أعادت موجة الحر القياسية في اليابان طرح الحق في الصحة بوصفه أحد أكثر الحقوق ارتباطًا بتداعيات المناخ المتطرف، بعدما سجلت البلاد أول يوم رسمي تتجاوز فيه درجات الحرارة 40 درجة مئوية منذ استحداث تصنيف جديد لهذا المستوى من الحرارة.
ولم يعد الأمر يتعلق بظاهرة جوية استثنائية، بل بواقع فرض على السلطات تطوير لغة جديدة للتحذير من المخاطر الصحية، وتعديل إجراءات العمل والرياضة، والاستعداد لتداعيات تمتد إلى الغذاء والتعليم والحياة اليومية.
وسجلت اليابان، أمس الثلاثاء، أول يوم رسمي من فئة “كوكوشوبي” أو “اليوم شديد الحرارة”، منذ اعتماد وكالة الأرصاد الجوية اليابانية هذا المصطلح في أبريل الماضي، وهو التصنيف الذي يُستخدم للأيام التي تبلغ فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية أو أكثر، وذلك لتحذير السكان من مستويات حرارة كانت تُعد في السابق نادرة، لكنها أصبحت أكثر تكرارًا، بحسب ما أوردته “الغارديان”.
وبلغت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في مدينتي غوجو وتاجيمي بمحافظة غيفو، بينما سجلت مدينة تويوتا بمحافظة آيتشي 40.1 درجة مئوية، وهي أعلى درجة حرارة تُرصد على الإطلاق في محطات الرصد بكل من غوجو وتويوتا.
وسجلت 278 محطة من أصل 914 محطة أرصاد في أنحاء اليابان درجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية، وهو المستوى الذي كانت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية تصنفه سابقًا باعتباره أعلى درجات التحذير تحت مسمى “موشوبي”، قبل استحداث الفئة الجديدة.
جو حار بصورة لا تُطاق
وأوضحت “يورو نيوز” أن مصطلح “كوكوشوبي” يعني “حار جدًا” أو “حار بصورة لا تُطاق”، وقد اختير عبر تصويت شعبي شارك فيه أكثر من 203 آلاف شخص، متقدمًا بأكثر من ثلاثة أضعاف الأصوات على المصطلح الذي حل في المرتبة الثانية، كما يمثل أول تعديل يطرأ على قاموس المصطلحات الجوية الياباني منذ عام 2007، عندما أضيف مصطلح “موشوبي” للأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 35 درجة مئوية.
وبيّنت جابان تايمز أن القرار جاء أيضًا استنادًا إلى رأي خبراء رأوا أن المصطلح الجديد أكثر شيوعًا وملاءمة للاستخدام اليومي، وأن وكالة الأرصاد الجوية ستدرجه ضمن توقعاتها الرسمية بدءًا من هذا الصيف، بعد أن أصبحت الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 40 درجة مئوية تتكرر خلال السنوات الأخيرة بصورة لم تكن مألوفة.
وسجلت السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا في هذه الظاهرة، إذ شهد صيف 2025 تسعة أيام تجاوزت فيها درجات الحرارة 40 درجة مئوية، مقارنة بأربعة أيام فقط في عام 2024، كما بلغت أعلى درجة حرارة مسجلة في اليابان 41.8 درجة مئوية بمدينة إيساكي بمحافظة غونما في 5 أغسطس، في حين توقعت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية منذ فبراير أن يكون صيف العام الجاري أكثر حرارة من المعتاد في مختلف أنحاء البلاد.
آثار تتجاوز الطقس
أبرزت موجة الحر آثارًا مباشرة على الحق في الصحة، بعدما عُثر، الاثنين، على رجل في الأربعينيات من عمره متوفى في أحد شوارع مدينة سانجو بمحافظة نييغاتا، كما توفي رجل آخر في السبعينيات من عمره بمحافظة كاناغاوا، ويُعتقد أن الحرارة الشديدة كانت سبب الوفاتين.
وتجاوز عدد الوفيات الناتجة عن ضربات الشمس 2000 حالة لأول مرة خلال عام 2024، فيما نُقل أكثر من 100 ألف شخص إلى المستشفيات بين بداية مايو ونهاية سبتمبر من العام نفسه، وفق بيانات وكالة إدارة الحرائق والكوارث التي أوردتها “الغارديان”.
وامتدت تأثيرات الحرارة إلى قطاعات أخرى، إذ تراجعت إنتاجية وجودة الأرز، وهو الغذاء الأساسي في اليابان، ما دفع مزارعين إلى زراعة أصناف أكثر قدرة على تحمل الحرارة، بينما اتجه آخرون إلى محاصيل مثل الأفوكادو التي لم تكن تُزرع تقليديًا على نطاق واسع في البلاد.
وشملت التداعيات أيضًا المجال الرياضي، بعدما أعيد تنظيم بطولة كوشين الوطنية للبيسبول لطلاب المدارس الثانوية، فقُسمت المباريات منذ عام 2024 إلى فترتين صباحية ومسائية لتقليل مخاطر الإصابة بضربات الشمس بين اللاعبين والجمهور.
توسيع إجراءات بيئة العمل
أظهرت الصحيفة البريطانية أن موجة الحر دفعت إلى توسيع إجراءات “كول بيز” الخاصة ببيئة العمل، إذ أصبح الموظفون يُشجعون على ارتداء السراويل القصيرة خلال أشهر الصيف، بعد أن كانت المبادرات السابقة تقتصر على التخلي عن السترات وربطات العنق وارتداء القمصان قصيرة الأكمام، وذلك في إطار تقليل استخدام أجهزة التكييف وترشيد استهلاك الكهرباء.
وأعلنت حاكمة طوكيو يوريكو كويكي توصيات جديدة بشأن الملابس المناسبة في أماكن العمل، تضمنت السماح بارتداء قمصان البولو والقمصان القطنية والأحذية الرياضية عند الاقتضاء، في ظل توقعات باستمرار ارتفاع درجات الحرارة واحتمال مواجهة تحديات في إمدادات الكهرباء.
وخلصت دراسة أجراها المعهد الوطني للدراسات البيئية وجامعة واسيدا في طوكيو عام 2025 إلى أنه إذا لم تُخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بصورة جذرية، فإن الأنشطة الرياضية المدرسية في الهواء الطلق قد تصبح غير قابلة للممارسة بحلول ستينيات القرن الحالي، وهو ما يعكس اتساع تأثيرات الحرارة إلى الأنشطة التعليمية والحياة اليومية.
أعلى متوسط حرارة
أظهرت بيانات وكالة الأرصاد الجوية اليابانية أن متوسط درجات الحرارة الصيفية في البلاد ارتفع بنحو 1.3 درجة مئوية خلال المئة عام الماضية، كما كان عاما 2023 و2024 الأشد حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1898، قبل أن يتجاوزهما صيف 2025، الذي جاء أعلى بمقدار 2.4 درجة مئوية من متوسط العقود الثلاثة السابقة، وسجلت خلاله 132 محطة أرصاد أعلى متوسط حرارة في تاريخها.
وأضافت “يورو نيوز” أن صيف 2025 كان الأشد حرارة في اليابان منذ بدء السجلات المناخية، فيما توقعت وكالة الأرصاد الجوية استمرار صيف أكثر حرارة من المعتاد خلال العام الجاري في مختلف أنحاء البلاد، وأوضحت أن العلماء يعزون جانبًا كبيرًا من هذه الظاهرة إلى أزمة المناخ، ولا سيما ارتفاع حرارة المياه المحيطة بالأرخبيل الياباني، وهو ما يسهم في استمرار درجات الحرارة المرتفعة حتى أواخر الخريف، ويزيد كذلك من غزارة الأمطار وشدة الأعاصير.
ولفتت إلى أن اليابان ليست استثناءً من الاتجاه العالمي، إذ جاء عام 2025 ثالث أكثر الأعوام حرارة عالميًا وفي أوروبا، وفق برنامج كوبرنيكوس، بينما شكلت الأعوام 2023 و2024 و2025 أعلى ثلاث سنوات مسجلة من حيث درجات الحرارة على مستوى العالم، وأرجع البرنامج ذلك إلى استمرار تراكم غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، وارتفاع درجات حرارة سطح البحار بفعل ظاهرة النينيو وعوامل أخرى تؤثر في المحيطات.
ومن جانبها، أوضحت “جابان تايمز” أن استحداث مصطلح “كوكوشوبي” يعكس تحول الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 40 درجة مئوية من أحداث نادرة إلى ظاهرة متكررة، وهو ما دفع وكالة الأرصاد الجوية اليابانية إلى إضافة فئة جديدة إلى نظامها الرسمي لتصنيف درجات الحرارة، في خطوة تعكس تغيرًا في طبيعة الصيف الياباني، وتؤكد أن التحذير من الحرارة الشديدة أصبح جزءًا ثابتًا من أدوات حماية الصحة العامة.
