في بلد تتكاثر فيه القيود بقدر ما تتسع مطالب إطلاق الحريات، تعود قضية اعتقال المحامية الحقوقية نسرين ستوده لتكشف مجدداً عن ملامح واقع حقوقي مأزوم في إيران، حيث يتحول الدفاع عن القانون إلى تهمة، والمطالبة بالعدالة إلى جريمة تستوجب العقاب.
لم تكن ستوده (63 عاماً) مجرد اسم في قائمة المعتقلين الإيرانيين، بل تمثل أحد أبرز الأصوات القانونية التي كرست حياتها ومسيرتها المهنية للدفاع عن ضحايا الانتهاكات، وخاصة النساء والناشطين السياسيين.
وعلى مدى سنوات طويلة، واجهت ستوده الملاحقات الأمنية والسجن بسبب عملها، في مؤشر واضح على حجم التضييق الذي يطول المدافعين عن حقوق الإنسان داخل إيران، في حين كشف اعتقالها الأخير عن استمرار هذا النمط في التعامل مع النشطاء الحقوقيين.
وعادة ما تُستخدم أدوات قانونية فضفاضة لتجريم أنشطة مشروعة في إيران، مثل الدفاع القانوني أو التعبير السلمي، وتوجه السلطات اتهامات من قبيل “تهديد الأمن القومي” أو “الدعاية ضد الدولة”، وهي عناوين باتت جاهزة لتبرير إسكات أي صوت مستقل أو معارض.
وتحمل قضية ستوده بُعداً إضافياً يتعلق بحقوق المرأة، في ظل تصاعد القيود المفروضة على الحريات الشخصية، وعلى رأسها حرية اختيار الملبس، وقد برز هذا البعد بوضوح في سياق الاحتجاجات التي شهدتها البلاد عقب وفاة فتاة تُدعى مهسا أميني، والتي تحولت إلى نقطة مفصلية في علاقة المجتمع بالسلطة.
في هذا السياق، لم تكن النساء مجرد ضحايا، بل فاعلات أساسيات في الحراك، وهو ما قوبل بمزيد من القمع، والذي شمل الاعتقالات والمحاكمات وحتى استخدام القوة المفرطة لتفريق الاحتجاجات.
آلاف المعتقلين في 2025 – 2026
بحسب أحدث تقرير للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، والذي يغطي الفترة من يناير 2025 إلى فبراير 2026، فإن حملة القمع التي أعقبت احتجاجات 28 ديسمبر 2025 شهدت نحو 3,000 حالة اعتقال، في حين تشير بيانات منظمات المجتمع المدني إلى أن العدد الإجمالي للموقوفين قد يصل إلى عشرات الآلاف، ويشمل متظاهرين وأطفالاً وكوادر طبية وغيرهم.
وفي توثيقها السنوي، قالت منظمة “هرانا” في تقريرها الإحصائي لعام 2025 إن السلطات الإيرانية نفذت 22,062 حالة اعتقال في فئة حرية الرأي والتعبير وحدها خلال عام 2025، إلى جانب 394 استدعاءً إلى الجهات القضائية والأمنية، ما يعكس اتساع نطاق القمع خارج لحظة الاحتجاج المباشر.
وفيما يخص النساء، فتظهر أحدث الإحصاءات الحقوقية أنهن كنّ في قلب حملة الاعتقالات، فقد وثّقت منظمة “هنجاو” الحقوقية 182 حالة اعتقال لنساء خلال عام 2025 على خلفية أنشطة سياسية أو مدنية أو دينية أو المشاركة في الاحتجاجات، وقالت إن هذا الرقم يمثل 11% من إجمالي الاعتقالات التي رصدتها خلال العام.
وأكدت المنظمة، في تقريرها الصادر في 8 مارس الماضي، أنها تحققت من 263 امرأة معتقلة خلال احتجاجات يناير 2026 وحدها، بينهن 50 امرأة كردية.
وإلى جانب ذلك، وثّقت “هرانا” اعتقال 13 امرأة في 2025 بسبب عدم الامتثال لقوانين الحجاب الإلزامي، وهو رقم يخص هذا الملف وحده ولا يشمل بقية أشكال الاعتقال السياسي أو الأمني.
تساؤلات حول استقلالية القضاء
وتطرح هذه القضية تساؤلات جدية حول استقلالية القضاء، إذ تُظهر محاكمات النشطاء، وبينهم ستوده، مؤشرات على غياب معايير المحاكمة العادلة، سواء من حيث الإجراءات أو طبيعة الاتهامات، ويعزز ذلك الانطباع بأن المنظومة القضائية تُستخدم أداة لإضفاء طابع قانوني على ممارسات قمعية.
ولا يمكن النظر إلى اعتقال ستوده بوصفها حالة فردية، بل جزء من سياق أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فحين تُغلق مساحات التعبير السلمي وتتراجع ضمانات العدالة، يصبح القمع خياراً ممنهجاً لا استثناءً، إذ تتحول قصص الاعتقال إلى مرآة لواقع حقوقي مأزوم يحتاج إلى مراجعة جادة.
ودعت منظمات حقوقية دولية إلى الإفراج الفوري عن المحامية الإيرانية البارزة نسرين ستوده، وقالت إن اعتقالها جاء بسبب نشاطها في مجال حقوق الإنسان، إذ أشارت تقارير إلى أن احتجازها يأتي بعد تمثيلها القانوني للنساء اللواتي اعتقلن في إيران بسبب الاحتجاج السلمي على قانون الحجاب الإلزامي، وبسبب انتقادها المستمر للنظام القضائي في بلادها.
رسالة سياسية قمعية
وفي سياق قراءتها للمشهد الراهن، ترى الناشطة الإيرانية المعنية بقضايا المرأة هدى كريمي صدر، أن إعادة اعتقال نسرين ستوده لا يمكن تفسيره بوصفه إجراءً قضائياً معزولاً، بل هو رسالة سياسية مباشرة تعكس ثبات نهج السلطات في التعامل مع ملف حقوق الإنسان، مؤكدة أن هذا النهج لم يشهد أي تحسن، بل بات القمع أكثر رسوخاً، وتحول إلى أداة أساسية في إدارة المجتمع وضبط المجال العام.
وتضيف صدر في تصريحات لـ”صفر” أن استهداف ستوده التي كرست سنوات من عملها للدفاع السلمي عن حقوق المواطنين يحمل دلالة خطيرة، مفادها أن القانون ذاته لم يعد يوفر الحماية، بل أصبح جزءاً من منظومة الضغط، موضحة أن هذه اللحظة تمثل تحولاً فارقاً، حيث يتراجع دور المؤسسات القانونية لمصلحة هيمنة المقاربة الأمنية، فيتحول النظام من إطار حكم قائم على القواعد إلى منظومة سيطرة تُدار عبر الردع والتخويف.
وتدعو هدى كريمي إلى تحرك دولي أكثر فاعلية، مشيرة إلى أن ردود الفعل الحالية رغم أهميتها الرمزية، لم تنجح في إحداث أثر رادع حقيقي، مؤكدة أن تكرار بيانات الإدانة على مدار السنوات لم يقابله انحفاض في معدل الانتهاكات، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى وجود إرادة دولية للانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل.
وتلفت إلى أن غياب الإجراءات العملية، سواء عبر آليات مساءلة واضحة أو ضغوط سياسية واقتصادية مؤثرة، يبعث برسائل ضمنية تسمح باستمرار الانتهاكات دون محاسبة، وهو ما يشجع على إعادة إنتاجها بوتيرة أكثر حدة.
وفيما يتعلق بتأثير التهدئة السياسية مع واشنطن في أوضاع حقوق الإنسان داخل إيران، توضح صدر أن التجارب السابقة تشير إلى نتيجة عكسية، إذ تميل السلطات إلى استغلال فترات خفض التوتر الخارجي لتعزيز قبضتها الداخلية، فكلما تراجع الضغط الدولي، ازداد التركيز على إحكام السيطرة في الداخل، ما ينفي وجود علاقة تلقائية بين الانفراج الخارجي وتحسن الأوضاع الحقوقية.
وتخلص هدى كريمي صدر إلى أن قضية نسرين ستوده تتجاوز كونها حالة فردية، لتصبح تعبيراً عن واقع أوسع، يمكن أن يؤدي فيه الدفاع عن أبسط الحقوق إلى السجن، محذرة من أن استمرار هذا المسار دون تكلفة حقيقية سيؤدي على الأرجح، إلى توسيع دائرة القمع ومنح السلطات مساحة كبرى لممارسته بجرأة وعلنية.
أوضاع مرشحة للتدهور
من جانبها ترى الناشطة الإيرانية المعنية بحقوق الإنسان شيماء سيلاوي أن تدهور ملف حقوق الإنسان في إيران ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يمثل أزمة ممتدة ومتجذرة في بنية النظام السياسي، مؤكدة أن بلادها تمارس أنماطاً ممنهجة من القمع منذ عقود وتحتل مرتبة متقدمة عالمياً في معدلات تنفيذ أحكام الإعدام مقارنة بعدد السكان، ما يعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي تطول الحق في الحياة.
وتوضح سيلاوي في تصريحات لـ”صفر”، أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على فئة بعينها، بل تشمل شرائح واسعة من المجتمع، ومنها القُصر، حيث تُسجل حالات إعدام لأشخاص دون سن الثامنة عشرة، مشيرة إلى أن الأقليات العرقية، مثل الكرد والبلوش وعرب الأهواز، تتعرض لاستهداف ممنهج تحت اتهامات ذات طابع سياسي كـ”الانفصالية”، وهو ما وثقته تقارير صادرة عن منظمات حقوقية أممية ودولية.
وفي سياق متصل، تعرب شيماء سيلاوي عن أسفها لما وصفته بتجاهل القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا، لملف حقوق الإنسان في إيران، خاصة خلال مسارات التفاوض السياسي، موضحة أن نشطاء حقوقيين سعوا مراراً إلى إدراج هذا الملف بوصفه شرطاً أساسياً في أي اتفاقات، خصوصاً في سياق المفاوضات النووية، بهدف ضمان تحسين أوضاع المواطنين، إلا أن هذه المطالب لم تلقَ استجابة حقيقية، وتم تجاوزها لمصلحة أولويات أخرى.
وحول التطورات الأخيرة، تحذر سيلاوي من أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور، مشيرة إلى أن فترات التهدئة أو “الهدن” لا تنعكس إيجابياً على الداخل، بل قد تُستغل لتكثيف القمع، مستشهدة على ذلك بعدة وقائع، منها تنفيذ عدة أحكام إعدام خلال فترة زمنية قصيرة، وأظهرت تسجيلات بعض المحكوم عليهم وهم يُطلب منهم الإدلاء باعترافات قسرية قبل تنفيذ الحكم، في مشهد يعكس غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وتضيف في وصف إنساني مؤلم: “تخيل أن تعيش في بلد تواجه فيه تهديدات خارجية، وفي الوقت نفسه تمارس حكومتك أقصى درجات العنف ضدك. إنه واقع أقرب إلى الكابوس الذي يعيشه المواطن الإيراني يومياً”.
ولا يتوقف القمع، بحسب سيلاوي، عند حدود الاعتقال أو الإعدام، بل يمتد إلى فرض عزلة رقمية عبر قطع خدمات الإنترنت، ما يعمق من معاناة المواطنين، إذ تروي تجربة شخصية تعكس هذا الواقع، حيث لم تتمكن من التواصل مع والدتها لأكثر من شهر ونصف، قبل أن تطمئن عليها عبر وسطاء، رغم أن منزل الأسرة يقع بالقرب من مطار الأهواز الذي تعرض للقصف، ما تسبب في أضرار مادية وحالة من الرعب، خاصة مع وجود والدتها بمفردها.
وتؤكد شيماء سيلاوي أن هذا الواقع يمثل خيبة أمل عميقة، خصوصاً في ظل غياب دعم واضح من بعض التيارات السياسية الدولية التي كان يُعول عليها في تبني قضايا حقوق الإنسان، منتقدة ما وصفته بازدواجية الخطاب، حيث يتم التغاضي عن الانتهاكات الداخلية بحجة التركيز على الصراعات الجيوسياسية، مع تجاهل دور السلطات الإيرانية في تأجيج أزمات إقليمية عبر دعم جماعات مسلحة.
وتختتم سيلاوي تصريحاتها بتأكيد أن ما يحدث يعكس حالة من الغياب شبه الكامل للحماية والتضامن الدولي، في وقت تتفاقم فيه معاناة الإيرانيين نتيجة القمع، وانقطاع المعلومات، وتضاؤل مساحات التعبير، محذرة من أن استمرار هذا الوضع، خاصة في ظل التهدئة السياسية، قد يؤدي إلى مزيد من التدهور ويجعل الواقع الحقوقي أكثر قسوة وتعقيداً في المرحلة المقبلة.

