منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

زينب جلاليان.. حقوقية إيرانية تحاصرها أسوار السجن منذ 18 عاماً

23 أبريل 2026
الحقوقية الإيرانية السجينة زينب جلاليان
الحقوقية الإيرانية السجينة زينب جلاليان

في إيران، حيث يمكن للسجن أن يتحول من عقوبة إلى حياة كاملة، تقضي زينب جلاليان عامها الثامن عشر خلف القضبان، لم تعد قصتها مجرد ملف قضائي قديم أو اسم يتكرر في بيانات المنظمات الحقوقية، بل صارت سيرة إنسانية مكتملة لامرأة دخلت المعتقل شابة، وخرج عمرها تقريباً من بين يديها وهي لا تزال داخله.

توصف زينب جلاليان بأنها أطول سجينة سياسية بقاءً داخل السجن في إيران، والسجينة السياسية الوحيدة المحكوم عليها بالمؤبد في البلاد، وواجهت معاناة وأزمات صحية وكادت تفقد بصرها، بحسب منظمة العفو الدولية.

كانت زينب ناشطة حقوقية كردية تعمل في المجال الاجتماعي وحقوق النساء، لم يكن حضورها في الحياة العامة قائماً على السلاح أو الصخب، بل على التعليم والعمل الأهلي ومساندة النساء في المناطق الكردية.

لكن هذا المسار انتهى بها إلى الاعتقال في 2008، وهي في السابعة والعشرين من عمرها، قبل أن تُحاكم في جلسة سريعة ومن دون ضمانات عادلة كافية، ويصدر بحقها أولاً حكم بالإعدام بتهمة “محاربة الله”، ثم يُخفف لاحقاً إلى السجن المؤبد.

منذ اللحظة الأولى، لم يكن السجن بالنسبة إلى زينب مجرد حرمان من الحرية، فقد تعرضت خلال احتجازها الأول إلى التعذيب وسوء المعاملة من أجل انتزاع اعترافات، ومنه الضرب والجلد والحبس الانفرادي والتهديد بالاغتصاب.

وهكذا بدأت رحلتها لا بوصفها سجينة عادية، بل بوصفها امرأة وُضعت داخل نظام عقابي يحاول كسر الجسد والإرادة معاً.

المرض شريك الرحلة

مع مرور السنوات، صار المرض شريكاً دائماً لعزلتها، واليوم، لا تُقاس معاناة زينب بعدد الأعوام التي قضتها في السجن فقط، بل أيضاً بما حمله جسدها من إنهاك.

وتعاني زينب من مشكلات في الكلى والجهاز الهضمي والعينين والأسنان، وإن وضعها ازداد خطورة منذ 2024 مع ظهور آلام شديدة في البطن وتبيّنت إصابتها بعدة أورام ليفية رحمية تسببت في نزيف حاد، في حين حذر أطباء من احتمال وجود سرطان في الرحم وحاجتها إلى جراحة وفحوص متخصصة لم تحصل عليها كما ينبغي.

المأساة هنا ليست في المرض وحده، بل في الحرمان من العلاج، فبحسب هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى، لم تحصل زينب على الرعاية الطبية المناسبة رغم تدهور حالتها، وفي إحدى الوقائع نُقلت إلى مستشفى في يزد وهي مكبلة اليدين والقدمين، وأُجبرت على الخضوع للفحوص في هذه الحال.

الندم مقابل العلاج

ولأن القهر في حالتها لم يكن جسدياً فقط، تتعرض زينب لضغوط لإجبارها على كتابة رسالة ندم أو توبة مقابل العلاج أو الإفراج، لكنها رفضت، وفي هذا الرفض تحديداً وُلدت صورتها بوصفها رمزاً، زينب لم تصبح اسماً كبيراً فقط لأنها سجنت طويلاً، بل لأنها لم تمنح سجانيها ما أرادوه: اعترافاً متأخراً أو انكساراً معلناً.

ما يجعل قصتها موجعة أكثر هو أن الزمن نفسه صار جزءاً من العقوبة. ثمانية عشر عاماً ليست مجرد مدة قانونية، بل عمر كامل تقريباً.

دخلت زينب السجن في مرحلة الشباب، وعاشت أهم سنوات حياتها خلف الأبواب الحديدية، متنقلة بين السجون، بعيدة عن أسرتها، ومحرومة من أبسط ما يمنح الإنسان شعوراً بأنه ما يزال حياً.. الزيارة المنتظمة، العلاج، الأمان، والقدرة على رؤية العالم خارج الجدران.

رسائل من داخل السجن

ورغم ذلك، لم تختفِ داخل الصمت، على امتداد سنوات اعتقالها، واصلت زينب إرسال الرسائل من داخل السجن، متحدثة عن حالها وحال السجناء الآخرين، وعن المرض، والحرمان، والعزلة، والقمع.

ولهذا بقيت حاضرة في الذاكرة العامة لا بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها صوتاً، صوت امرأة تعرف أن جسدها يضعف، لكن روايتها لا تزال قادرة على الوصول إلى الخارج.

حتى الأمم المتحدة دخلت على خط قضيتها بصورة مباشرة، ففي مايو 2025 وجّه عدد من المقررين الخاصين وخبراء الأمم المتحدة رسالة رسمية إلى السلطات الإيرانية يعبرون فيها عن القلق على حياتها وسلامتها، ويشيرون إلى أن الوقت صار عاملاً حاسماً في وضعها الصحي. لكن، بحسب المنظمات الحقوقية، لم تأتِ استجابة تُذكر، واستمر التدهور.

لهذا، حين يُذكر اسم زينب جلاليان اليوم، لا يُذكر بوصفه قضية قانونية فقط، بل بوصفه حكاية امرأة صارت تختصر معنى أوسع.. أن السجن الطويل ليس مجرد جدران، بل استنزاف بطيء للإنسان؛ وأن الحرمان من العلاج ليس إهمالاً فقط، بل شكل من أشكال العقاب؛ وأن الصمود أحياناً لا يكون في الخروج من المعتقل، بل في البقاء إنسانة داخله، رغم كل ما صُمم لسلبها هذه الإنسانية.