فجّر تقرير سنوي جديد للأمم المتحدة موجة واسعة من الجدل السياسي والدبلوماسي، بعدما أدرج القوات الإسرائيلية والروسية لأول مرة ضمن القائمة السوداء للأطراف المتهمة بارتكاب أعمال عنف جنسي خلال النزاعات المسلحة، ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد الانتقادات الدولية المرتبطة بالحرب في غزة والحرب الروسية الأوكرانية، وسط رفض حاد من تل أبيب وموسكو لما ورد في التقرير من اتهامات.
وبحسب التقرير السنوي الصادر عن الأمم المتحدة والمعني بتوثيق العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة حول العالم، فقد جرى إدراج 77 جهة حكومية وغير حكومية على القائمة السوداء خلال عام 2025، في اثنتي عشرة دولة، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في أعداد الحالات الموثقة مقارنة بعام 2024، ويعد إدراج القوات الإسرائيلية والروسية أبرز ما حمله التقرير هذا العام؛ نظراً للحساسية السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالنزاعين في غزة وأوكرانيا.
وأشار التقرير الذي جاء في 35 صفحة إلى أن الأمم المتحدة تمكنت خلال عام 2025 من توثيق ما وصفته بأنماط من العنف الجنسي بحق فلسطينيين محتجزين في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، مؤكداً التحقق من عدة حوادث مرتبطة بالتعذيب والانتهاكات الجنسية بحق رجال ونساء وأطفال من غزة والضفة الغربية.
اتهامات مباشرة
وأوضح التقرير أن الأمم المتحدة تحققت من تعرض 14 رجلاً وسبع نساء وتسعة فتيان وفتاة واحدة لانتهاكات جنسية مرتبطة بالنزاع، بينها حوادث وقعت خلال العام الجاري وأخرى تعود إلى عامي 2023 و2024.
وأضاف التقرير أن ما لا يقل عن تسع ضحايا، معظمهم من قطاع غزة، تعرضوا للاغتصاب أو الاغتصاب الجماعي بصورة متكررة، على أيدي أفراد من القوات الإسرائيلية وعناصر من مصلحة السجون الإسرائيلية ووحدات خاصة تابعة للشرطة.
كما أعاد التقرير توثيق اتهامات سابقة موجهة إلى حركة حماس بارتكاب أعمال عنف جنسي خلال هجوم السابع من أكتوبر 2023 داخل إسرائيل، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الأمم المتحدة لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من عدد من الوقائع بسبب القيود المفروضة على وصول فرق التحقيق الدولية إلى بعض المناطق.
وفي تطور لافت أيضاً، أدرج التقرير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الروسية لأول مرة على القائمة السوداء، بسبب اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات جنسية بحق أسرى حرب ومدنيين محتجزين خلال الحرب في أوكرانيا.
غضب إسرائيلي وروسي
وأثار إدراج إسرائيل وروسيا ردود فعل غاضبة من الجانبين، حيث شن مسؤولون ودبلوماسيون هجوماً حاداً على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، متهمين المنظمة الدولية بالتحيز وتسييس التقارير الحقوقية.
وقال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون إن بلاده قدمت وثائق وردوداً تفصيلية تدحض الاتهامات الواردة في التقرير، معتبراً أن وضع إسرائيل في القائمة نفسها إلى جانب تنظيمات مثل داعش وحماس يمثل ظلماً وتشويهاً متعمداً.
وأضاف دانون أن ما وصفه بالعداء المؤسسي داخل الأمم المتحدة تجاه إسرائيل بات واضحاً، مؤكداً أن تل أبيب ترفض بصورة قاطعة الاتهامات المتعلقة بارتكاب انتهاكات جنسية بحق الفلسطينيين.
من جهتها، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها دحضت الاتهامات بشكل شامل وواضح، معتبرة أن التقرير يعكس انحيازاً طويل الأمد ضد إسرائيل داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
أما روسيا، فقد وصفت الاتهامات بأنها أكاذيب لا أساس لها، حيث أعلن السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا أن موسكو ستوجه رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة احتجاجاً على إدراجها في القائمة.
وقال نيبينزيا إن روسيا تعمل بدورها على إعداد تقارير توثق ما تصفه بانتهاكات أوكرانية بحق أسرى الحرب الروس، متهماً الأمم المتحدة بتقديم صورة أحادية للصراع.
تحذيرات سابقة
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد وجه في تقرير العام الماضي تحذيرات صريحة إلى كل من إسرائيل وروسيا بإمكانية إدراجهما على القائمة السوداء إذا استمرت التقارير المتعلقة بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
ويأتي التقرير الحالي قبل أشهر قليلة من انتهاء الولاية الثانية لغوتيريش في منصبه نهاية ديسمبر المقبل، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة ضغوطاً متزايدة بشأن طريقة تعاملها مع ملفات النزاعات الدولية الكبرى.
إدراج إسرائيل وروسيا على القائمة يمثل خطوة ذات دلالات سياسية وحقوقية كبيرة، خصوصاً أن الأمم المتحدة ظلت لسنوات تتجنب توجيه اتهامات مباشرة بهذا المستوى إلى قوى دولية أو حلفاء مؤثرين في الساحة الدولية.
تصاعد المخاوف الحقوقية
ويعكس التقرير الأممي تنامي القلق الدولي من تصاعد الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، خاصة تلك التي تستهدف المدنيين والمحتجزين، وتشير الأمم المتحدة إلى أن العنف الجنسي لا يزال يستخدم في عدد من مناطق النزاع سلاحاً للترهيب والإذلال وكسر المجتمعات المحلية.
كما تحذر منظمات حقوقية من أن استمرار غياب آليات المحاسبة الدولية الفعالة يشجع على تكرار هذه الانتهاكات، سواء في غزة أو أوكرانيا أو مناطق نزاع أخرى حول العالم.
تجدر الإشارة إلى أن تقرير الأمم المتحدة السنوي بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات يصدر منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ويهدف إلى توثيق الانتهاكات الجنسية التي تقع خلال الحروب والنزاعات المسلحة، سواء من جانب جيوش نظامية أو جماعات مسلحة غير حكومية، وتستخدم الأمم المتحدة القائمة السوداء أداة للضغط الدولي من أجل تعزيز المساءلة وحماية المدنيين، خاصة النساء والأطفال والمحتجزين، ويعد إدراج أي دولة أو قوة عسكرية على هذه القائمة خطوة حساسة سياسياً ودبلوماسياً، لما قد يترتب عليها من ضغوط دولية وانتقادات حقوقية واسعة النطاق.
