ستيفن آيد
في الأسبوع الماضي، في ولاية نبراسكا، حاولت نويمي غوزمان اختطاف طفل في الثالثة من عمره من داخل متجر وولمارت.
تُظهر لقطات صادمة من كاميرات الشرطة أنها كانت تمسك بسكين فوق جسد الطفل وتعتدي عليه، قبل أن يطلق عليها رجال الأمن النار ويردوها قتيلة. قبل ذلك بعامين، كان قاضٍ قد أعفاها من سلسلة اتهامات جنائية خطيرة، بينها الحرق العمد والاعتداء، بدعوى الجنون.
واحدة من أبشع الجرائم في هذا العقد وقعت في أغسطس الماضي، حين أقدم رجل يعاني من اضطراب نفسي في نظام النقل بمدينة شارلوت في ولاية نورث كارولاينا على طعن امرأة أوكرانية لا يعرفها حتى الموت. كان اسمه ديكارلوس براون، ويعاني من الفصام، ومع ذلك أُطلق سراحه في قضايا سابقة. والدته قالت إنها حاولت إدخاله إلى مصحة نفسية قسرًا، لكن طلبها رُفض.
في مدن ليبرالية مثل نيويورك، غالبًا ما يكون من يدفعون الناس إلى قضبان المترو أو ينفذون هجمات طعن عشوائية، معروفين مسبقًا لدى السلطات بسبب مشكلات نفسية. الأسبوع الماضي، في محطة غراند سنترال أطلقت الشرطة النار على رجل يعاني من ذهان بعدما هاجم ثلاثة أشخاص بساطور، وكان يطلق على نفسه اسم “لوسيفر”.

صحيح أن عام 2025 كان، في المجمل، عامًا إيجابيًا للأمن العام؛ إذ انخفضت معدلات القتل والجريمة على مستوى البلاد، لكن في عدد كبير من الحالات، طغت الأيديولوجيا وسوء الإدارة وغياب المساءلة على طريقة تعامل الحكومة الأمريكية مع العنف المرتبط بالاضطرابات النفسية، وفي أسوأ السيناريوهات، تحوّلت حجة “الجنون” إلى بطاقة خروج مشوّهة تعيد الجناة إلى الشارع بدلًا من احتوائهم.
سيخبرك أساتذة القانون أن حكم “غير مذنب بسبب الجنون” نادرًا ما يُستخدم بنجاح، خاصة بعد أن أطلق ” جون هينكلي الابن” النار على رونالد ريغان عام 1981، حيث أثارت تبرئته حينها غضبًا واسعًا. لكن أشكالًا أخرى من التساهل مع الجناة المرضى نفسيًا ظهرت لاحقًا، خصوصًا خلال العقد الماضي، على يد تيارات تقدمية تُعرّف نفسها بأنها إصلاحية في مجال العدالة الجنائية.
هذه الحركة، التي لا تزال نشطة، تقيس نجاحها بعدد من تستطيع إخراجه من السجن، وغالبًا ما تُطرح فكرة “تحويل” الجناة بدلًا من سجنهم، إلى برامج مجتمعية خفيفة الإشراف. وفي حالة المرضى النفسيين، يُروَّج لفكرة أن الجاني ليس “شريرًا” بقدر ما هو “مريض” يحتاج إلى علاج لا عقاب.
لكن تحويل هؤلاء إلى برامج علاجية قد ينجح فقط في نطاقات محدودة وتحت رقابة صارمة. أما تطبيقه على نطاق واسع، فهو وصفة للفشل، فالنظام النفسي في الولايات المتحدة يعاني أصلًا من ضعف الكفاءة، خاصة في التعامل مع الحالات الأكثر تعقيدًا، ويرتبط ذلك بدرجة كبيرة بغياب المساءلة عن المنظمات غير الحكومية التي تتلقى مليارات الدولارات من التمويل العام دون رقابة كافية على أدائها.
لا منطق في إعادة مجرم معتاد إلى نظام صحي فشل أصلًا في منعه من ارتكاب الجريمة.

تكشف أرقام السجون في نيويورك حدود هذه السياسة؛ إذ تصنّف المدينة نحو 1500 سجين على أنهم يعانون من أمراض نفسية خطيرة، أي أكثر من 20% من إجمالي النزلاء. ومنذ عام 2020، تضاعف هذا العدد، ما يجعل من الصعب تحقيق خطط مثل إغلاق سجن جزيرة ريكرز، ورغم أن نيويورك تضم واحدة من أكثر شبكات الإصلاح الجنائي تمويلًا وتطورًا، فإن السجن لا يزال أداة لا غنى عنها في مواجهة العنف المرتبط بالاضطرابات النفسية.
لا جدال في أن المرضى النفسيين يستحقون العلاج، ويجب أن يُقدَّم لهم على نفقة الدولة. لكن في كثير من الحالات، يحتاجون أيضًا إلى الاحتواء لحماية المجتمع وحمايتهم هم أنفسهم، ويمكن أن يتم ذلك داخل السجون، حيث يضمن الدستور الأمريكي الحق في الرعاية الصحية، أو داخل مؤسسات علاج نفسي متخصصة.

ورغم أن الخيار الثاني هو الأفضل، فإن الولايات المتحدة تعاني نقصًا حادًا في عدد أسرّة المستشفيات النفسية، حيث تراجع العدد بأكثر من 90% مقارنة بذروته في منتصف القرن الماضي. وقد وثّق مركز مناصرة العلاج هذا النقص، مؤكدًا أن ولايات مختلفة بصرف النظر عن توجهها السياسي تعاني عجزًا واضحًا في القدرة الاستيعابية.
هذا النقص هو نتيجة فشل مشترك بين الحزبين، فالديمقراطيون يخشون انتقادات نشطاء حقوق ذوي الإعاقة، الذين يرون أن أي توسع في العلاج المؤسسي قد يقود إلى انتهاكات، بينما يتحفظ الجمهوريون على التكلفة المرتفعة لتوسيع هذا النوع من الرعاية، رغم ضرورته.
والمفارقة أن ما تبقى من أسرّة في المستشفيات النفسية مشغول في الغالب بحالات جنائية: أشخاص ارتكبوا جرائم خطيرة وأُعلن عدم مسؤوليتهم الجنائية بسبب المرض، أو متهمون غير مؤهلين للمحاكمة، بمعنى آخر، في كثير من الأحيان، تصبح الجريمة هي بوابة الدخول إلى العلاج.
النظام الأفضل هو الذي يقدّم العلاج قبل وقوع المأساة.. فزيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات النفسية يمكن أن تخفف الضغط عن السجون، وتتيح للبرامج المجتمعية التركيز على الحالات التي يمكنها التعامل معها فعليًا.
في يوليو 2025، حاول دونالد ترامب الإسهام في هذا النقاش عبر أمر تنفيذي بعنوان “إنهاء الجريمة والفوضى في شوارع أمريكا”، لكن التطبيق العملي ظل متذبذبًا، خاصة مع تباين الرؤى داخل الإدارة، بما في ذلك مواقف كينيدي الابن الذي يشكك في الإفراط في استخدام الأدوية وفي آراء الخبراء، رغم أن التعامل مع حالات الذهان يتطلب غالبًا العكس: مزيدًا من العلاج الدوائي وثقة أكبر في الأطباء النفسيين.
الأكثر إثارة للقلق هو استمرار بعض الطروحات التقدمية المثيرة للجدل، مثل استبدال الشرطة بأخصائيين اجتماعيين أو توسيع برامج التحويل، وهي أفكار لا تزال حاضرة بقوة في ولايات مثل نيويورك وكاليفورنيا.
إذا استمرت الاتجاهات الحالية في انخفاض معدلات الجريمة، فقد تتاح فرصة لمعالجة هذا الملف المعقد بجدية أكبر، أما إذا أُعلن النصر مبكرًا، وعادت أفكار سطحية شبيهة بحركات “تقليص تمويل الشرطة” إلى الواجهة، فلن يستمر انخفاض الجريمة طويلًا.
نقلاً عن نيويورك بوست