منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين يصبح الرحيل ضرورة.. موجة الهجرة من إسرائيل تكشف عن تكلفة الصراع

18 أغسطس 2026
إسرائيل تواجهة أزمة هجرة عكسية غير مسبوقة
إسرائيل تواجهة أزمة هجرة عكسية غير مسبوقة

لم تعد الهجرة من إسرائيل مجرد قرار شخصي يتخذه أفراد بحثاً عن فرص فضلى، بل تحولت خلال العامين الأخيرين إلى ظاهرة تلفت انتباه الباحثين وصناع القرار، مع ارتفاع أعداد المغادرين بصورة غير مسبوقة.

وبعد عقود كانت فيها إسرائيل تقدم نفسها باعتبارها وطناً جاذباً لليهود، أصبحت تواجه تحديات بشأن هجرة عشرات الآلاف في وقت تتصاعد فيه الحرب والاضطرابات الداخلية.

وأظهرت بيانات من المكتب المركزي للإحصاء أن أكثر من 268 ألف إسرائيلي غادروا البلاد منذ اندلاع الحرب الأخيرة، في مؤشر يراه متخصصون أكبر من مجرد تغير ديموغرافي، بل انعكاس لتكلفة سياسية وأمنية واجتماعية يدفعها المجتمع الإسرائيلي.

ويرى خبراء في علم الاجتماع أن قرار الهجرة غالباً ما يكون أحد أكثر المؤشرات حساسية على شعور المواطنين بالأمن، فعندما يقرر الفرد ترك وطنه رغم ما يملكه من روابط اجتماعية واقتصادية، فإن ذلك يعكس تراجع الثقة في المستقبل.

تهديدات أمنية وانقسام

في الحالة الإسرائيلية، لم تعد المخاوف مقتصرة على التهديدات الأمنية، بل امتدت إلى الانقسامات السياسية الحادة، والتراجع الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم اليقين بشأن مستقبل الحرب، وهي عوامل دفعت كثيرين إلى البحث عن حياة أكثر استقراراً في الخارج.

وعادة تؤدي الحروب الممتدة إلى اضطرابات نفسية واسعة، وتراجع الخدمات العامة، وتدهور الاقتصاد، وزيادة معدلات الهجرة، وهي نتائج لا تقتصر على المدنيين في مناطق القتال، بل تطول أيضاً المجتمعات التي تخوض الحروب نفسها.

وطالما اعتمدت إسرائيل على سياسات تشجع الهجرة إليها باعتبارها ركيزة ديموغرافية واستراتيجية، لكن ارتفاع معدلات المغادرة يضع هذه السياسة أمام تحد جديد، خاصة إذا تحول الرحيل إلى اتجاه طويل الأمد.

ويحذر باحثون من أن استمرار النزيف البشري قد ينعكس على سوق العمل، والاستثمارات، والقطاعات التكنولوجية التي تعتمد بصورة كبيرة على الكفاءات البشرية؛ فضلاً عن تأثيره في التركيبة السكانية.

تصاعد المخاطر الأمنية

تشير تقارير ودراسات إلى أن أسباب المغادرة لم تعد أمنية فقط، وإنما تشمل استمرار الحرب وتصاعد المخاطر الأمنية، والاستقطاب السياسي الداخلي غير المسبوق، وارتفاع تكاليف المعيشة والإسكان، الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب الممتدة، تراجع الثقة في قدرة المؤسسات على إنهاء حالة عدم اليقين، إذ يؤكد متخصصون أن اجتماع هذه العوامل يجعل قرار الرحيل أكثر قابلية للاستمرار، خصوصاً لدى الشباب وأصحاب المهارات العالية.

وتكشف موجة الهجرة المتزايدة من إسرائيل أن كلفة الصراعات لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو حجم الدمار، بل تُقاس أيضاً بعدد من يفقدون ثقتهم في المستقبل ويختارون الرحيل.

وعندما يصبح مغادرة الوطن خياراً جماعياً، تتحول الهجرة إلى رسالة سياسية واجتماعية صامتة تعكس حجم الضغوط التي يفرضها الصراع على حياة البشر، وتؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما ببناء مجتمع يشعر أفراده بأن مستقبلهم لا يزال ممكناً داخل وطنهم.

تحول جذري واستراتيجي

يرى أستاذ القانون الدولي الفلسطيني الدكتور أمجد شهاب، أن إسرائيل قامت على ثلاث ركائز استراتيجية أساسية، كانت الهجرة أهمها على الإطلاق، موضحاً أن موجات الهجرة الأولى هي التي أسست المجتمع الإسرائيلي وشكلت بنيته السكانية، أما الركيزة الثانية فتتمثل في الردع، عبر القوة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، في حين تتمثل الركيزة الثالثة في الدعم الخارجي.

وأضاف شهاب في حديث لـ”صفر”: “بعد أحداث السابع من أكتوبر، تلقت هذه الركائز الثلاث ضربة قوية، ولا سيما ركيزة الهجرة، إذ شهدت السنوات الثلاث الأخيرة تحولاً لافتاً، فأصبح عدد المغادرين يفوق عدد الوافدين إلى فلسطين المحتلة، وهذا التحول يخلق أزمة وجودية بالنسبة لإسرائيل؛ لأن تراجع الهجرة الوافدة يرفع كلفة الحفاظ على الركائز الأساسية التي قامت عليها دولة الاحتلال”.

ولفت إلى أن استطلاعات الرأي أضعفت الصورة التي سعت إسرائيل إلى ترسيخها باعتبارها دولة آمنة ومستقرة وديمقراطية، وهو ما ينعكس سلباً على قوتها وخططها الاستراتيجية على المدى الطويل، حيث يدفع المشروع الإسرائيلي ثمناً باهظاً لاستمرار الصراع، بعد أن اعتمد تاريخياً على استقطاب اليهود من مختلف أنحاء العالم وتشجيع هجرتهم إلى فلسطين المحتلة.

وأضاف شهاب: “هذا الخيار بات اليوم مهدداً، وأصبحت موجات المغادرة التي تعكسها استطلاعات الرأي مؤشراً متكرراً على تراجع قدرة إسرائيل على إقناع اليهود بالهجرة إليها، ولا سيما أن أحداث السابع من أكتوبر 2023 كشفت أيضاً عن تحول جذري في طبيعة المجتمع الإسرائيلي، مع صعود اليمين المتطرف والأحزاب الدينية، وسعيها إلى إحداث تغييرات تشريعية تمس الطابع العلماني للدولة.

وتوقع شهاب أنه إذا استمرت معدلات الهجرة العكسية بالوتيرة الحالية، فإنها ستمثل تحدياً استراتيجياً لمستقبل إسرائيل واستقرارها، وستشكل مصدر قلق متزايد لصناع القرار، خاصة في ظل تعمق الأزمة الديموغرافية وتراجع الرهانات الإسرائيلية على تحقيق تفوق سكاني على الفلسطينيين لتعزيز سيطرتها على الأرض.

وأكد أن تصاعد الهجرة العكسية يقوض الخطط التي راهنت عليها الحكومات الإسرائيلية بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني والاستيلاء على مزيد من الأراضي، مشيراً إلى أن ذلك يضع المشروع الاستيطاني نفسه أمام أزمة متفاقمة، ويؤكد أن كلفة الصراع لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية أو الاقتصادية، بل باتت تمتد إلى الركائز الديموغرافية التي قام عليها المشروع الإسرائيلي منذ نشأته.

فقدان الركيزة الأساسية

وقال المحلل الفلسطيني نزار نزال إن الهجرة العكسية في إسرائيل، بلا أدنى شك، تمثل مصدر قلق بالغ للإسرائيليين وللقائمين على المشروع الصهيوني، مرجعاً أسبابها إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها استمرار الحرب، وتكرار جولات التصعيد، وما يصاحبها من تراجع الشعور بالأمان، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والانقسام السياسي الداخلي.

وأضاف نزال في حديث لـ”صفر” أن “امتلاك عدد من الإسرائيليين جنسيات مزدوجة، والتحولات التي يشهدها النظام السياسي، وانجراف المجتمع نحو اليمين المتطرف والتيارات الدينية، فضلاً عن تغير صورة الدولة وتزايد عزلتها الدولية، تعد جميعها عوامل تدفع مزيداً من الإسرائيليين إلى التفكير في الهجرة”.

واستدرك: “لكن الاعتقاد بأن إسرائيل فقدت بالفعل إحدى ركائز قوتها قد يكون سابقاً لأوانه؛ لأن إسرائيل قامت منذ نشأتها على استقطاب اليهود من مختلف أنحاء العالم، باعتبار ذلك ركيزة ديموغرافية واقتصادية وأمنية في آن واحد، إذ يؤثر تدفق المهاجرين في حجم القوة العاملة، وقطاع التكنولوجيا، والاحتياط العسكري، فضلاً عن الصورة التي تسوقها إسرائيل لنفسها باعتبارها ملاذاً آمناً لليهود”.

وأشار نزال إلى أنه لا يمكن الجزم بأن إسرائيل فقدت هذه الركيزة بصورة نهائية، إذ شهدت مراحل سابقة عودة بعض المهاجرين بعد فترات من التراجع، قائلاً: “إذا انتهت الحرب واستعاد الاقتصاد عافيته، فقد تكون موجة الهجرة الحالية ظرفية، أما إذا استمرت الحرب وتفاقمت الأزمات الداخلية، فإن آثارها ستنعكس على الدولة على المدى الطويل”.

وأكد أن الهجرة العكسية سيكون لها تأثير في مستقبل الصراع العربي مع إسرائيل، مضيفاً: “من الممكن أن تؤدي إلى زيادة كلفة الصراع بالنسبة لإسرائيل، لكنها لن تكون، بمفردها، كافية لتغيير موازين القوى إذا استمرت موجات الهجرة العكسية في الارتفاع، بالتزامن مع انخفاض أعداد القادمين لعدة سنوات متتالية، فإن ذلك قد يتحول إلى تحد استراتيجي يمس إحدى الركائز الأساسية التي قام عليها المشروع الصهيوني والإسرائيلي في المنطقة”.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان