منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

258 مليون طفل ضحية للأزمات والحروب.. تقرير أممي يرصد اتساع كارثة الإقصاء التعليمي عالمياً

25 يونيو 2026
فصل تعليمي مدمر جراء الحرب والعنف المسلح
فصل تعليمي مدمر جراء الحرب والعنف المسلح

تتسع أزمة التعليم العالمية بوتيرة مقلقة مع استمرار النزاعات المسلحة والكوارث المناخية والأزمات الإنسانية في حرمان ملايين الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم، وسط تحذيرات أممية من أن العالم يواجه خطراً متزايداً يتمثل في ضياع مستقبل أجيال كاملة بسبب اتساع فجوات التعليم وتراجع فرص الوصول إلى المدارس في أكثر المناطق هشاشة وفقراً.

وكشفت مبادرة “التعليم لا ينتظر” التابعة للأمم المتحدة، في تقرير جديد تحت عنوان (كسر حواجز الفهم.. الإقصاء التعليمي في أوقات الأزمات)، عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد الأطفال والمراهقين المتضررين من الأزمات والنزاعات حول العالم، حيث وصل عددهم إلى 258 مليون طفل، بزيادة بلغت 21 مليون طفل خلال ثمانية عشر شهراً فقط، الأمر الذي يعكس تسارع وتيرة التدهور في أوضاع التعليم داخل البيئات المتأثرة بالحروب والكوارث.

أرقام تكشف حجم الأزمة

أوضح التقرير أن نحو 93 مليون طفل من إجمالي المتضررين أصبحوا خارج المدارس بشكل كامل، في حين يظل ملايين آخرون مسجلين رسمياً في المؤسسات التعليمية دون أن يتمكنوا من الحصول على تعليم فعلي نتيجة ظروف النزاع والنزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية. وأكدت الدراسة أن استمرار تسجيل الأطفال في السجلات المدرسية لا يعني بالضرورة حصولهم على فرص تعلم حقيقية، في ظل بيئات تعليمية تعاني من ضعف الإمكانات وتراجع جودة التعليم.

ورصد التقرير تركز الأزمة التعليمية في عدد محدود من الدول التي تعيش أوضاعاً إنسانية وأمنية معقدة، حيث يقيم نحو 60 في المئة من الأطفال المتضررين في تسع دول فقط هي أفغانستان وبنغلاديش وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وبورما ونيجيريا وباكستان والسودان واليمن، وهو ما يكشف حجم التأثير الذي تفرضه النزاعات الممتدة وحالات عدم الاستقرار على فرص التعليم.

مناطق الأزمات الأكثر تضرراً

وأظهرت البيانات أن الاحتياجات التعليمية باتت تتركز بصورة متزايدة في أكثر مناطق الطوارئ خطورة على مستوى العالم. فمن بين 182 مليون طفل يعيشون في أشد عشرين أزمة إنسانية حدة، يوجد 74 مليون طفل خارج المدارس بشكل كامل. ويمثل هذا الرقم نحو 80 في المئة من إجمالي الأطفال المستبعدين من التعليم الذين شملتهم الدراسة، ما يعكس تمركز الإقصاء التعليمي في بؤر النزاعات والفقر والكوارث الأكثر تعقيداً.

وأشار التقرير إلى أن هذا التركز المتزايد للأزمة يؤكد أن الإقصاء التعليمي لم يعد ظاهرة موزعة بالتساوي بين الدول والمجتمعات، بل أصبح يرتبط بصورة مباشرة بالمناطق التي تشهد أعلى مستويات العنف وعدم الاستقرار وانهيار الخدمات العامة.

النزاعات تدفع الأطفال خارج الفصول

وتوصل معدو التقرير إلى أن النزاعات المسلحة والعنف يمثلان العاملين الأكثر تأثيراً في انقطاع الأطفال عن الدراسة، حيث تشكل الحواجز المالية وإغلاق المدارس الناتج عن الصراعات ما يقارب 80 في المئة من أسباب التسرب والانقطاع التعليمي.

وأكد الباحثون أن غالبية الأسر المتضررة ما زالت تنظر إلى التعليم باعتباره أولوية أساسية لأبنائها رغم الظروف الاقتصادية والأمنية القاسية، لكن استمرار النزاعات وتدهور الأوضاع المعيشية يفرضان واقعاً يدفع الأطفال إلى مغادرة المدارس قسراً، سواء بسبب النزوح أو الفقر أو انعدام الأمن أو فقدان المؤسسات التعليمية لقدرتها على العمل.

فجوات تعلم تهدد المستقبل

حذر التقرير من أن أزمة التعليم لا تقتصر على الأطفال الموجودين خارج المدارس، بل تشمل أيضاً ملايين الأطفال الذين يحضرون إلى الفصول الدراسية دون أن يتمكنوا من اكتساب المهارات الأساسية اللازمة لمواصلة تعليمهم.

وأظهرت البيانات أن معدلات اكتساب مهارات القراءة الأساسية في بعض المناطق المتأثرة بالنزاعات تعد من بين الأدنى عالمياً، حيث لا يتمكن سوى أقل من طفل واحد من كل عشرة أطفال من تحقيق الحد الأدنى من مهارات القراءة في السنوات الدراسية الأولى. وتزداد هذه الفجوات مع تقدم الأطفال في المراحل التعليمية لتتحول إلى معوقات دائمة تحد من فرصهم في استكمال تعليمهم أو الاندماج لاحقاً في سوق العمل.

وبيّن التقرير أن نسبة إتقان القراءة بحلول الصف السادس لا تتجاوز 30 في المئة في الدول المتأثرة بالنزاعات المسلحة، مقارنة بـ47 في المئة في الدول التي تواجه أزمات اجتماعية واقتصادية، و61 في المئة في البلدان التي تتعرض أساساً لكوارث طبيعية. وتعكس هذه الفجوة اتساع الفوارق التعليمية بين الأطفال وفقاً لطبيعة البيئة التي يعيشون فيها.

الأطفال النازحون الأكثر هشاشة

وسلط التقرير الضوء على الأعباء الإضافية التي يتحملها الأطفال النازحون داخلياً أو الذين أجبرتهم الأزمات على مغادرة مناطقهم الأصلية، مستنداً إلى تحليلات شملت بيانات من بوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي والصومال.

وأظهرت النتائج أن الأطفال النازحين يحققون معدلات تقدم دراسي أقل من أقرانهم، كما يواجهون احتمالات كبرى للتأخر الدراسي والانقطاع عن التعليم. ويجد كثير منهم أنفسهم في صفوف دراسية لا تتناسب مع أعمارهم نتيجة فترات الانقطاع الطويلة التي تعرضوا لها أثناء النزوح أو اللجوء.

كما تواجه الفتيات واللاجئون والأطفال ذوو الإعاقة تحديات إضافية تعرقل وصولهم إلى التعليم واستمرارهم فيه، حيث تتداخل عوامل الفقر والتمييز وانعدام الخدمات مع آثار النزاعات لتضاعف من مخاطر الإقصاء والتهميش.

تعليم مهدد وجيل على المحك

يعكس التقرير الأممي صورة قاتمة لمستقبل التعليم في مناطق الأزمات، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على بناء المدارس أو إعادة فتحها، بل أصبحت ترتبط بقدرة الأطفال على التعلم واكتساب المهارات الأساسية والاستمرار في مسارهم التعليمي رغم الظروف القاسية التي تحيط بهم.

ويحذر خبراء التعليم من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يؤدي إلى خسائر بشرية وتنموية طويلة الأمد، إذ يرتبط التعليم ارتباطاً مباشراً بمعدلات الفقر والصحة والاستقرار الاجتماعي وفرص العمل. كما أن اتساع دائرة الأطفال المحرومين من التعليم يهدد جهود التنمية العالمية ويزيد من مخاطر عدم الاستقرار في المجتمعات المتأثرة بالأزمات.

أطلقت الأمم المتحدة مبادرة “التعليم لا ينتظر” عام 2016 باعتبارها الصندوق العالمي المعني بتمويل التعليم في حالات الطوارئ والأزمات الممتدة. وتركز المبادرة على توفير فرص التعليم للأطفال المتأثرين بالنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والنزوح القسري. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف الأطفال خارج المدارس حول العالم يعيشون في دول متأثرة بالأزمات والصراعات، في حين يمثل التعليم أحد أكثر القطاعات معاناة من فجوات التمويل الإنساني رغم اعتباره من الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية واتفاقية حقوق الطفل.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print