اللاعب أو خلفيته العائلية، وإنما بقدرته على المساهمة في خدمة الفريق الذي يمثله.
وتكشف تجربة لامين يامال أن النجاح الرياضي لا يحمي دائما أصحابه من خطاب الكراهية، وأن الشخصيات العامة، خصوصا الرياضيين الشباب، قد تتحمل أحيانا عبئا إضافيا بسبب هوياتهم المتعددة.
لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن التنوع أصبح جزءا من واقع المجتمعات الحديثة، وأن حماية هذا التنوع ليست مجرد قضية رياضية، بل التزاما حقوقيا يتعلق بضمان أن يشعر كل فرد بأن انتماءه وكرامته مصونة دون تمييز.
