في الخامسة والأربعين من عمره، وجد محمود نفسه مضطراً إلى الدفاع عن سنوات خبرته، بدلاً من تقديمها باعتبارها إحدى نقاط قوته. كان يبحث عن فرصة عمل جديدة، لكن سؤالاً في إحدى المقابلات وضع عمره في مواجهة مؤهلاته: “مش شايف إن السن ده كبير على الوظيفة؟”
يقول محمود، وهو اسم مستعار، لـ”صفر”: “خرجت من المكان وأنا أشعر وكأن السنوات التي قضيتها في العمل أصبحت عبئاً بدلاً من أن تكون رصيداً وجزءاً مهماً من خبراتي”.
خلف هذه التجربة تكمن مشكلة تتجاوز فرص التوظيف، فالتمييز على أساس العمر قد يحرم أشخاصاً من التدريب والترقية والرعاية الصحية والخدمات، ويضع أحكاماً مسبقة مكان التقييم العادل لقدراتهم، وهو تمييز لا يطول الأكبر سناً وحدهم، بل يمتد إلى الشباب الذين يُستبعدون أحياناً بذريعة نقص الخبرة أو عدم النضج.
وتعود القضية إلى واجهة النقاش الدولي مع اقتراب الدورة الثانية للفريق الحكومي الدولي المعني بحقوق كبار السن، المقرر عقدها في جنيف بين 26 و30 أكتوبر/ تشرين أول 2026، ضمن مسار إعداد صك دولي ملزم لحماية حقوقهم.

التمييز في الأرقام
يكشف “التقرير العالمي عن التمييز على أساس السن”، الصادر عام 2021 عن منظمة الصحة العالمية وشركائها في الأمم المتحدة، أن شخصاً من كل شخصين عالمياً يحمل مواقف متحيزة تجاه كبار السن، استناداً إلى مسح شمل أكثر من 83 ألف شخص في 57 دولة.
وتعكس هذه النسبة انتشار الأحكام المسبقة، ولا تعني أن نصف سكان العالم تعرضوا للتمييز فعلياً، وفي القطاع الصحي، أظهرت مراجعة منهجية شملت 149 دراسة أن العمر كان عاملاً مؤثراً في الحصول على بعض الإجراءات أو العلاجات الطبية في 85% من الدراسات. وهي نسبة تتعلق بنتائج الأبحاث، وليست نسبة المرضى الذين حرموا من العلاج.
ويرتبط التمييز العمري، بحسب التقرير الأممي، بتدهور الصحة البدنية والنفسية والعزلة الاجتماعية وانعدام الأمن المالي. ويُقدر أن نحو 6.3 مليون حالة اكتئاب عالمياً تُعزى إلى هذه الظاهرة.

سوق العمل.. حين تصبح السنوات عائقاً
في التوظيف، قد يتحول العمر إلى شرط غير معلن للاستبعاد، حتى عندما يمتلك المتقدم المؤهلات المطلوبة، وقد يواجه العاملون الأكبر سناً افتراضات تتعلق بضعف الإنتاجية أو صعوبة اكتساب مهارات جديدة، في حين يُحرم بعض الشباب من الفرص بحجة افتقارهم إلى الخبرة.
ويرى المحامي الدولي محمد أبو شنب، في حديث لـ”صفر” من لندن، أن المشكلة تبدأ عندما يصبح تاريخ الميلاد معياراً للحكم على الإنسان قبل النظر إلى كفاءته.
ويقول: “المسألة لا تتوقف عند خسارة وظيفة، فالعمل يمنح الإنسان الدخل والاستقلال والشعور بالقيمة، واستبعاده بسبب العمر قد ينعكس على علاقته بأسرته ومجتمعه وثقته بنفسه”.
وعلى مستوى معايير العمل الدولية، لا تدرج اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 لعام 1958 العمر صراحة بين أسباب التمييز المحظورة، لكنها تتيح للدول إضافة أسباب أخرى. كما تتناول التوصية رقم 162 لعام 1980 حماية العمال الأكبر سناً من التمييز، وتتناول التوصية رقم 166 لعام 1982 الضمانات المرتبطة بإنهاء الخدمة، ومنها الضوابط المتعلقة بالعمر.
وفي الاتحاد الأوروبي، تحظر القواعد القانونية التمييز العمري في التوظيف والترقية والتدريب، لكنها تجيز اختلاف المعاملة في حالات محددة عندما يكون مبرراً بهدف مشروع وتكون الوسائل المستخدمة مناسبة وضرورية.
وهذا التمييز القانوني بين الشرط المهني المبرر والاستبعاد القائم على الصور النمطية يظل مهماً عند تقييم ممارسات أصحاب العمل، وإن كان لا يغني عن الاستماع إلى وجهة نظرهم في الحالات محل الشكوى.
ويؤكد أبو شنب أن الحماية القانونية لا تقاس بالنصوص وحدها، بل بوجود جهات تتلقى الشكاوى وإجراءات واضحة تتيح للمتضررين استرداد حقوقهم.
المنطقة العربية.. عمر أطول وحماية أقل
في المنطقة العربية، تضيف التحولات السكانية تحديات جديدة إلى ملف الحماية الاجتماعية. فبحسب بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، يُتوقع ارتفاع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من نحو 20.8 مليون عام 2020 إلى 71 مليوناً بحلول عام 2050.
وفي المقابل، حصل 38% فقط ممن تجاوزوا سن التقاعد على معاش تقاعدي عام 2020، مع تفاوت في التغطية بين الرجال والنساء في بعض الدول العربية.
وتشير هذه الأرقام إلى فجوات في الحماية الاجتماعية، لكنها لا تعني أن جميع حالات غياب المعاشات ناتجة عن التمييز العمري.
ويرى الخبير الدولي المتخصص في قضايا الحماية الدولية كمال المشرقي، في تصريحات لـ”صفر”، أن التعامل مع كبار السن ينبغي أن يقوم على المساواة والكرامة، لا على افتراض أنهم فئة عاجزة تحتاج إلى الرعاية وحدها.
ويقول إن العمر حقيقة طبيعية لا يجوز تحويلها إلى معيار مسبق للحكم على أهلية الإنسان أو إنتاجيته أو قدرته على المشاركة في المجتمع.
ويستند المشرقي إلى التعليق العام رقم 6 لعام 1995 الصادر عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يؤكد انطباق الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي على كبار السن.
ويشدد على أن المعاشات والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية حقوق ينبغي ضمانها، لا مساعدات تمنح بسبب التقدم في العمر.

الحق في التقاعد لا يلغي الحق في العمل
يدعو المشرقي إلى إعادة النظر في العلاقة بين العمل والتقاعد، بحيث لا يعني بلوغ سن معينة انتهاء قدرة الإنسان على الإنتاج، ولا يتحول الحق في العمل إلى إلزام بالاستمرار فيه.
ويرى أن إتاحة الاختيار، حيث تسمح طبيعة العمل والضوابط القانونية، يجب أن تقترن بمعاشات وضمان اجتماعي ورعاية صحية تكفل حياة كريمة لمن يختار التقاعد.
ولا تتوقف تحديات التمييز عند العمل والمعاشات، ففي النزاعات والكوارث، قد يواجه بعض كبار السن صعوبات إضافية في النزوح والحصول على الأدوية والمساعدات، ما يستدعي إدماج احتياجاتهم في خطط الاستجابة الإنسانية من دون افتراض عجزهم مسبقاً.
أما في الخدمات الرقمية، فيحذر المشرقي من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تعيد إنتاج الصور النمطية المرتبطة بالعمر، خصوصاً عند استخدامها في التوظيف والتأمين والائتمان وتقييم المخاطر الصحية.
ويقول: “التحدي يكمن في ضمان ألا تنتقل الصور النمطية الموجودة في المجتمع إلى الخوارزميات والبيانات التي تعتمد عليها”.
نحو اتفاقية دولية ملزمة
رغم وجود قواعد دولية تؤكد المساواة وعدم التمييز، لا تزال حقوق كبار السن موزعة بين اتفاقيات وتفسيرات ومبادئ متعددة، من دون اتفاقية عالمية متخصصة وملزمة تجمعها في إطار واحد.
وفي أبريل/ نيسان 2025 قرر مجلس حقوق الإنسان، بموجب القرار 58/13، إنشاء فريق حكومي دولي مفتوح العضوية لإعداد مشروع صك دولي ملزم بشأن حقوق كبار السن. وعقد الفريق دورته الأولى في يوليو/ تموز 2026، في حين تقررت دورته الثانية في أكتوبر.
ويرى المشرقي أن الاتفاقية المرتقبة يجب أن تركز على الاستقلالية والمشاركة والمساواة، وأن تحدد التزامات الدول وآليات المساءلة، بدلاً من اختزال حقوق كبار السن في الرعاية.
لكن الطريق إلى الحماية لا يمر عبر الاتفاقيات وحدها. فمواجهة التمييز تتطلب آليات إنصاف يمكن الوصول إليها، وتدريب أصحاب العمل ومقدمي الخدمات، وإتاحة التعلم في مختلف الأعمار، ومراجعة السياسات التي تجعل السن بديلاً عن الكفاءة.
أما محمود الذي أمضى سنوات في بناء خبرته المهنية، فقد وجد نفسه في مقابلة عمل أمام سؤال واحد عن عمره. خرج من المقابلة وهو يحمل خبرته كما دخل بها، لكن السؤال الذي سمعه تركه يتساءل: متى أصبحت السنوات التي أمضاها في العمل سبباً للدفاع عن نفسه، بدلاً من أن تكون سبباً لاختياره؟
