ديان فون فورستنبرغ
يعني تمثال الحرية أشياء كثيرة لملايين البشر، أما بالنسبة لي، فقد كان خلال طفولتي في أوروبا مجرد بطاقة بريدية جميلة. لكن علاقتي به تغيرت جذرياً عندما انضممت إلى مجلس إدارة مؤسسة تمثال الحرية وجزيرة إليس. في البداية كنت مترددة للغاية في قبول هذه المهمة، إلا أن رئيس المؤسسة، ستيفن بريغانتي، نجح في إقناعي عندما ذكّرني بمقطع شديد الخصوصية من مذكراتي «المرأة التي أردت أن أكونها».
لقد نجت والدتي ليلي من أحد معسكرات الاعتقال خلال الحرب، ووُلدت أنا بعد ثمانية عشر شهراً فقط من عودتها. وكانت تردد دائماً: «لقد أنقذني الله لأمنحك الحياة، ومن خلال منحك الحياة، منحتِني حياتي من جديد. أنتِ شعلة حريتي».
عندما أعاد ستيف إلى ذهني كلمات والدتي، شعرت وكأن القدر هو الذي يقودني إلى هذه المهمة، فلم يكن أمامي سوى الموافقة. وكان ذلك يعني المشاركة في جمع مئة مليون دولار لإنشاء متحف جديد على الجزيرة، تبلغ مساحته نحو 26 ألف قدم مربعة، ليحتضن الشعلة الأصلية لتمثال الحرية.
وبالفعل نجحنا في تحقيق هذا الهدف، وافتُتح المتحف عام 2019. وخلال تلك الرحلة اكتشفت تاريخاً مدهشاً وراء أعظم رمز للحرية في الولايات المتحدة.
سافرت إلى فرنسا للقاء عائلة المهندس غوستاف إيفل، الذي صمم الهيكل المعدني الداخلي للتمثال، كما زرت متحف النحات فريدريك أوغست بارتولدي في مدينة كولمار لأتعرف عن قرب إلى الكيفية التي وُلدت بها «سيدة الحرية».
ورغم أن التمثال أصبح اليوم رمزاً عالمياً لاستقبال المهاجرين، فإن فكرته الأصلية كانت مختلفة. فقد أراده المؤرخ الفرنسي إدوار دو لابولاي هدية من فرنسا إلى الولايات المتحدة احتفالاً بمئوية تأسيسها وإلغاء العبودية، وتجسيداً للصداقة التاريخية بين البلدين.

واختار لابولاي النحات بارتولدي ليس فقط لموهبته الفنية، بل أيضاً لإيمانهما المشترك بقيم عصر التنوير.
والمثير للاهتمام أن بارتولدي تخيّل في البداية التمثال على هيئة امرأة عربية تحمل منارة عند مدخل قناة السويس، لكن المشروع رُفض. غير أن الفكرة لم تمت، بل أعاد صياغتها لتصبح التمثال الذي يعرفه العالم اليوم باسم «تمثال الحرية».
وقبل البدء في تنفيذه، وصل بارتولدي إلى نيويورك في 21 يونيو 1871، ووقف أمام جزيرة بيدلو، التي كانت آنذاك موقعاً عسكرياً، وكتب في مذكراته: «تبدو هذه الجزيرة الصغيرة المكان المثالي».

وخلال تلك الزيارة جاب ولايات الشمال الشرقي، والتقى شخصيات بارزة لحشد الدعم، ثم واصل رحلته حتى الساحل الغربي في كاليفورنيا قبل أن يعود إلى نيويورك مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بأن تلك الجزيرة الصغيرة هي المكان الذي يجب أن يقف عليه التمثال.
ولم يخنه حدسه؛ ففي فبراير 1877 وافق الكونغرس رسمياً على تخصيص الجزيرة للمشروع، حتى إن أحد أعضاء الوفد الفرنسي قال خلال حفل التدشين عام 1886: «كأن الجزيرة خُلقت لتمثال بارتولدي، لا أن التمثال أُقيم من أجل الجزيرة».
لكن قبل أن يرى التمثال النور، كان لا بد من حل معضلة التمويل.
ففي عام 1875 أسس لابولاي الاتحاد الفرنسي الأمريكي لتولي جمع الأموال، واتفق الطرفان على أن تتكفل فرنسا بتكاليف صناعة التمثال النحاسي ونقله إلى الولايات المتحدة عبر الاكتتاب الشعبي، بينما تتحمل الولايات المتحدة تكلفة بناء القاعدة التي سيقف عليها التمثال مُطلاً على ميناء نيويورك.

ولإثارة الحماس وجمع المزيد من التبرعات، جابت أجزاء من التمثال العالم قبل اكتماله، فعُرض رأسه في معرض باريس العالمي عام 1878، بينما بقيت الذراع الحاملة للشعلة معروضة في ميدان ماديسون سكوير بمدينة نيويورك بين عامي 1876 و1882.
كما أطلق الناشر جوزيف بوليتزر حملة جماهيرية تعهد خلالها بنشر أسماء جميع المتبرعين، مهما كانت قيمة تبرعاتهم، في صحيفة «نيويورك وورلد».
لقد كانت واحدة من أروع حملات التمويل الجماعي في التاريخ، شارك فيها الفرنسيون والأمريكيون معاً.. وهذا أكثر ما أحبه في تمثال الحرية؛ فهو هدية صنعتها إرادة الناس قبل أن تصنعها الحكومات.
وبعد أن انتهى بارتولدي من إنجازه، جرى تفكيك التمثال إلى نحو مئتي قطعة، وشُحن عبر المحيط الأطلسي ليُعاد تركيبه في جزيرة بيدلو، التي أصبحت لاحقاً «جزيرة الحرية»، وهكذا تحقق حلم بارتولدي بأن يكون التمثال «منارة تضيء العالم».
وفي عام 1903 أُضيفت إلى قاعدة التمثال قصيدة إيما لازاروس الشهيرة «العملاق الجديد»، التي حملت كلمات أصبحت رمزاً للهجرة: «أعطوني المتعبين والفقراء… والجماهير التواقة إلى نسمة من الحرية».
وبعد أكثر من قرن ونصف، ما زال تمثال الحرية يتجاوز حدود الزمن.

فصورته حاضرة في الإعلانات والثقافة الشعبية والأفلام والطوابع البريدية والكتب المصورة، ففي أحد إعلانات «ليفايز» ارتدى سروالاً من ألوان العلم الأمريكي، وفي حملة خيرية لمنظمة «نيويورك كيرز» ظهر مرتجفاً لحث الناس على التبرع بالمعاطف للمحتاجين.
كما ظهر على أغلفة كتب الأطفال، وفي ملصقات أفلام هوليوود، سواء تلك التي تتناول عوالم بائسة مثل «كوكب القردة» أو أفلاماً مفعمة بالأمل مثل «ذيل أمريكي».
لقد أصبح تمثال الحرية اختصاراً بصرياً للولايات المتحدة، وللوعد الذي تمثله الحرية، إنه ليس أثراً جامداً ينتمي إلى الماضي، بل رمزاً خالداً يتجدد مع كل جيل.
بل إنه قادر أيضاً على أن يكون أيقونة للأناقة، فقبل افتتاح المتحف بيومين حضرت حفل «ميت غالا» مرتدية تاجاً وثوباً مستوحى من تمثال الحرية، وأنا أحمل شعلة رمزية.
أتذكر أيضاً رحلتي الأولى إلى الولايات المتحدة عام 1969، قبل أن أطلق فستان DVF Wrap Dress الشهير.. اخترت السفر بالسفينة حتى أمنح نفسي الوقت للتفكير في مستقبلي ورسم خطتي لبناء عملي، وعندما وقع بصري للمرة الأولى على تمثال الحرية، شعرت بأنني وصلت بالفعل.
ومنذ ذلك اليوم عشت حلمي الأمريكي.
وأشعر اليوم بالسعادة لأنني لم أعد أعرف «سيدة الحرية» من الخارج فقط، بل أصبحت أعرفها من الداخل أيضاً، وأدرك تماماً لماذا لا تزال، بعد كل هذه السنوات، أعظم هدية قدّمتها دولة إلى أخرى، ورمزاً خالداً للأمل والحرية لكل من يبحث عن بداية جديدة.
نقلاً عن “نيويورك بوست“
