لم تعد الهجرة في ألمانيا ملفًا سياسيًا أو أمنيًا فقط، بل تحوّلت إلى مسألة مرتبطة مباشرة بمستقبل سوق العمل والقدرة على الحفاظ على مستوى الإنتاج والخدمات في بلد يشيخ سريعًا، فالأبحاث الألمانية تشير إلى أن البلاد تحتاج إلى صافي هجرة سنوي يقارب 400 ألف شخص للحفاظ على حجم القوة العاملة، وهو ما يعني أن استقدام الكفاءات من الخارج لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة اقتصادية بنيوية.
كما تؤكد الحكومة الاتحادية أن ألمانيا تعاني نقصًا واضحًا في العمالة الماهرة، بينما تظهر المهن المطلوبة رسميًا في مجالات مثل الرعاية الصحية والحرف والبناء والنقل والهندسة والتقنيات.
لكن هذه الحاجة الكبيرة لا تنعكس بالقدر نفسه في قدرة جميع مناطق البلاد على جذب الوافدين أو الاحتفاظ بهم.
فدراسة حديثة لمعهد الاقتصاد الألماني في كولونيا IW أظهرت أن الفوارق الإقليمية في استقطاب الكفاءات الأجنبية أصبحت أكثر وضوحًا، وأن شرق ألمانيا يعاني أكبر نقص في العمالة لكنه يجذب أقل عدد من المهنيين القادمين من الخارج.
وبحسب الدراسة، تبلغ نسبة العمال الأجانب المهرة في بعض الولايات الغربية والمدن مثل هِسّن وبادن-فورتمبيرغ نحو 22% و21%، وتقترب في هامبورغ وبرلين وبريمن من ربع القوة العاملة الماهرة، بينما تنخفض في ولايات شرقية مثل مكلنبورغ-فوربومرن إلى 6.9%، وساكسونيا-أنهالت إلى 7.1%، وبراندنبورغ إلى 7.4%، هذا الخلل لا يعبّر فقط عن فروق اقتصادية، بل عن تفاوت في الجاذبية الاجتماعية والسياسية أيضًا.
العنصرية والعداء للمهاجرين
وفي خلفية هذا العزوف، تحضر بقوة مسألة المناخ السياسي في بعض المناطق الشرقية، فقد قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن ألمانيا لعام 2025 إن الأحزاب الديمقراطية فشلت خلال 2024 في مواجهة السرديات العنصرية والمعادية للمهاجرين التي باتت أكثر حضورًا، وإن نفوذ حزب البديل من أجل ألمانيا AfD اليميني المتطرف ازداد في ولايات شرقية رئيسية.
وفي مايو 2025، صُنّف الحزب على المستوى الاتحادي من قبل هيئة حماية الدستور الألمانية بوصفه تنظيمًا “يمينيًا متطرفًا”، بعد أن كانت بعض فروعه في تورينغن وساكسونيا وساكسونيا-أنهالت خاضعة لتوصيفات مماثلة على مستوى الولايات.
وحذّرت تقارير أوروبية وحقوقية من استمرار العنصرية والتمييز ضد المسلمين والمهاجرين والأقليات في ألمانيا، ومن الحاجة إلى تعزيز الحماية من الكراهية والتمييز في الحياة اليومية وسوق العمل والخدمات العامة.
جذب الكفاءات الأجنبية
هذا المناخ يفسر جزءًا من الصعوبة التي يواجهها شرق ألمانيا في جذب الكفاءات الأجنبية، لكنه لا يلغي وجود نماذج ناجحة تتحدى الصورة السائدة، ففي مدينة لايبتزيغ، برزت تجربة لافتة لرجلين من أصول مهاجرة، حسين عبد الله ورامين الخاكاني، أسسا شركة أمنية بعد أن عملا سابقًا في مجال الأمن داخل مركز لإيواء طالبي اللجوء.
ما دفعهما إلى تأسيس المشروع لم يكن فقط البحث عن فرصة اقتصادية، بل أيضًا رد فعل على تجربة مهنية سلبية، إذ يقولان إنهما شاهدا عن قرب وجود زملاء من أصحاب التوجهات اليمينية المتطرفة كانوا يجعلون اللاجئين يشعرون بعدم الأمان.
ومن هذا الغضب وُلدت فكرة “القيام بالأمر بشكل مختلف”، عبر إنشاء شركة تعتمد على الاحترام والتنوع والكفاءة بدل التخويف والإقصاء.
نجحت الفكرة في التحول من مشروع صغير إلى شركة يعمل فيها اليوم نحو 250 عنصر حراسة في أنحاء وسط ألمانيا، ويوفرون خدماتهم لمراكز اللجوء، والدوائر الرسمية، والفعاليات، ومرافق النقل، والأنشطة الرياضية، وجهات أخرى تحتاج إلى طواقم أمنية.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تقدم فقط قصة نجاح مهاجرين في سوق ألمانية صعبة، بل تكشف أيضًا أن قطاعات مثل الأمن يمكن أن تكون مجالًا مفتوحًا نسبيًا لمن يغيرون مسارهم المهني أو يبدؤون من الصفر، لأن الدخول إليها لا يتطلب دائمًا تدريبًا مهنيًا تقليديًا طويلًا، بل يقوم على درجات مختلفة من التأهيل والخبرة العملية.
عوائق تواجه المهاجرين
نجاح هذه الحالات الفردية لا يلغي حجم العوائق البنيوية التي تواجه كثيرًا من المهاجرين واللاجئين في ألمانيا، فمن الناحية القانونية، لا يملك طالبو اللجوء في ألمانيا حرية دخول سوق العمل فور وصولهم.
ووفق وزارة الداخلية والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF، يجب منح طالبي اللجوء حق الوصول إلى سوق العمل في موعد أقصاه ستة أشهر بعد تقديم الطلب، بينما كانت هناك في 2026 مناقشات حكومية لتقليص هذه المدة إلى ثلاثة أشهر.
كما توجد قيود إضافية في بعض الحالات ترتبط بهوية الشخص أو نوع إقامته أو طبيعة الوظيفة، وهو ما يجعل الانتقال من الحماية المؤقتة إلى العمل الفعلي مسارًا معقدًا، حتى قبل الحديث عن الاعتراف بالمؤهلات أو اللغة أو البيروقراطية المحلية.
وتُضاف إلى ذلك مشكلة جوهرية تتعلق بالاعتراف بالمؤهلات الأجنبية. فمعهد الاقتصاد الألماني يؤكد أن الاعتراف بالشهادات والخبرات المكتسبة في الخارج يلعب دورًا حاسمًا في نجاح استقطاب الكفاءات الدولية، وأن إصلاح قانون الهجرة للعمالة الماهرة في 2023 لم يلغِ هذه العقبة بل جعلها أكثر مركزية في النقاش حول الاندماج المهني.
وبالنسبة إلى كثير من الوافدين، لا يكفي أن تكون لديهم خبرة أو تدريب أو استعداد للعمل، إذا كانت الإجراءات الإدارية بطيئة أو معقدة أو لا تعترف تلقائيًا بما يحملونه من مهارات.
الحاجة إلى العمالة
وفي هذا السياق، تظهر مرة أخرى المفارقة الألمانية؛ البلد يحتاج إلى العمالة، لكنه لا يفتح الطريق إليها بسهولة بالقدر المطلوب، ووفق بحث IAB الصادر في 2025، فإن الحفاظ على إمكانات سوق العمل الألماني يتطلب صافي هجرة سنويًا يقترب من 400 ألف شخص، لكن الوصول إلى هذا الهدف يصطدم بحقيقة أن ألمانيا تشهد أيضًا معدلات خروج مرتفعة، ما يفرض الحاجة إلى أرقام أكبر من الهجرة الإجمالية.
كما تشير تحليلات أخرى إلى أن البلاد لا تحتاج فقط إلى جذب الوافدين، بل أيضًا إلى الاحتفاظ بهم، وهي نقطة شديدة الأهمية في الولايات والمناطق التي لا يشعر فيها القادمون من الخارج بالترحيب أو الأمان الكافي.
هذا البُعد الإنساني لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، فالمهاجر الذي يواجه خطابًا عدائيًا أو بيئة اجتماعية غير مرحبة أو احتمالات تمييز في السكن والعمل، قد يختار ببساطة مغادرة المنطقة أو حتى مغادرة ألمانيا نفسها.
ووثقت وكالة رويترز في تقرير عن تأثير التوترات العنصرية في ألمانيا أن شركات ألمانية، خصوصًا في الشرق، فقدت عمالًا أجانب مهرة بسبب مناخ التمييز والخوف من صعود اليمين المتطرف، في وقت تحتاج فيه البلاد أصلًا إلى هذه الكفاءات بشكل متزايد.
كما تتوافق هذه الصورة مع التحذيرات الأوروبية والحقوقية التي ترى أن مكافحة العنصرية والتمييز ليست فقط مسألة حقوق، بل أيضًا شرط من شروط بقاء ألمانيا وجهة جاذبة للكفاءات الدولية.
إلزام طالبي اللجوء بالعمل
لا يبدو النقاش في ولاية تورينغن حول إلزام طالبي اللجوء بالعمل منفصلًا عن الصورة الكبرى، فمنذ عامين تقريبًا، يدور نقاش محلي حول تشغيل طالبي اللجوء في أعمال محددة، مع حديث بعض المناطق التي طبقت النموذج عن “نتائج جيدة”، في حين لم يُعتمد هذا التوجه على نطاق واسع، وما تزال غالبية المناطق والمدن المستقلة تفضل الإبقاء على الطوعية.
وبينما يقدم مؤيدو هذه السياسة العمل باعتباره وسيلة للاندماج ومنع العزلة، يبقى الخوف الحقوقي من أن تتحول هذه الصيغة إلى مسار يركز على الاستفادة من عمل اللاجئين من دون إزالة العوائق البنيوية الأعمق التي تمنعهم من الاستقرار المهني الحقيقي.
وفي الخلفية، تحذّر منظمة العمل الدولية من أن العمالة المهاجرة تتعرض في كثير من البلدان لمخاطر التمييز وضعف الحماية والتنظيم، وأن الحوكمة العادلة للهجرة العمالية تتطلب ضمان الحقوق وسهولة الوصول إلى العمل اللائق، لا مجرد تشغيل الأشخاص تحت ضغط الحاجة.
وتبرز هنا أهمية اللغة والاندماج الاجتماعي بوصفهما عنصرين لا يقلان حساسية عن تصاريح العمل، فحتى مع وجود وظائف ومجالات مفتوحة نسبيًا، لا يزال الوصول إلى دورات اللغة والتأهيل المهني عاملاً حاسمًا في قدرة المهاجرين على الاستقرار.
لذلك فإن أي قرارات تقلص هذه البرامج أو تجعلها أقل إتاحة ترسل، في نظر كثير من الفاعلين، “إشارات كارثية” إلى الناس الذين تحاول ألمانيا جذبهم أصلًا، ومن منظور اقتصادي بحت، يصعب الدفاع عن سياسات تشدد على الحاجة إلى العمالة الدولية ثم تبقي في الوقت نفسه على مسارات بطيئة أو طاردة للاندماج.

