منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في العمل.. موجات الحرارة تُضاعف خسائر ومعاناة ملايين العمال في الهند

20 يوليو 2026
موجات الحر فى الهند تفاقم معناة ملايين العمال
موجات الحر فى الهند تفاقم معناة ملايين العمال

كشف تصاعد موجات الحر في الهند عن أزمة تتجاوز حدود الطقس والمناخ لتضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لملايين العمال على المحك، بعدما أظهرت دراسة جديدة أن الحرارة الشديدة لم تعد تهدد صحة العاملين فحسب، بل باتت تقوض حقهم في العمل اللائق، وتستنزف دخولهم، وتدفع مئات الملايين من العاملين في القطاع غير الرسمي إلى دائرة أعمق من الفقر.

وبينما يواصل كثيرون أعمالهم في الزراعة والبناء والنقل ومصانع النسيج رغم المخاطر الصحية، تتقلص أجورهم، وتتزايد الأمراض المرتبطة بالحرارة، في وقت لا تزال فيه ظروف العمل والحماية الاجتماعية عاجزة عن مواكبة اتساع الأزمة.

وأظهر تحليل أجراه المعهد الدولي للبيئة والتنمية (IIED)، ونشرته صحيفة الغارديان، أن موجة الحر الشديدة أصبحت عاملاً مضاعفاً للفقر لمئات الملايين من العاملين في القطاع غير الرسمي بالهند.

وخلص الباحثون إلى أن العاملين في الوظائف التي تتطلب مجهودًا بدنياً كبيراً، مثل الزراعة والبناء والنقل، خسروا في المتوسط 6.6% من أجورهم خلال عام 2024 بسبب الحرارة الشديدة، في حين ارتفعت الخسائر إلى ما يقارب 9% لدى العمال في الهواء الطلق، ما يعادل 112 جنيهاً إسترلينياً (151 دولاراً أمريكياً) للفرد.

الحق في العمل

سجلت ولاية راجستان الصحراوية أعلى الخسائر الاقتصادية بين المناطق التي تناولتها الدراسة، إذ فقد العمال في القطاع غير الرسمي ما يعادل 8.3% من دخولهم نتيجة التأثيرات المرهقة للحرارة في أجسامهم، وهو ما أدى إلى عجز كثيرين عن مواصلة العمل، كما قدّر البحث فقدان 21.1 يوم عمل سنوياً بسبب الحرارة الشديدة، وهي خسارة تؤثر بصورة مباشرة في معيشة نحو 550 مليون عامل يشكلون القطاع غير الرسمي في الهند.

وأكدت مديرة تمويل المناخ في المعهد الدولي للبيئة والتنمية، ريتو بهارادواج، أن نتائج الدراسة توضح كيف تعمق الحرارة الشديدة الفقر وتفاقم أوجه عدم المساواة الهيكلية في الهند، موضحة أن ارتفاع درجات الحرارة يخفض إنتاجية العمال، وبالتالي يقل دخلهم وقدرتهم على شراء الغذاء، في حين يواصلون العمل رغم المرض لأنهم لا يستطيعون تحمل فقدان الأجر، وهو ما يترك آثاراً دائمة في صحتهم ومدخراتهم، وأضافت أن هؤلاء العمال “يدفعون ثمن أزمة لم يتسببوا فيها، بصحتهم ومدخراتهم”.

وأوضح التقرير أن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري يزيد من شدة موجات الحر واحتمالات تكرارها، في حين قد تصبح الهند التي يعمل 9 من كل 10 من سكانها العاملين في القطاع غير الرسمي، من أوائل الدول التي تتجاوز فيها موجات الحر قدرة الإنسان على التحمل، وفقاً لتقرير للبنك الدولي.

وتشير التقديرات إلى أن الحرارة قد تكلف الاقتصاد الهندي ما لا يقل عن 58 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة انخفاض الإنتاجية، وفقدان الأجور، وتعليق العمل، والخسائر طويلة الأجل الناجمة عن الأمراض المرتبطة بالحرارة.

وبيّن التحليل أن خسائر ساعات العمل تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي الإصابة بالأمراض المرتبطة بالحرارة، وتراجع القدرة على أداء العمل بالمعدل الطبيعي، والوقت الضائع بسبب تعليق العمل في مواقع الإنتاج، كما لفت إلى أن العاملين في القطاع غير الرسمي يمثلون إحدى أكثر الفئات تهميشاً اجتماعياً واقتصادياً، ويعانون من غياب الأمان الوظيفي، الأمر الذي يجبرهم على الاستمرار في العمل رغم المرض وفي ظروف غير آمنة، وسط ضعف الوصول إلى مياه الشرب، والظل، وأماكن الراحة، والصرف الصحي، والرعاية الطبية داخل مواقع العمل، قبل أن يعود كثير منهم إلى مساكن لا توفر أي حماية من الحرارة.

الحرارة تلتهم الأجور

روى ثمانية من عمال البناء، تحدثوا إلى صحيفة الغارديان، أنهم أصيبوا بأمراض متكررة خلال الأشهر الأربعة الماضية بسبب الحرارة، ما أجبرهم على التغيب عن العمل وفقدان أجورهم، في حين تعرض بعضهم للإغماء وإصابات خطيرة دون أن يحصلوا على أي تعويض من أصحاب العمل، بل إن بعضهم حُرم من أجره بالكامل.

وقال العامل إندر وزوجته العاملة لاكشمي كومار اللذان يعملان في موقع بناء بمدينة جوروجرام التابعة لدلهي، إنهما اضطرا للعودة إلى العمل بعد خسارة أجور 8 أيام رغم إصابتهما بالحمى وآلام الجسم والإرهاق، وأضافت لاكشمي: “شعرت وكأنني سأنهار، وكأن جسدي يحترق..واصلنا العمل لأنه إذا توقفنا فلن نتقاضى أجرنا”.

وأخبر الأطباء الزوجين أنهما يعانيان من الجفاف والإجهاد الحراري، ونصحوهما بالراحة، إلا أن ظروفهما المعيشية لم تسمح بذلك، فكلاهما يتقاضى 800 روبية يومياً، ويعيلان طفلين صغيرين إضافة إلى أربعة من أفراد عائلتهما في ولاية ماديا براديش، ويقضيان ما بين 8 و10 ساعات يومياً في خلط الأسمنت ونقل مواد البناء ووضع الطوب، دون فترات راحة كافية أو أماكن ظل، في حين يقضي طفلهما البالغ خمسة أعوام يومه بين أنقاض موقع البناء.

وأوضح الزوجان أنهما مرضا 3 مرات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وخسرا ما يقارب 4 أسابيع من العمل، وأنفقا معظم دخلهما على الأدوية، قال إندر: “لم يكن أمامنا خيار سوى العودة.. كل ما ندخره ننفقه في المرة التي نمرض فيها..بالكاد يتبقى لدينا ما نرسله إلى أهلنا.. أدعو الله أن ينتهي هذا الحر”.

ولفت العامل إلى أن الحرارة كانت تفسد الطعام الذي يعده العمال للغداء، ما يزيد من إصابتهم بالأمراض، في حين تعيش أسرته داخل مأوى من القماش المشمع تبلغ مساحته 2.5 متر مربع داخل مبنى غير مكتمل، ولا تعمل المروحة سوى ساعة واحدة يومياً قبل إطفاء مولد الكهرباء، الأمر الذي يجبر الأسرة على النوم في حرارة خانقة.

وقالت لاكشمي: “عندما أعود إلى المنزل، أشعر بألم في جسدي كله.. نشعر وكأننا نعمل وننام داخل فرن”.

معاناة العمال تتفاقم

من جانبها، أبرزت وكالة “أسوشيتد برس” أن المعاناة لا تقتصر على العمال في الهواء الطلق، بل تمتد إلى مصانع النسيج في مدينة سورات، حيث تتضاعف الحرارة والرطوبة بفعل الغلايات وآلات التثبيت الحراري والبخار والمواد الكيميائية داخل المصانع، رغم تركيب مراوح وأنظمة تبريد في بعض المواقع.

وقالت العاملة سوني باندي، البالغة من العمر 27 عاماً والأم العزباء القادمة من ولاية بيهار، إن المراوح وأجهزة التبريد تخفف من وطأة الحرارة لكنها لا تكفي في الأيام شديدة الحر، مضيفة: “الحرارة تضعفنا.. نتعرق كثيراً.. يشعر بعض الناس بالدوار والمرض”.

وأوضح التقرير أن مصانع سورات التي تنتج نحو 30 مليون متر من أقمشة البوليستر يومياً وتوظف أكثر من 1.4 مليون عامل تواجه ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والرسوم الجمركية الأمريكية واضطرابات الإمداد المرتبطة بالحرب الإيرانية، وهو ما قلل قدرة كثير من أصحاب المصانع على الاستثمار في أنظمة تبريد أكثر كفاءة.

وأكد العامل كوندان كومار الذي يشغل آلة صباغة في أحد المصانع أن ظروف العمل لا تزال شاقة رغم وجود أجهزة التبريد، مضيفاً: “علينا القيام بهذا العمل.. نحن بحاجة إلى المال لإعالة أسرنا”.

ملايين العمال يتأثرون بالحرارة

نقلت “أسوشيتد برس” عن تقرير البنك الدولي الصادر عام 2022 أن 75% من القوى العاملة في الهند، أي نحو 380 مليون شخص، يتأثرون بالحرارة، في حين لا تشمل قوانين العمل الحالية أكثر من 550 مليون عامل في القطاع غير الرسمي، وهو ما دفع النقابات العمالية إلى مطالبة الحكومة بتشديد التشريعات وتحسين تطبيقها.

وحذرت الباحثة في مركز الأبحاث “دبليو أر أي إنديا”، بوجا ياداف، من أن الرطوبة والحرارة داخل وحدات معالجة المنسوجات قد تجعلان الظروف الداخلية أسوأ من الخارج، موضحة أن العمال يتعرضون لمزيج من الهواء الساخن والأبخرة الكيميائية، ما قد يؤدي إلى الصداع والجفاف والإغماء خلال نوبات عمل تمتد إلى 12 ساعة، فضلاً عن مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة في الرئتين والكليتين وانخفاض الإنتاجية.

واختتمت الوقائع صورة أزمة تتقاطع فيها آثار تغير المناخ مع الحقوق الأساسية للعاملين، إذ يواصل ملايين العمال في الهند أداء أعمالهم رغم الإجهاد الحراري وتراجع الدخل وغياب الحماية الكافية، في حين تظهر البيانات الواردة في المصدرين أن موجات الحر لم تعد تحدياً بيئياً فحسب، بل أصبحت تمس مباشرة الحق في العمل اللائق، والحق في الصحة، والحق في مستوى معيشي كريم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print