منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرائق الغاز في العراق.. نزيف اقتصادي وتداعيات بيئية متفاقمة

29 مايو 2026

تتشبع سماء المدن النفطية جنوب العراق بالأدخنة والغيوم، إذ لا تغيب ألسنة اللهب المتصاعدة من الحقول النفطية، حتى باتت مشاهد احتراق الغاز جزءاً يومياً من حياة السكان.

وبينما تُهدر مليارات الأمتار المكعبة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، تتصاعد في المقابل المخاوف البيئية والصحية من استمرار هذه الظاهرة التي وضعت العراق في المرتبة الثالثة عالمياً في حرق الغاز، بعد روسيا وإيران، وفق تقديرات البنك الدولي.

ورغم أن العراق يمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، فإنه لا يزال يحرق كميات هائلة من الغاز المصاحب بدل استثماره في إنتاج الكهرباء أو دعم الصناعة المحلية، ما يحول الثروة الطبيعية إلى مصدر تلوث وخسائر اقتصادية متفاقمة.

ولا يمثل استمرار حرق الغاز مجرد هدر للطاقة، بل يشكل أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل الفساد وضعف البنية التحتية والتأخر في تنفيذ مشاريع الاستثمار، إلى جانب غياب سياسات بيئية صارمة قادرة على الحد من الانبعاثات الملوثة.

ويُنتج الغاز المصاحب خلال عمليات استخراج النفط الخام، وفي كثير من الدول يجري جمعه ومعالجته للاستفادة منه في توليد الطاقة أو الصناعات البتروكيماوية، لكن في العراق ما تزال كميات كبيرة منه تُحرق مباشرة في الهواء، خصوصاً في محافظات البصرة وميسان وذي قار.

وتشير تقديرات دولية إلى أن العراق يحرق نحو 10% من إجمالي الغاز المحروق عالمياً، وهو ما يضعه ضمن أكثر الدول إسهاماً في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

ويخسر العراق سنوياً مليارات الدولارات نتيجة حرق الغاز بدل استثماره، في حين تستورد البلاد الغاز من الخارج لتشغيل محطات الكهرباء، في الوقت الذي تُحرق فيه كميات ضخمة من الغاز المحلي.

وفي المناطق القريبة من الحقول النفطية، لا تبدو أزمة حرق الغاز مجرد أرقام اقتصادية، بل واقع يومي ينعكس على صحة السكان وجودة حياتهم، فالدخان الكثيف والروائح والانبعاثات السامة أصبحت جزءاً من المشهد المعتاد في عدد من المدن الجنوبية.

المرتبة الثالثة عالمياً

وتؤكد تقارير صادرة عن البنك الدولي أن العراق لا يزال ضمن أكثر دول العالم حرقاً للغاز، إذ احتل خلال السنوات الأخيرة المرتبة الثالثة عالمياً بعد روسيا وإيران، مع حرق ما يقارب 17 إلى 18 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز المصاحب.

ورغم امتلاك العراق واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، فإن كميات هائلة من الغاز المصاحب تُهدر يومياً عبر الحرق المباشر بدلاً من استثمارها في تشغيل محطات الكهرباء أو دعم الصناعات البتروكيماوية.

ويأتي ذلك في وقت تستورد فيه بغداد الغاز من الخارج لتغطية جزء من احتياجاتها الكهربائية، الأمر الذي يفاقم الخسائر الاقتصادية ويزيد الضغط على الموازنة العامة.

ولا تقتصر الأزمة على البعد الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى آثار بيئية وصحية خطيرة تهدد سكان المناطق القريبة من الحقول النفطية، فالتقارير البيئية تشير إلى ارتفاع مستويات الملوثات الدقيقة والمواد المسرطنة في الهواء المحيط بمناطق حرق الغاز، خصوصاً في محيط حقل الرميلة النفطي، حيث سجلت معدلات تلوث تتجاوز بكثير الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية.

كما ترتبط الانبعاثات الناتجة عن الحرق بزيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطان بين السكان المحليين.

ويُنتج الغاز المصاحب خلال عمليات استخراج النفط الخام، وفي العديد من الدول يُجمع هذا الغاز ويُعاد تدويره للاستفادة منه في إنتاج الطاقة والصناعات المختلفة، غير أن العراق لا يزال يعاني من ضعف البنية التحتية وتأخر تنفيذ مشاريع استثمار الغاز، إلى جانب تحديات الفساد الإداري وغياب السياسات البيئية الصارمة القادرة على الحد من الانبعاثات الملوثة.

وتسعى الحكومة العراقية خلال السنوات الأخيرة إلى تقليل معدلات الحرق عبر مشاريع مشتركة مع شركات دولية لاستثمار الغاز المصاحب، إلا أن التقدم المحقق ما يزال محدوداً مقارنة بحجم الإنتاج النفطي الكبير، في حين تبقى ألسنة اللهب المشتعلة في الحقول الجنوبية شاهداً يومياً على استمرار هدر مورد استراتيجي كان يمكن أن يتحول إلى ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد والطاقة في البلاد.

الصفر المطلق

قال المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية والخبير النفطي عاصم جهاد، في حديثه لـ“صفر”، إن الخطاب الرسمي بشأن إنهاء أزمة حرق الغاز شهد تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أنه في الوقت الذي كانت فيه التصريحات الحكومية السابقة تتحدث عن تصفير حرق الغاز بحلول عام 2028، امتد السقف الزمني في تصريحات وزير النفط الحالي إلى عام 2030، أي إلى ما بعد عمر الحكومة الحالية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى وجود رؤية استراتيجية مستقرة ومتكاملة، أو ما إذا كانت التقديرات السابقة غير واقعية قياساً بحجم التحديات التنفيذية.

وأضاف جهاد أن الحديث عن الإيقاف الكامل لحرق الغاز يحتاج إلى قدر كبير من الواقعية من الناحية الفنية؛ لأن إنتاج الغاز المصاحب يرتبط مباشرة بإنتاج النفط الخام، موضحاً أن أي زيادة في إنتاج النفط تعني بالضرورة زيادة في كميات الغاز المصاحب، وهو ما يتطلب توسعاً متوازياً في قدرات الجمع والمعالجة والنقل والاستثمار.

وأشار إلى أن جزءاً محدوداً من عمليات الحرق يبقى مرتبطاً بمتطلبات السلامة التشغيلية وحالات الطوارئ، مؤكداً أن الهدف الواقعي لا يتمثل في إطفاء كل شعلة، بل في تقليص الحرق إلى أدنى المستويات الممكنة وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الغاز.

وأوضح جهاد أن فكرة “الصفر المطلق” في حرق الغاز أقرب إلى شعار سياسي منها إلى توصيف تقني واقعي؛ لأن الغاز المصاحب يرتبط عضوياً بإنتاج النفط الخام، مضيفاً أن أي زيادة في إنتاج النفط يجب أن تسبقها أو ترافقها منظومات متكاملة لجمع الغاز ومعالجته وضغطه ونقله واستهلاكه.

وبحسب جهاد، فإن البيانات الرسمية تشير إلى أن العراق حقق تقدماً نسبياً في استثمار الغاز، إذ تتحدث وزارة النفط عن استثمار نحو 72% من الغاز المصاحب، إلا أن هذا الرقم لا يعني انتهاء الأزمة، بسبب استمرار الفجوة بين حجم الإنتاج المتاح والطاقة الاستيعابية الفعلية للمشاريع القائمة.

وأضاف: “يكفي النظر إلى شركة غاز البصرة التي تُعد المشروع الأهم في هذا الملف، إذ كان الحديث منذ سنوات عن رفع الطاقة الإنتاجية إلى ما يقارب ألفي مليون قدم مكعب قياسي يومياً، في حين لا يزال الإنتاج الفعلي يدور بحدود 1000 إلى 1200 مليون قدم مكعب يومياً، ما يعكس تأخراً واضحاً في تحقيق الأهداف المعلنة”.

وأوضح جهاد أن التحديات التي تواجه مشاريع استثمار الغاز متعددة، وتشمل عوامل فنية تتعلق بمحدودية منشآت المعالجة وشبكات النقل والربط بين الحقول، إلى جانب تحديات مالية ترتبط بالحاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات وسط تقلبات الإيرادات النفطية والضغوط المالية.

تعقيدات بيروقراطية

وأضاف المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، أن هناك “تعقيدات إدارية وبيروقراطية تتعلق ببطء اتخاذ القرار، وتعقيدات العقود والإحالات والتنفيذ”، فضلاً عن تأثير الظروف الأمنية واللوجستية وتأخر وصول المعدات واضطرابات سلاسل التوريد.

وأشار إلى وجود عامل آخر قد يؤدي إلى تعميق الأزمة، يتمثل في أن أي تراجع في مستويات إنتاج النفط أو تغير في الكميات المنتجة قد يُستخدم مبرراً لإعادة جدولة المشاريع أو تمديد فترات تنفيذها، بحجة تغير الجدوى الاقتصادية أو الحاجة إلى إعادة مواءمة القدرات التصميمية، محذراً من أن ذلك قد يطيل عمر الأزمة بدلاً من حلها.

وأكد جهاد أن كلفة حرق الغاز لا تقتصر على الجانب البيئي، بل تمتد إلى خسائر اقتصادية ضخمة، موضحاً أن العراق يخسر مليارات الدولارات سنوياً من مورد يمكن استثماره في تشغيل محطات الكهرباء وتقليل الاستيراد ودعم الصناعات البتروكيماوية والأسمدة.

وأضاف أن عمليات الحرق تؤدي بيئياً إلى انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون والملوثات الأخرى، في حين تتحمل المناطق القريبة من الحقول النفطية، خصوصاً في جنوب العراق، أعباء تلوث الهواء وما يرتبط به من آثار صحية متفاقمة.

وتابع: “إذا اعتمدنا تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى أن العراق أحرق خلال السنوات الأخيرة ما بين 17 و18 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز المصاحب، فإن ذلك يعادل أكثر من 1.7 مليار قدم مكعب يومياً، وهي كمية تكفي لتشغيل جزء كبير من محطات الكهرباء العراقية أو تقليل الاعتماد على الاستيراد بصورة جوهرية”.

وأوضح أن “القيمة السوقية المباشرة لهذا الغاز، وفق أسعار متحفظة، تتجاوز ما بين 3 و5 مليارات دولار سنوياً، في حين قد ترتفع الخسائر الاقتصادية الفعلية إلى أكثر من 8 إلى 10 مليارات دولار سنوياً عند احتساب الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالطاقة والصناعة والبيئة”.

وفيما يتعلق بتأثير الحرب والتوترات الإقليمية في مشاريع استثمار الغاز، أكد جهاد أن الأوضاع الأمنية تسهم بشكل مباشر في تعطيل وتأخير تنفيذ المشاريع، وترفع من حجم الخسائر والكلف المالية.

وخلص جهاد إلى أن “الفجوة بين الوعود الحكومية والواقع التنفيذي قد تتسع أكثر إذا استمرت تقلبات إنتاج النفط أو تراجع مستوياته، وما يرافق ذلك من انخفاض في كميات الغاز المحروق أو المستثمر؛ لأن هذه المتغيرات قد تُستخدم لاحقاً مبرراً لإعادة جدولة المشاريع وإطالة أمد تنفيذها”.

القدرات التقنية

من جانبه، قال المحلل السياسي العراقي حسين السبعاوي لـ”صفر” إن قضية حرق الغاز في العراق قديمة ومزمنة، مشيراً إلى أن العراق قد لا يمتلك القدرة التقنية الكافية لاستثمار هذا النوع من الغاز بشكل مباشر، إلا أن الشركات العالمية تمتلك الإمكانات اللازمة لاستثماره بدلاً من حرقه، ما يتيح للعراق الاستفادة منه اقتصادياً.

وأضاف أن السؤال الأهم يتمثل في مدى وجود إرادة حقيقية لاتخاذ مثل هذا القرار، مستبعداً تحقق ذلك في الوقت الراهن، على حد تعبيره، بسبب تأثير العوامل الخارجية، ولا سيما الدورين الإيراني والأمريكي اللذين قال إنهما يؤثران بشكل كبير في القرارات المرتبطة بملف الطاقة في العراق، ما يجعل من الصعب استثمار الغاز المصاحب بدلاً من حرقه.

وأشار السبعاوي إلى أن العراق، كغيره من الدول النفطية، يسهم في التلوث البيئي الناتج عن قطاع الطاقة، إلا أن جوهر المشكلة، بحسب رأيه، يكمن في عدم استثمار الغاز المحلي، مقابل استمرار الاستيراد من إيران وقطر ودول أخرى.

وأوضح أن أزمة الكهرباء في العراق ترتبط بشكل مباشر بنقص إمدادات الغاز، لافتاً إلى أن نسب انقطاع التيار الكهربائي قد تصل أحياناً إلى ما بين 40 و50% نتيجة فقدان الغاز اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء.

وشدد السبعاوي على أن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة سياسية وقراراً مستقلاً، إلى جانب التعاون مع الشركات المتخصصة، وعدم التفريط في الثروة الغازية العراقية، مؤكداً أن نجاح هذا المسار مرهون بتوافر توازن بين القرار السياسي العراقي والعوامل الخارجية، سواء من خلال الحد من التدخلات أو إبرام عقود عادلة ومنصفة للطرفين.

كما أشار إلى أن حكومة علي الزيدي الجديدة قادرة على اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه؛ نظراً لأهمية الملف على المستوى الاقتصادي، خاصة في ظل أزمة الكهرباء والتحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وأضاف أن الزيدي، بصفته رجل أعمال ويتمتع بخبرة في هذا المجال، يمكنه، بالتنسيق مع وزارات النفط والكهرباء والصناعة، العمل على إبرام عقود تحقق منفعة متوازنة للعراق والشركات المنفذة، ما يسهم في إنهاء الأزمة، مرجحاً أن عام 2028 قد يشهد حل هذه الأزمة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والخطط التنفيذية اللازمة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان