منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في مخيمات التطرف بسوريا والعراق.. الأطفال يدفعون ثمن خيارات لم يصنعوها

06 يونيو 2026
تزايد الجدل حول مصير أطفال العناصر المتطرفة في سوريا والعراق
تزايد الجدل حول مصير أطفال العناصر المتطرفة في سوريا والعراق

في مخيمات ومراكز إيواء تمتد بين شمال شرق سوريا والعراق، يكبر آلاف الأطفال داخل واقع قاسٍ لم يختاروه، محاصرين بتبعات نزاعات وقرارات لم يكونوا طرفاً فيها، فهؤلاء الأطفال لم يشاركوا في القتال، ولم ينضموا إلى تنظيمات متطرفة، ولم يمتلكوا القدرة على تحديد المسار الذي قاد عائلاتهم إلى تلك البيئات، ومع ذلك يواجهون اليوم حرماناً واسعاً من التعليم، وصعوبات في الحصول على الوثائق الرسمية، ووصمة اجتماعية ترتبط بانتماءات أسرهم لا بأفعالهم هم.

وتثير هذه القضية إشكالية حقوقية وإنسانية شديدة الحساسية، إذ يجد آلاف الأطفال أنفسهم عالقين بين الاعتبارات الأمنية من جهة، ومبادئ حماية الطفل من جهة أخرى، فبدلاً من التعامل معهم بوصفهم ضحايا للنزاع والاستغلال والحرمان، يُنظر إلى بعضهم من خلال خلفيات عائلية تضعهم في دائرة الشك والإقصاء، ما يهدد حقهم في الهوية والتعليم والرعاية الصحية والاندماج الاجتماعي.

ولا تقتصر معاناة هؤلاء الأطفال على الظروف المعيشية داخل المخيمات، بل تمتد إلى فراغ قانوني واجتماعي قد يلازمهم لسنوات، فغياب الوثائق أو صعوبة إثبات الجنسية يحرمهم من الوصول المنتظم إلى الخدمات الأساسية، في حين تعمّق الوصمة الاجتماعية عزلتهم وتحد من فرص قبولهم داخل المدارس والمجتمعات المحلية، وهكذا يتحول الطفل، في كثير من الحالات، إلى ضحية دائمة لأفعال لم يرتكبها، في اختبار حقيقي لقدرة السياسات العامة على الموازنة بين الأمن والعدالة وحقوق الإنسان.

أرقام تكشف حجم الأزمة

تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن الأطفال يشكلون النسبة الكبرى من السكان في المخيمات ومراكز الإيواء المرتبطة بملف التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق، ففي شمال شرق سوريا وحده، يمثل الأطفال نحو 62 بالمئة من سكان مخيمي الهول وروج.

كما حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المدعومة من الأمم المتحدة عام 2024 من أن نحو 30 ألف طفل من أبناء أو أقارب عناصر ومؤيدي تنظيم داعش ما زالوا يعيشون في ظروف صعبة داخل المخيمات ومراكز الاحتجاز، مؤكدة أن استمرار هذه الأوضاع يهدد حقوقهم الأساسية ويؤثر في فرص اندماجهم مستقبلاً.

وتؤكد يونيسف أن هؤلاء الأطفال يواجهون مخاطر متزايدة مرتبطة بالحرمان من التعليم والرعاية الصحية والاستقرار الأسري، إضافة إلى الآثار النفسية طويلة الأمد الناتجة عن النزاع والنزوح.

هل يولد الأطفال متطرفين؟

ترى الباحثة في علم الاجتماع وعلم نفس الطفل هدى السعيداني، أن أطفال مخيمات التطرف لا يولدون متطرفين، لكنهم يصبحون أكثر عرضة لتبني الأفكار المتشددة إذا استمروا في العيش داخل بيئات مغلقة يسودها العنف والخوف والإقصاء.

وتوضح أن كثيراً من هؤلاء الأطفال عايشوا الحرب وفقدان الأقارب والتهجير، وبعضهم تعرض منذ سنواته الأولى لخطابات متشددة، إلا أن ذلك لا يعني أن مستقبلهم قد حُسم مسبقاً. فالتعليم والدعم النفسي والاندماج المجتمعي يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في بناء مسارات مختلفة لحياتهم.

محاولات لإنقاذ الطفولة

تسعى منظمات دولية ومحلية إلى تنفيذ برامج لإعادة التأهيل والدعم النفسي والتعليمي بهدف مساعدة الأطفال على تجاوز آثار النزاع والاندماج في مجتمعاتهم. وتشير بيانات يونيسف إلى أن آلاف الأطفال في العراق وسوريا استفادوا من برامج التعليم والدعم النفسي والاجتماعي، إلا أن الاحتياجات ما تزال أكبر بكثير من الموارد المتاحة.

وفي هذا السياق أكد المدير الإقليمي السابق لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تيد شيبان في فبراير 2021 أن الأطفال الموجودين في مخيم الهول ومناطق شمال شرق سوريا يجب أن يحصلوا على الحماية وإعادة الإدماج الآمن، مشدداً على أنهم “ضحايا أولاً وقبل كل شيء”، وداعياً الدول إلى إعادتهم ودمجهم داخل مجتمعاتهم.

كما أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا في مارس 2024 أن استمرار احتجاز آلاف الأطفال في المخيمات ومراكز الاحتجاز يشكل انتهاكاً لحقوقهم الأساسية، داعية الدول إلى إعادتهم وإنهاء معاناتهم الممتدة منذ سنوات.

ومن جهتها، شددت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر عام 2025 على أن استمرار احتجاز الأطفال في ظروف غير إنسانية وغير مستقرة يفاقم الأضرار النفسية والاجتماعية التي يتعرضون لها، في حين أكدت منظمة “أنقذوا الأطفال” عام 2026 أن غياب الحلول الدائمة يترك آلاف الأطفال أمام مستقبل مجهول ويزيد من خطر التهميش والإقصاء.

كما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر في مايو 2024 أن الولايات المتحدة أعادت عدداً من الأطفال والمواطنين من شمال شرق سوريا، مؤكداً أهمية إعادة الأطفال إلى بلدانهم الأصلية وتوفير الرعاية اللازمة لهم بدل بقائهم داخل المخيمات.

بين الأمن وحقوق الطفل

تؤكد السعيداني أن الأطفال لا يُعاقبون قانونياً على أفعال ذويهم، لكنهم غالباً ما يدفعون ثمن تلك الأفعال عملياً من خلال الحرمان والصدمة النفسية والوصمة الاجتماعية وصعوبة الاندماج في المجتمع.

وتضيف أن مستقبل هؤلاء الأطفال لا تحدده خلفيات أسرهم بقدر ما تحدده البيئة التي سيعيشون فيها لاحقاً، ومدى قدرتهم على الوصول إلى التعليم والرعاية النفسية والشعور بالانتماء إلى المجتمع.

وتكشف قضية أطفال مخيمات التطرف في سوريا والعراق أن التحدي لا يقتصر على إدارة المخيمات أو معالجة المخاوف الأمنية، بل يتعلق بقدرة الدول والمجتمعات على الفصل بين المسؤولية الفردية والحقوق الأساسية للأطفال، فكلما طال أمد الحرمان والعزلة، ازدادت احتمالات إنتاج جيل جديد يحمل آثار النزاع والإقصاء، في حين يبقى ضمان الحماية والاندماج أحد أهم الاستحقاقات الحقوقية والإنسانية في هذا الملف.