بيثاني ماندل*
في 17 مايو 2025، التقط نيكولاس تومينو، الذي يعمل الآن محرراً في صحيفة واشنطن بوست، صورة لصديقه دوفي آيزنر وهو يحمل نسخة من نيويورك بوست تحمل اسمه ككاتب للمقال.
كان ذلك لحظة فخر بالنسبة إلى آيزنر، وهو رجل من نيويورك يعاني إعاقة بالغة، وكان قد كتب مقالاً مؤثراً يعارض فيه مشروع قانون في الولاية يسمح بالانتحار بمساعدة طبية، وهو القانون الذي أصبح سارياً منذ ذلك الحين.
كتب آيزنر: “وُلدت مصاباً بمرض عصبي عضلي وراثي متنحٍ يسمى اعتلال العضلات النيماليني.. أستخدم جهاز تنفس محمولاً وأسير على كرسي متحرك كهربائي.. لست في مرحلة مرضية نهائية، لكن جسدي كثيراً ما يبدو وكأنه سترة مقيدة.. وبإرادة الله، لا يزال أمامي عقدان آخران من الحياة”.
وفي اليوم التالي، أدى خلل في جهاز التنفس الخاص به إلى فقدانه الوعي، وتوفي الأسبوع الماضي عن عمر لم يتجاوز 35 عاما.ً
وفي الشهر الماضي، دخل قانون نيويورك الخاص بالمساعدة الطبية على الموت حيز التنفيذ، وهو القانون نفسه الذي حذر آيزنر من تبعاته.
ورغم حياته الهادئة والبسيطة في بروكلين، داخل أسرة يهودية شديدة التدين، تمكن آيزنر، بفضل ذكائه ومثابرته وإرادته الصلبة، من تكوين صداقات مع بعض أكثر الشخصيات تأثيراً في الأوساط السياسية المحافظة.
ومنذ وفاته، قدم مفكرون بارزون، من بينهم الأستاذ في جامعة برينستون روبرت جورج، وراميش بونورو من صحيفة واشنطن بوست، تأملاتهم في حياته، إلى جانب نعي له نشرته كل من “أنهيرد” وفوكس نيوز وناشيونال ريفيو.
ورغم أن عالم آيزنر الجسدي كان شديد القيود، فإنه بنى عالماً فكرياً واجتماعياً واسعاً على نحو لافت، وفندت حياته عملياً حجج الداعين إلى قوانين الانتحار بمساعدة طبية.
شهدت حياته على حقيقة أن لحياة الأشخاص ذوي الإعاقة قيمة، وأن الحياة التي تمتلئ بالألم والقيود يمكن أن تظل، مع ذلك، جديرة جداً بأن تعاش.
وتزداد أهمية هذه الرسالة مع استمرار اتساع الحدود المحيطة بالموت بمساعدة طبية في أماكن أخرى.
وفي الأسبوع نفسه الذي توفي فيه آيزنر، ظهرت تقارير تفيد بأن أول طفل صغير في هولندا تعرض للقتل الرحيم منذ أن وسعت البلاد قواعد القتل الرحيم لتشمل الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاما.ً
وفي إسبانيا العام الماضي، حصلت نويلّيا كاستيو، وهي امرأة تبلغ 25 عاماً، على “الحق” في الموت بعد معركة قضائية طويلة مع والديها.
وكانت كاستيو قد حاولت الانتحار عدة مرات، بعدما عانت مرضاً نفسياً، وأفادت بأنها تعرضت لاعتداء جنسي.. كان ينبغي للمجتمع أن يوفر لها الحماية والعلاج النفسي والدعم، لكن القصة تحولت بدلاً من ذلك إلى معركتها من أجل الحصول على إذن بالموت.
وفي كندا، تبدو القصة أكثر إثارة للقلق، فبحسب ما كتبت روبـا سوبـرامانيا العام الماضي: “واحدة من كل 20 حالة وفاة في كندا تحدث بسبب برنامج الانتحار بمساعدة طبية الذي تديره الحكومة”.
وفي أونتاريو وحدها، حصل 219 شخصاً في عام 2023 على المساعدة الطبية للموت بحلول نهاية اليوم التالي لطلبها، في حين حدث نحو 30% من حالات الوفاة تلك في اليوم نفسه الذي طلبوا فيه المساعدة.
وتشير أبحاث إلى أن محاولات الانتحار غالباً ما يندم عليها الأشخاص الذين ينجون منها، وهي نقطة مهمة بالنظر إلى مدى استعجال كثير من هذه الحالات.
وفي ضوء معاناته واعتماده على الآخرين، عاش آيزنر على الجانب الآخر من الخط الذي يرسمه مؤيدو الانتحار بمساعدة طبية عندما يتعلق الأمر بتحديد أي الأرواح تستحق الحياة.
فلم يكن يستطيع التنفس من دون مساعدة ميكانيكية، ولم يكن يستطيع التنقل من دون كرسي متحرك كهربائي، وكان جسده، بحسب تعبيره هو نفسه، قد يبدو وكأنه “سترة مقيدة”.. ومع ذلك، كان يريد المزيد من الوقت.
وهنا تكمن قوة شهادته، فقد اختار آيزنر الحياة بحماس في كل مرة غادر فيها منزله.
وفي الليلة التي سبقت دخوله في الغيبوبة، سجل مقطع فيديو يشرح فيه كيفية إعادة توصيل جهاز التنفس الخاص به وإصلاحه في حالة الطوارئ لشخص لا يعرف كيفية التعامل معه.
وسرعان ما أدرك أصدقاؤه مدى استشراف تلك الغريزة للحظة التي سيحتاجون فيها إليها، وتذكر الذين قضوا وقتاً معه أيضاً أمراً يبدو الآن عميق الدلالة، وهو مدى تقديره العميق لأبسط ملذات الحياة.
وكان حسابه على إنستغرام مليئاً بصور الزهور والقطط، ونزهاته مع الأصدقاء، ولقاءاته مع شخصيات شهيرة مثل كيلسي غرامر وصديقه ريك سانتوروم.. لم يكن هذا رجلاً ينتظر الموت، كان منشغلاً جداً بالحياة.
وحذر آيزنر في مقاله بصحيفة نيويورك بوست قائلاً: “يقود منطق الانتحار بمساعدة طبية حتماً إلى استنتاج مفاده أن أولئك الذين حدد لهم الأطباء موعداً لانتهاء حياتهم يعيشون حياة لا تستحق أن تعاش”، ورفض المشرعون في نيويورك تحذيره.
لكن آيزنر ترك وراءه شيئاً أقوى من مجرد حجة، إذ ترك دليلاً امتد على مدى 35 عاماً من حياته.
كان دوفي آيزنر يخشى مجتمعاً يزداد استعداداً لإخبار أشخاص يعيشون في أجساد مثل جسده بأن الموت يمكن أن يكون فعلاً من أفعال الكرامة.
لكن حياته نفسها قدمت الإجابة، فالكرامة لا تكمن أبداً في الموت، وإنما في الإصرار على الحياة، كاملة وبحماس.
* نيويورك بوست
ترجمة: زينب مكي
