منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سياسة الباب المفتوح تحت الحصار.. مليونا لاجئ يضعون أوغندا على حافة الانهيار الإنساني

04 يونيو 2026
مهاجرون أفارقة عالقون في الصحراء
مهاجرون أفارقة عالقون في الصحراء

لم تغلق أوغندا أبوابها أمام اللاجئين حين شددت دول كثيرة سياساتها الحدودية، فعلى مدى سنوات قُدّم النموذج الأوغندي باعتباره واحدا من أكثر نماذج استضافة اللاجئين انفتاحا في العالم، إذ منح الفارين من النزاعات حق العمل والتنقل والوصول إلى الخدمات العامة بدل حصرهم في مخيمات مغلقة.

لكن هذا النموذج الذي استوعب ما يقارب مليوني لاجئ بات اليوم يواجه اختبارا غير مسبوق مع تراجع التمويل الدولي وتزايد أعداد الوافدين، ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الحماية الإنسانية في واحدة من أكبر الدول المضيفة للاجئين عالميا.

ولا تكمن أهمية القضية في أوغندا وحدها، بل في كونها نموذجا يكشف هشاشة منظومة الحماية الدولية عندما تتسع الفجوة بين الالتزامات الإنسانية والموارد المتاحة، فمع استمرار النزاعات في جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان، تتدفق أعداد جديدة من اللاجئين إلى بلد يعاني أصلا ضغوطا متزايدة على الخدمات والبنية التحتية.

وتعد أوغندا أكبر دولة مضيفة للاجئين في إفريقيا والثالثة عالميا، كما أنها تمثل نموذجا مختلفا عن كثير من سياسات الاستضافة التقليدية، فمنذ سنوات تبنت الحكومة الأوغندية نهجا يسمح للاجئين بحرية التنقل والعمل والوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، إضافة إلى تخصيص أراضٍ زراعية لهم داخل المستوطنات الريفية بهدف تعزيز الاعتماد على الذات.

وقد جعل ذلك من التجربة الأوغندية مرجعا دوليا في النقاشات المتعلقة بدمج اللاجئين داخل المجتمعات المضيفة بدل عزلهم عنها.

مليوني لاجئ تحت الضغط

بدءا من أكتوبر 2025 بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في أوغندا نحو 1.96 مليون شخص موزعين على أكثر من 529 ألف أسرة، بينهم 1.92 مليون لاجئ و40 ألف طالب لجوء.

ويأتي أكثر من نصف هؤلاء من جنوب السودان بنسبة 55.1 بالمئة، فيما يشكل القادمون من جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 30.9 بالمئة من إجمالي اللاجئين.

وتعكس التركيبة السكانية للاجئين حجم التحديات الإنسانية المترتبة على الاستضافة، إذ تشكل النساء 51 بالمئة من إجمالي اللاجئين، بينما تبلغ نسبة الأطفال دون سن الثامنة عشرة نحو 55 بالمئة، كما تضم أوغندا أكثر من 48 ألف طفل ومراهق وصلوا دون ذويهم أو انفصلوا عن أسرهم خلال النزوح.

ويعيش نحو 91 بالمئة من اللاجئين داخل المستوطنات الريفية، بينما يقيم 9 بالمئة فقط في المناطق الحضرية، معظمهم في العاصمة كمبالا.

أزمة التمويل تهدد استدامة النموذج

رغم الإشادة الدولية المتكررة بالنموذج الأوغندي، فإن استمراره بات مرتبطا بصورة مباشرة بقدرة المجتمع الدولي على تمويل الاستجابة الإنسانية.

فخطة الاستجابة للاجئين لعام 2025 تحتاج إلى نحو 968 مليون دولار، لكنها لم تحصل حتى أغسطس من العام نفسه إلا على 18 بالمئة فقط من التمويل المطلوب.

وفي الوقت ذاته تراجع الدعم السنوي المقدم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من نحو 500 مليون دولار عام 2019 إلى أقل من 100 مليون دولار عام 2025.

ولا تبدو الأزمة المالية مجرد أرقام في تقارير المانحين، بل تنعكس مباشرة على حياة اللاجئين، فبينما تقدر تكلفة تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئ الواحد بنحو 16 دولارا شهريا، لم تعد المساعدات المتاحة تتجاوز خمسة دولارات فقط للفرد شهريًا بسبب نقص التمويل.

وفي ظل هذه الضغوط، رحّبت الحكومة الأوغندية بإعلان الولايات المتحدة تقديم 75 مليون دولار لدعم الاستجابة الإنسانية، لكنها أكدت أن حجم المساعدات ما يزال أقل من الاحتياجات الفعلية.

وقالت ليليان أبير، وزيرة الدولة لشؤون التأهب للكوارث واللاجئين، إن أزمة الغذاء تمثل التحدي الأكثر إلحاحا حاليا، محذرة من أن تراجع التمويل الدولي يأتي في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية للاجئين والمجتمعات المستضيفة، الأمر الذي يضع مختلف قطاعات الاستجابة أمام ضغوط متصاعدة.

ومن جهته، أكد ليونارد زولو، المنسق المقيم للأمم المتحدة في أوغندا، أن التمويل الجديد سيساعد في تلبية بعض الاحتياجات الإنسانية العاجلة، لكنه أشار إلى أن البلاد لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، ما يجعل استمرار الدعم الدولي ضرورة للحفاظ على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة.

وشددت إستير دافينيا أنياكون، وزيرة الدولة للإغاثة والتأهب للكوارث واللاجئين، على أن أوغندا ستواصل اتباع سياسة “الباب المفتوح” تجاه اللاجئين الفارين من النزاعات والأزمات في دول الجوار، لكنها أقرت بأن استمرار هذا النهج بات يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أعداد اللاجئين وتراجع التمويل الدولي المخصص للعمليات الإنسانية.

الغذاء أول الضحايا

أدى النقص الحاد في التمويل إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية بصورة غير مسبوقة. فقد اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى خفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية من نحو 1.6 مليون لاجئ إلى ما يقارب 663 ألف شخص فقط، ما ترك قرابة مليون لاجئ دون دعم غذائي منتظم.

وتشير البيانات إلى أن انعدام الأمن الغذائي بين اللاجئين ارتفع بصورة حادة خلال الفترة الأخيرة، فيما أصبحت قيمة المساعدات الشهرية المقدمة للأسر الأكثر هشاشة أقل بكثير من الحد الأدنى اللازم لتغطية الاحتياجات الأساسية.

ويحذّر العاملون في المجال الإنساني من أن استمرار هذه الفجوة التمويلية قد يؤدي إلى تراجع مستويات التغذية والصحة والتعليم، خاصة بين الأطفال والنساء الذين يشكلون غالبية اللاجئين في البلاد.

سياسة أكثر تشددا

في أكتوبر 2025 أعلنت الحكومة الأوغندية وقف منح صفة اللاجئ للوافدين الجدد من الصومال وإثيوبيا وإريتريا، مبررة القرار بأن القادمين من هذه الدول لا يفرون من نزاعات مفتوحة بالمعنى التقليدي.

وجاء القرار في وقت تواجه فيه البلاد تراجعًا حادًا في المساعدات الدولية، بما في ذلك انخفاض التمويل الأمريكي المخصص للاستجابة الإنسانية.

ورغم أن القرار لا يمس غالبية اللاجئين الموجودين حاليا، فإنه يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها الحكومة الأوغندية في إدارة ملف اللجوء، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة سياسة الباب المفتوح على الصمود إذا استمرت الفجوة بين الأعداد المتزايدة والموارد المتناقصة.

نموذج عالمي على المحك

يرى خبراء ومنظمات دولية أن الخطر الأكبر الذي يواجه أوغندا لا يتعلق بتراجع الإرادة السياسية في الاستضافة، بل بعجز الموارد عن مواكبة حجم المسؤولية الإنسانية الملقاة على عاتقها.

وتشير التقديرات إلى أن التمويل الإنساني المقدم من الحكومات المانحة قد يتراجع خلال عام 2025 بنسبة تتراوح بين 34 و45 بالمئة مقارنة بمستويات عام 2023.

وفي هذا السياق قالت دومينيك هايد، مديرة العلاقات الخارجية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن أوغندا فتحت أبوابها ومدارسها ومراكزها الصحية أمام اللاجئين، لكن هذا النموذج لا يمكن أن يستمر بمفرده دون دعم دولي كاف.

وتكشف تجربة أوغندا أن حماية اللاجئين لا تعتمد على القوانين والسياسات وحدها، بل على وجود تمويل يضمن استمرار الخدمات الأساسية والحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

وبين استمرار تدفق اللاجئين وتراجع الموارد، يواجه أحد أكثر نماذج الاستضافة انفتاحا في العالم لحظة اختبار حقيقية.

فالسؤال اليوم لم يعد ما إذا كانت أوغندا راغبة في استقبال اللاجئين، بل ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدا لتحمل نصيبه من مسؤولية حمايتهم.