لم تعد أزمة الصحفيين في لبنان مرتبطة فقط بهامش الحرية الداخلي أو تاريخ الاستدعاءات القضائية والضغوط السياسية، بل أصبحت منذ أكتوبر 2023 جزءاً من مشهد أكثر خطورة، حيث يعمل الصحفيون في بيئة حرب مفتوحة على الحدود الجنوبية، ويتعرضون لاحتمالات القتل والإصابة والنزوح والمنع من الوصول إلى مناطق التغطية.
وتُظهر تقارير دولية وحقوقية أن الصحافة في لبنان تواجه تهديدين متوازيين.. تهديد خارجي مرتبط بالهجمات الإسرائيلية على مناطق وجود الصحفيين، وتهديد داخلي يتعلق بالضغوط السياسية والقانونية وصعوبة الوصول إلى المعلومات، خصوصاً في المناطق الخاضعة لنفوذ أطراف مسلحة أو في الملفات المرتبطة بالفساد والأمن.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 واتساع المواجهات على الحدود اللبنانية، دخل الصحفيون في لبنان مرحلة خطرة من العمل الميداني، فقد أصبحت مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية ومحيط الحدود مساحات تغطية عالية المخاطر، حيث تتداخل الضربات الجوية والقصف المدفعي مع صعوبة التنقل، وانهيار شروط الأمان، وغياب ضمانات حقيقية لحماية الطواقم الصحفية.
وتقول لجنة حماية الصحفيين إن إسرائيل قتلت 15 صحفياً وعاملاً إعلامياً في لبنان منذ 7 أكتوبر 2023، معتبرة أن هناك نمطاً متصاعداً من الهجمات الإسرائيلية على الصحفيين في لبنان.
استهداف موثق
أبرز محطات هذا المسار كانت هجوم 13 أكتوبر 2023 في جنوب لبنان الذي قُتل فيه الصحفي في وكالة رويترز عصام عبد الله وأُصيب ستة صحفيين آخرون من رويترز ووكالة الصحافة الفرنسية.
وخلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن ضربتين إسرائيليتين في ذلك اليوم شكلتا على ما يبدو هجوماً متعمداً على مدنيين، وبالتالي قد ترقى إلى جريمة حرب.
وتوصل تحقيق لوكالة رويترز إلى أن دبابة إسرائيلية أطلقت قذيفتين متتاليتين من داخل إسرائيل باتجاه مجموعة الصحفيين أثناء تصويرهم القصف المتبادل عبر الحدود.
كما أفادت رويترز، نقلاً عن تحقيق لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”، بأن دبابة إسرائيلية أطلقت قذائف عيار 120 ملم على مجموعة صحفيين كان واضحاً أنهم صحفيون، وأنه لم يكن هناك تبادل نيران عبر الحدود خلال الأربعين دقيقة السابقة للهجوم، واعتبر تقرير يونيفيل أن الواقعة شكلت انتهاكاً للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن 1701.
جريمة حرب محتملة
منظمة العفو الدولية اعتبرت أن الهجوم على الصحفيين في جنوب لبنان يجب أن يُحقق فيه باعتباره جريمة حرب محتملة، مؤكدة أن الهجمات المباشرة على المدنيين والهجمات العشوائية محظورة تماماً بموجب القانون الدولي الإنساني ويمكن أن ترقى إلى جرائم حرب.
وفي السياق نفسه، قالت هيومن رايتس ووتش إن الصحفيين كانوا بعيدين عن الأعمال القتالية وقت استهدافهم، وإن الأدلة المتاحة لا تشير إلى وجود هدف عسكري قريب، ما يعزز المخاوف من أن يكون الاستهداف متعمداً.
هذه الخلاصات الحقوقية تضع لبنان ضمن ساحة أوسع من النقاش الدولي حول حماية الصحفيين في النزاعات المسلحة، خصوصاً في ظل ارتفاع أعداد القتلى من الصحفيين في غزة ولبنان ومناطق أخرى منذ أكتوبر 2023.
تصعيد 2026
استمر الخطر على الصحفيين في لبنان خلال عام 2026. ففي 22 أبريل 2026، أدانت اليونسكو مقتل الصحفية آمال خليل في بلدة الطيري بجنوب لبنان، وطلبت إجراء تحقيق، وسجل مرصد اليونسكو للصحفيين القتلى الواقعة باعتبارها حالة قتل في منطقة نزاع، مرتبطة بتغطية “الصراع والأزمات”.
ودعت لجنة حماية الصحفيين إلى تحقيق دولي عاجل في مقتل آمال خليل، ووضعت الحادثة ضمن نمط أوسع من استهداف الصحفيين في لبنان منذ أكتوبر 2023.
كما أدانت المملكة المتحدة وفنلندا، بصفتهما رئيسين مشاركين في تحالف حرية الإعلام، الهجمات على الصحفيين في لبنان بعد مقتل آمال خليل، ووصفتا استهداف الصحفيين بأنه غير مقبول، ودعتا إلى ضمان سلامة العاملين في الإعلام.
القانون الدولي
بموجب القانون الدولي الإنساني، يُعامل الصحفيون الذين يغطون النزاعات المسلحة معاملة المدنيين، ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. وبالتالي فإن استهدافهم عمداً، أو شن هجمات عشوائية تؤدي إلى قتلهم أو إصابتهم، يمكن أن يشكل جريمة حرب.
وتزداد خطورة الوضع عندما يكون الصحفيون واضحين بهويتهم المهنية أو يعملون ضمن مواقع معروفة أو خارج نطاق الاشتباك المباشر، في هذه الحالات، لا يكفي الادعاء العام بوجود خطر عسكري قريب، بل يصبح واجب التحقيق المستقل والشفاف أكثر إلحاحاً.
غياب المساءلة هو جوهر الأزمة. فالمنظمات الحقوقية لا تكتفي بتوثيق القتل والإصابات، بل تشير إلى أن استمرار عدم المحاسبة يخلق مناخاً يسمح بتكرار الانتهاكات، ويحول الصحفيين إلى أهداف سهلة في النزاعات.
مؤشر الحرية
رغم أن لبنان يتمتع تاريخياً بهامش إعلامي أوسع من كثير من دول المنطقة، فإن هذا الهامش لا يعني بيئة آمنة، في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن مراسلون بلا حدود، جاء لبنان في المرتبة 115 من أصل 180 دولة، بعد أن كان في المرتبة 132 عام 2025، أي إنه تقدم 17 مرتبة، لكن المؤشر لا يزال يضعه ضمن بيئة تعاني مشكلات واضحة في حرية الإعلام.
وتشير مراسلون بلا حدود إلى أن صحفيين في لبنان قُتلوا في أكثر من مناسبة خلال ضربات إسرائيلية على الحدود منذ 2023، وأن كثيرين تعرضوا للنزوح القسري خلال الحرب، في حين تلقى بعضهم تهديدات مباشرة.
ولا يقتصر وضع الصحفيين في لبنان على الخطر العسكري. فالبيئة الداخلية تشهد بدورها ضغوطاً قانونية وسياسية متكررة، خصوصاً من خلال الاستدعاءات القضائية والتحقيقات المرتبطة بالنشر أو النقد السياسي أو ملفات الفساد.
وتصف منظمات حرية الصحافة لبنان بأنه بلد تتعايش فيه تعددية إعلامية واضحة مع هشاشة قانونية ومؤسسية. فالصحفي قد يمتلك مساحة للنقد، لكنه يظل عرضة لاستدعاءات أو ضغوط أو حملات تشهير، خاصة عندما تمس التغطية مصالح قوى سياسية أو أمنية أو اقتصادية.
كما أن الوصول إلى مناطق معينة، خصوصاً في الجنوب أو مناطق نفوذ أطراف مسلحة، لا يخضع دائماً لمعايير صحفية مستقلة، بل يتأثر باعتبارات أمنية وسياسية، ما يحد من قدرة الإعلام على التوثيق المستقل في لحظات الحرب.
أثر النزوح
أدت الحرب إلى تهجير واسع في لبنان، وهو ما انعكس على الصحفيين أيضاً؛ فالنزوح لا يمس المدنيين فقط، بل يطول غرف الأخبار المحلية، والمراسلين المستقلين، والمصورين، والعاملين في المؤسسات الإعلامية الذين يفقدون القدرة على الوصول إلى منازلهم أو معداتهم أو مصادرهم.
هذا الوضع يخلق مشكلتين: الأولى مهنية؛ لأن التغطية تصبح أكثر اعتماداً على مصادر محدودة أو صور غير مكتملة، والثانية إنسانية؛ لأن الصحفي نفسه يصبح جزءاً من الأزمة التي يغطيها، يعيش تحت القصف أو النزوح أو فقدان الدخل.
وأحد أخطر جوانب المشهد في لبنان هو استخدام الانتماء السياسي أو هوية المؤسسة الإعلامية لتبرير المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون، فبعض الصحفيين يعملون في وسائل إعلام حزبية أو قريبة من قوى سياسية، لكن القانون الدولي لا يسقط عنهم الحماية المدنية بسبب طبيعة المؤسسة التي يعملون فيها.
القاعدة القانونية الأساسية هي أن الحماية تُفقد فقط عند المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، وليس بسبب الانتماء الإعلامي أو الخط التحريري. لذلك فإن أي استهداف يجب أن يُقيّم وفق أدلة واضحة ومحددة، لا وفق افتراضات سياسية عامة.
فجوة العدالة
رغم تعدد التحقيقات الحقوقية والصحفية والدولية، لا تزال المساءلة محدودة. فالهجوم الذي قتل عصام عبد الله عام 2023، والهجمات اللاحقة التي طالت صحفيين في لبنان، ما زالت موضع مطالبات بالتحقيق والمحاسبة.
وتؤكد لجنة حماية الصحفيين ومنظمات حقوقية أن التحقيقات الداخلية التي تجريها الأطراف العسكرية المتهمة لا تكفي وحدها، وأن المطلوب هو تحقيق مستقل، شفاف، وذو صلاحيات واضحة، ما يضمن عدم تحول الحوادث إلى ملفات مغلقة بلا نتائج.
ويعكس وضع الصحفيين في لبنان أزمة مركبة.. بلد يمتلك تقاليد إعلامية تعددية نسبياً، لكنه أصبح ساحة عمل خطرة في ظل الحرب، في حين لم تتطور آليات الحماية والمحاسبة بما يوازي حجم المخاطر.
