لم يعد التقدم في العمر أو الإصابة بضعف إدراكي مسألة صحية محضة، بل باتت قضية ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بحقوقه وحريته وكرامته واستقلال قراره. فحين يواجه كبار السن تراجعاً في الذاكرة أو الإدراك، فإن الخطر لا يكمن فقط في الأعراض المرتبطة بالحالة، وإنما في أن تتحول هذه الصعوبات إلى مبرر لانتزاع حق الشخص في الاختيار أو المشاركة أو التعبير عن إرادته، أو التعامل معه باعتباره غير قادر على اتخاذ أي قرار بشأن حياته.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع السابع للمجلس، في حوار تفاعلي مع الخبير المستقل المعني بتمتع كبار السن بجميع حقوق الإنسان، خُصص لمناقشة أوضاع الأشخاص الذين يعيشون مع ضعف إدراكي، وما يفرضه ذلك من ضرورة إعادة النظر في النماذج التقليدية التي تنظر إلى كبار السن من زاوية الرعاية والحماية فقط، بدلاً من الاعتراف بهم بوصفهم أصحاب حقوق كاملة.
وخلال الحوار، برز توافق واسع على أن الضعف الإدراكي لا يعني فقدان الشخص لشخصيته أو كرامته أو أهليته الإنسانية، ولا ينبغي أن يؤدي تلقائياً إلى افتراض عدم قدرته على اتخاذ القرارات.
وأكدت المداخلات أن المطلوب هو الانتقال من نموذج يقوم على الوصاية والاستبدال في اتخاذ القرار إلى نموذج يركز على دعم الشخص حتى يتمكن من التعبير عن إرادته وتفضيلاته وممارسة حقوقه بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية.
ويعني ذلك عملياً توفير وسائل تواصل ملائمة، ومنح الشخص الوقت الكافي لفهم المعلومات والتعبير عن اختياراته، وإتاحة الفرصة أمامه للتخطيط المسبق لقراراته، إلى جانب الاستعانة بأشخاص يختارهم هو نفسه لمساعدته عندما يحتاج إلى الدعم.
وفي الحالات التي تصبح فيها بعض القيود ضرورية لحماية الشخص، شدد الحوار على أن تكون تلك القيود استثنائية، ومحددة لكل حالة، ومتناسبة مع الهدف منها، وخاضعة للمراجعة بصورة منتظمة، بدلاً من فرضها بصورة عامة لمجرد التقدم في العمر أو وجود تشخيص طبي.
وفي هذا السياق، عرضت دولة الكويت عدداً من الإجراءات التي تتبناها لدعم حقوق كبار السن، مشيرة إلى تشريعات تتصل بمشاركتهم ورفض إيداعهم في مؤسسات الرعاية من دون موافقتهم، فضلاً عن شبكات للحماية الاجتماعية وخدمات طبية متنقلة تساعد في الوصول المبكر إلى التأهيل والخدمات الصحية. كما أشارت إلى العمل على استراتيجية وطنية لدعم اتخاذ القرار، مؤكدة مشاركتها في الجهود الرامية إلى إعداد صك دولي ملزم قانوناً بشأن حقوق كبار السن.
وفي مالاوي، استندت الجهود الوطنية إلى قانون كبار السن لعام 2024، الذي يتضمن حماية من التمييز غير العادل، بما في ذلك ما يرتبط بالحالة الصحية أو الإعاقة. كما أطلقت البلاد خطة عمل وطنية لإدماج وحماية كبار السن للفترة من 2026 إلى 2031، تتناول قضايا العنف والإساءة والإهمال والهشاشة الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، بالتوازي مع إعداد وزارة الصحة إرشادات متخصصة للرعاية الصحية لكبار السن.
أما غانا، فأشارت إلى أن دستور البلاد وقانون الصحة النفسية لعام 2012 والسياسة الوطنية للشيخوخة توفر أساساً قانونياً لحماية حقوق كبار السن والمساواة بينهم، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة هذه الضمانات إلى ممارسة فعلية.
وطرحت تساؤلاً حول كيفية تطوير سياسات الشيخوخة والصحة النفسية بحيث تضمن استمرار قدرة كبار السن الذين يعانون من ضعف إدراكي على المشاركة بصورة حقيقية في القرارات التي تؤثر في حياتهم.
وفي كولومبيا، تركّز النقاش بصورة أكبر على الآثار الاجتماعية للضعف الإدراكي، خصوصاً عندما يتحول ما يسمى بالحماية إلى نوع من الوصاية أو التهميش.
وأشارت إلى أن بعض كبار السن قد يتعرضون للتعامل معهم باعتبارهم أطفالاً، أو يجري اتخاذ القرارات نيابة عنهم، أو إسكات أصواتهم، أو خفض التوقعات المتعلقة بقدرتهم على المشاركة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تقويض استقلاليتهم وكرامتهم.
ومن هنا برزت أهمية مكافحة التمييز على أساس السن، وضمان بقاء كبار السن داخل مجتمعاتهم وأسرهم متى كان ذلك ممكناً، بدلاً من اللجوء التلقائي إلى الإيداع المؤسسي. كما شملت الحلول المطروحة التدريب المتخصص للعاملين، وتهيئة البيئات والخدمات لتكون أكثر شمولاً، وتعزيز شبكات الأسرة والمجتمع، وإتاحة الرعاية طويلة الأجل التي تراعي احتياجات الشخص وهويته وتاريخه وخياراته.
وشددت بنين على أن كبار السن لا يمثلون فئة تحتاج فقط إلى الرعاية الاجتماعية، وإنما أصحاب حقوق يمكنهم الإسهام في الذاكرة الجماعية والتماسك الاجتماعي والتنمية.
وأشارت إلى برامج للحماية الاجتماعية والرعاية الصحية ومكافحة الفقر والإقصاء، إلى جانب تدابير تستهدف الوقاية من الإساءة والتمييز، داعية إلى مزيد من التعاون الدولي والخبرات والموارد لتعزيز هذه الجهود.
وفي أستراليا، اتخذ النقاش بُعداً دولياً أكثر وضوحاً، مع تأكيد أن حقوق الإنسان لا تتغير بتقدم الإنسان في العمر، وأن كبار السن يواجهون مخاطر متزايدة للتمييز والإساءة وفقدان بعض الحقوق، خصوصاً عند وجود ضعف إدراكي.
وأشارت أستراليا إلى مشاركتها النشطة في المفاوضات المتعلقة بإعداد اتفاقية دولية جديدة ملزمة قانوناً بشأن حقوق كبار السن، مؤكدة ضرورة أن تتضمن أي اتفاقية مستقبلية ضمانات واضحة لمكافحة التمييز على أساس السن، وأن تستمع بصورة مباشرة إلى أصوات كبار السن ومنظمات المجتمع المدني.
ومن الأردن، جاء التأكيد على أن تراجع الذاكرة لا ينبغي أن يعني تراجع الحقوق. وتعمل المملكة على تنفيذ الخطة الوطنية للاستراتيجية الوطنية لكبار السن 2025–2030، فيما أطلق المجلس الوطني لشؤون الأسرة دراسة وطنية حول إساءة معاملة كبار السن وآليات الإبلاغ والاستجابة لها. وتَركّزت الأسئلة المطروحة على كيفية وضع مؤشرات عملية يمكن من خلالها قياس قدرة كبار السن على المشاركة واتخاذ القرار، بدلاً من الاكتفاء بتقييمات عامة أو تشخيصات طبية.
وفي النمسا، ارتبط النقاش بمفهوم المشاركة الاجتماعية ومواجهة الوحدة والعزلة. وأوضحت أن الاستراتيجية الوطنية بشأن الخرف «العيش بصورة جيدة مع الخرف» تُركز على المشاركة وتقرير المصير وجودة الحياة، فيما يعطي قانون حماية البالغين الأولوية للدعم والمساعدة قبل اللجوء إلى التمثيل القانوني. كما أعلنت النمسا استضافتها مؤتمراً دولياً حول الوحدة وحقوق الإنسان لكبار السن في فيينا خلال الفترة من 10 إلى 12 فبراير 2027، في ظل اعتبار العزلة الاجتماعية أحد المخاطر التي قد تتفاقم مع الضعف الإدراكي.
وفي تشيلي، جرى التشديد على ضرورة الفصل بين الاستقلالية والاعتماد على الآخرين؛ فحاجة الشخص إلى الرعاية والمساعدة قد تقلل من استقلاله في أداء بعض المهام اليومية، لكنها لا تعني بالضرورة فقدان قدرته على التعبير عن إرادته أو المشاركة في القرارات المتعلقة بحياته. ولذلك دعت إلى ضمان وسائل تواصل مناسبة وعدم فرض قيود على الحقوق بصورة تلقائية لمجرد العمر أو التشخيص.
أما تايلاند، فأكدت أن الدعم المطلوب يجب أن يساعد الشخص على التعبير عن إرادته وتفضيلاته، لا أن يحل محل صوته. واعتبرت أن كبار السن يجب أن يُنظر إليهم باعتبارهم أصحاب حقوق، وليسوا مجرد مستفيدين من خدمات الرعاية الاجتماعية، مؤكدة دعمها إعداد صك دولي ملزم قانوناً بشأن حقوق كبار السن.
وفي الرأس الأخضر، سلّطت المداخلة الضوء على التغيرات الديموغرافية المرتبطة بارتفاع أعداد كبار السن، وما يصاحبها من تحديات تتعلق بالسكن والدخل والوصول إلى الرعاية المتخصصة والعزلة والتخلي عن كبار السن.
وأكدت أهمية الرعاية المستمرة وطويلة الأجل والحماية الاجتماعية، إلى جانب وجود إطار قانوني أكثر تحديداً، ودعت إلى مواصلة الجهود المتعلقة بالبروتوكول الأفريقي لحقوق كبار السن.
وفي لبنان، اكتسب النقاش أهمية إضافية في ظل الأزمات والنزوح والاضطرابات التي يمكن أن تؤدي إلى انقطاع الخدمات وتعميق هشاشة كبار السن. وأكدت بيروت أهمية دعم اتخاذ القرار والتواصل الميسر والمشاركة الفعلية، إلى جانب التنسيق بين الدولة والأسر ومقدمي الرعاية والمجتمعات المحلية، بما يضمن عدم تحول الأزمات إلى ذريعة لإقصاء كبار السن من القرارات المتعلقة بهم.
كما شددت توغو على أن الضعف الإدراكي لا يسقط شخصية الإنسان أو حقوقه، وإنما قد يتطلب تغيير الطريقة التي تُمارس بها هذه الحقوق.
وأشارت إلى أن كبار السن يمثلون نحو 5.8% من سكان البلاد، مؤكدة أهمية المشاركة والاندماج والشعور بالانتماء. فيما استعرضت زيمبابوي أطرها القانونية وبرامج الحماية الاجتماعية والحد من الفقر، معتبرة أن الحفاظ على استقلالية كبار السن يتطلب سياسات متكاملة ومستدامة.
وفي البرتغال، اعتُبر احترام حقوق كبار السن اختباراً حقيقياً لمبدأ عالمية حقوق الإنسان، خصوصاً عندما يحتاج الفرد إلى مستويات أكبر من الدعم. وأكدت أن كبار السن الذين يعيشون مع إعاقات إدراكية يجب أن يستمروا في ممارسة حقوقهم بكرامة واستقلالية، وأن يكون لهم الحق في اتخاذ قراراتهم بعيداً عن الإكراه، والمشاركة الكاملة في مجتمعاتهم. كما دعت إلى تبني ممارسات تُركز على الشخص نفسه، وتراعي هويته وتفضيلاته وتاريخه وعلاقاته وخياراته.
وفي ختام الحوار، أعاد الخبير المستقل التأكيد على الرسالة الأساسية التي جمعت غالبية المداخلات: الضعف الإدراكي لا يقلل من قيمة الإنسان ولا من كرامته أو حقوقه. وأوضح أن الهدف من أنظمة الدعم يجب أن يكون تعظيم المشاركة، لا افتراض العجز، وأن القرارات ينبغي أن تبدأ من إرادة الشخص وتفضيلاته، لا من تشخيصه أو من صلته القانونية أو البيولوجية بأفراد أسرته.
كما شدد على ضرورة وجود ضمانات تمنع الإكراه أو الاستغلال أو تضارب المصالح، مع الاعتراف بأن الشخص الذي يختاره كبير السن لدعمه قد يكون شريكاً أو صديقاً أو فرداً من «العائلة التي يختارها»، وليس بالضرورة قريباً بالدم.
ولم يقتصر النقاش على الرعاية واتخاذ القرار، بل امتد إلى نهاية الحياة والرعاية التلطيفية؛ فاحترام قرار الشخص في هذه المرحلة يتطلب التأكد من أن خياراته حرة فعلاً، ولا تتأثر بالعزلة أو نقص الرعاية أو الفقر أو الألم غير المعالج أو الرسائل الاجتماعية التي توحي بأن حياة الإنسان تصبح أقل قيمة عندما يحتاج إلى الآخرين. ولذلك اعتُبرت الرعاية التلطيفية في الوقت المناسب ودعم الحياة الكريمة جزءاً من حماية الاستقلالية، وليس مجرد خدمة صحية.
كما برزت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارهما مجالين يحملان فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه. فالتقنيات الجديدة يمكن أن تساعد في التواصل والوصول إلى الخدمات وتعزيز الاستقلال، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أدوات للإقصاء أو انتهاك الخصوصية إذا لم تُصمم وتُستخدم وفق منظور قائم على حقوق الإنسان.
وأظهرت المناقشات كذلك أهمية البعد الجندري، إذ تواجه النساء الأكبر سناً مخاطر متزايدة، سواء بوصفهن أشخاصاً يعشن مع الخرف أو الضعف الإدراكي، أو بوصفهن مقدمات للرعاية. وهو ما يفرض أن تراعي السياسات احتياجات النساء في كلا الدورين، وألّا تفترض أن مسؤولية الرعاية تقع عليهن بصورة تلقائية.
وبينما بدا أن هناك تقارباً واسعاً بين الدول بشأن المبادئ الأساسية، فإن التحدي الأكبر يظل في تحويلها إلى ضمانات عملية داخل الأنظمة الصحية والقانونية والاجتماعية. فالمطلوب ليس فقط الاعتراف بحقوق كبار السن، وإنما بناء مؤسسات وخدمات قادرة على احترام إرادتهم، وتوفير الدعم الذي يحتاجون إليه، ومنع التمييز والإساءة والاستغلال، وإبقاؤهم جزءاً فاعلاً من المجتمع.
ومن هنا تتزايد الدعوات إلى وضع صك دولي ملزم قانوناً بشأن حقوق كبار السن، يكون قادراً على سد الثغرات القائمة، وترسيخ مبدأ أن التقدم في العمر أو الضعف الإدراكي لا يحول الإنسان من صاحب حق إلى موضوع للرعاية. فالمعيار الحقيقي لأي سياسة تتعلق بكبار السن لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نحميهم؟ وإنما أيضاً: كيف نضمن أن تظل أصواتهم مسموعة، وقراراتهم محترمة، وكرامتهم مصونة؟
