منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

دومينيكا أمام مجلس حقوق الإنسان.. دولة لا تلوث المناخ لكنها تدفع كلفة باهظة

24 يونيو 2026
دومينيكا دولة لا تلوث المناخ لكنها تدفع كلفة باهظة
دومينيكا دولة لا تلوث المناخ لكنها تدفع كلفة باهظة

تناول تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان وضع حقوق الإنسان في سياق تغير المناخ في دومينيكا، وذلك بعد زيارة أجرتها المقررة الخاصة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق تغير المناخ إليسا مورغيرا إلى البلاد خلال الفترة من 7 إلى 14 مايو 2025، بدعوة من الحكومة، وتعد هذه الزيارة مهمة لأنها كانت أول زيارة لإجراءات الأمم المتحدة الخاصة إلى دومينيكا.

ويقدم التقرير دومينيكا باعتبارها دولة جزرية صغيرة تبذل جهوداً كبيرة لتصبح أول دولة قادرة على الصمود المناخي في العالم، لكنها في الوقت نفسه تواجه آثاراً غير متناسبة لأزمة مناخية لم تكن من المسهمين الرئيسيين في صنعها.

ويؤكد التقرير أن حماية حقوق النساء، الأطفال، كبار السن، الأشخاص ذوي الإعاقة، المجتمعات النازحة والمعاد توطينها، شعب كاليناغو، المهاجرين، والتنوع البيولوجي، يجب أن تكون في صلب العمل المناخي.

دولة في قلب المخاطر المناخية

تقع دومينيكا ضمن حزام الأعاصير الأطلسي، وقد تعرضت لنحو 15 حدثاً مناخياً متطرفاً منذ عام 1979، مع تزايد وتيرة وشدة الأعاصير والعواصف الاستوائية في المحيط الأطلسي منذ عام 2000.

كما أن الدولة معرضة لمخاطر إضافية بسبب وجود تسعة براكين نشطة، وما يرتبط بذلك من احتمالات الزلازل والثورانات البركانية.

ويشير التقرير إلى أن 90% من السكان يعيشون في المناطق الساحلية، وأن جزءاً كبيراً من السكان يعتمد على النظم البيئية البرية والبحرية في سبل عيشه.

وهذا يعني أن تغير المناخ لا يهدد البنية التحتية فقط، بل يمس السكن، الغذاء، الصحة، العمل، المياه، الثقافة، والحق في مستوى معيشي لائق.

الإسهام في الانبعاثات

من أبرز ما يورده التقرير أن حصة دومينيكا من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً تبلغ 0.00%، ومع ذلك تواجه الدولة آثاراً شديدة وغير متناسبة لتغير المناخ، ومنها الأعاصير والعواصف وتغير أنماط الهطول والجفاف وارتفاع مستوى البحر وارتفاع حرارة المياه البحرية وما يترتب عليه من تبيّض للشعاب المرجانية.

ويشير التقرير إلى أن دومينيكا مصنفة في المرتبة الرابعة من بين 181 دولة من حيث مخاطر الكوارث وفق مؤشر المخاطر العالمي لعام 2021.

هذا الرقم يجعل ملف دومينيكا مهماً جداً في نقاش العدالة المناخية: فالدول الأقل إسهاماً في الأزمة المناخية تتحمل غالباً كلفة إنسانية واقتصادية وحقوقية كبيرة، في حين تحتاج إلى تمويل دولي عادل لا يزيد أعباء الديون عليها.

الإطار القانوني والالتزامات

يشير التقرير إلى أن دومينيكا طرف في ثمانٍ من المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، ومنها العهدان الدوليان، اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة، اتفاقية القضاء على التمييز العنصري، اتفاقية حقوق الطفل، اتفاقية الاختفاء القسري، اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، واتفاقية مناهضة التعذيب. كما صادقت دومينيكا على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 169 بشأن الشعوب الأصلية والقبلية.

كما أن دومينيكا طرف في اتفاق إسكازو بشأن الوصول إلى المعلومات والمشاركة العامة والعدالة في المسائل البيئية في أمريكا اللاتينية والكاريبي، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاق باريس.

وقدمت الدولة إسهاماتها المحددة وطنياً المحدثة للفترة 2020–2030 عام 2022، وهي بصدد إعداد إسهامها المحدد وطنياً الثالث.

لكن التقرير يلاحظ أن الحق في بيئة صحية غير مكرس حالياً في الإطار القانوني الوطني، رغم التزام الدولة بالمضي قدماً في مبادرات تنسجم مع الاعتراف الأممي بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة.

الأضرار والتمويل المناخي

يركز التقرير على أن دومينيكا لا تواجه فقط أضراراً مادية مباشرة، بل خسائر ممتدة تطول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وأشار إلى أن تجربة العواصف والأعاصير السابقة أظهرت أهمية وجود مخصصات في الموازنة الوطنية للتعافي السريع، مع تقليل الاعتماد الفوري على التمويل الدولي، خصوصاً عندما يأتي التمويل المناخي والإنمائي على شكل ديون تزيد العبء على الدولة.

ويربط التقرير ذلك بالتزامات الدول الأكثر مسؤولية عن أزمة المناخ، داعياً إلى الابتعاد عن التمويل المناخي القائم على الديون، باعتباره مسألة مرتبطة بحماية حقوق الإنسان في الدول الأكثر تضرراً والأقل مسؤولية عن الانبعاثات.

حقوق الأطفال والنساء

يشير التقرير إلى أن حكومة دومينيكا، بعد إعصار ماريا، بدأت برنامجاً لبناء ملاجئ طوارئ أكثر قدرة على الصمود، تعمل بمصادر طاقة متجددة ومستقلة، وتملك قدرة تخزين كافية للمياه الصالحة للشرب.

وتم بناء ثلاثة ملاجئ إقليمية في Castle Bruce وJimmit وLayou، مع استمرار بناء ملجأ رابع في إقليم كاليناغو.

ويعد هذا الملف مهماً من زاوية حقوقية؛ لأن الملاجئ الجديدة وفرت مساحات أكثر أماناً ومنفصلة للنساء والأطفال، بعد تعرضهم للعنف في ملاجئ سابقة.

وحسنت إمكانية الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة. كما أن وجود هذه الملاجئ يساعد على إبقاء المدارس متاحة لاستئناف التعليم، بعدما واجه الأطفال انقطاعات تعليمية لعدة أشهر بعد إعصار ماريا.

شعب كاليناغو والمعرفة

أولى التقرير اهتماماً خاصاً بشعب كاليناغو، حيث التقت المقررة الخاصة برئيس وأعضاء مجلس كاليناغو، وحاملي المعرفة الأصلية، وممثلين عن المجتمعات المحلية.

ويؤكد التقرير أن حماية حقوق الشعوب الأصلية والمعرفة التقليدية يجب أن تكون جزءاً من العمل المناخي، خاصة فيما يتعلق بالتنوع البيولوجي، الأراضي، النظم البيئية، والمشاركة في اتخاذ القرار.

هذا الملف مهم لأنه يربط بين المناخ والحقوق الثقافية وحق المجتمعات الأصلية في المشاركة والمعرفة والهوية، والعمل المناخي، وفق هذا المنظور، يجب ألا يكون مفروضاً من أعلى، بل مبني على المشاركة والمعرفة المحلية.

المعلومات والعدالة البيئية

ولأن دومينيكا طرف في اتفاق إسكازو، فإن التقرير يربط العمل المناخي بحقوق الوصول إلى المعلومات، المشاركة العامة، والعدالة في المسائل البيئية.

ويشدد على أهمية المشاركة الهادفة والتقييمات البيئية في دعم دور الشباب القادة في المناخ والمدافعين عن حقوق الإنسان البيئية في تطوير عمل مناخي تحويلي يحمي حقوق الجميع.

وهذا يعني أن المناخ ليس شأناً فنياً أو حكومياً فقط، بل مجال يتطلب إشراك المجتمعات، الشباب، النساء، الشعوب الأصلية، والأشخاص المتأثرين مباشرة بالمخاطر.

قراءة حقوقية

يكشف تقرير دومينيكا أن تغير المناخ أصبح اختباراً مباشراً لمدى قدرة الدول والمجتمع الدولي على حماية حقوق الإنسان، فالدولة تسعى إلى بناء نموذج للصمود المناخي، لكنها تواجه أثراً غير متناسب لأزمة لم تكن مسؤولة عن صناعتها.

لذلك، فإن ملف دومينيكا لا يتعلق فقط بالإدارة الوطنية للكوارث، بل أيضاً بمسؤولية دولية أوسع في التمويل المناخي، الخسائر والأضرار، والدعم الفني غير القائم على زيادة الديون.

ويوضح التقرير أن العمل المناخي القائم على حقوق الإنسان يجب أن يحمي الفئات الأكثر هشاشة، لا أن يكتفي ببناء البنية التحتية. فالملاجئ، المدارس، المياه، الصحة، الغذاء، مشاركة شعب كاليناغو، وحماية النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، كلها عناصر أساسية في العدالة المناخية.

ويضع تقرير المقررة الخاصة دومينيكا في قلب النقاش العالمي حول المناخ وحقوق الإنسان. فالدولة تسعى إلى أن تكون نموذجاً عالمياً في الصمود المناخي، لكنها تواجه خسائر وأضراراً كبيرة رغم إسهاماتها شبه المعدومة في الانبعاثات العالمية.

وتؤكد الوثيقة أن العدالة المناخية لا تعني فقط التكيف مع الكوارث، بل تشمل التمويل العادل، حماية الفئات الهشة، مشاركة المجتمعات، واحترام حقوق الشعوب الأصلية والمعرفة المحلية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print