منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حتى لو اختلفت مع «إلبيت الأربعة».. يجب أن تغضب للطريقة التي عوملوا بها أمام القانون

21 يونيو 2026
رسم توضيحي: مات كينيون/صحيفة الغارديان
رسم توضيحي: مات كينيون/صحيفة الغارديان

جيفري روبرتسون

يمكنني أن أتعاطف أو أختلف مع أساليب مجموعة «إلبيت الأربعة»، لكن ما لا يمكن القبول به هو الطريقة التي عوملوا بها قانونياً. فالقضية لا تتعلق فقط بنشطاء اقتحموا مصنعاً للأسلحة احتجاجاً على الحرب في غزة، بل تمس مبادئ راسخة في القانون الإنجليزي عمرها أكثر من ثلاثة قرون.

في عام 1670 شهدت إحدى محاكم لندن واقعة أصبحت علامة فارقة في تاريخ العدالة البريطانية. فقد غضب القاضي من هيئة المحلفين لأنها رفضت إدانة الواعظ الكويكري ويليام بن بتهمة التحريض على الفتنة، فأمر بحبس المحلفين يومين كاملين من دون طعام أو ماء. لكن رئيس هيئة المحلفين، إدوارد بوشل، تمسك بموقفه، وعندما وصلت القضية إلى كبير قضاة إنجلترا، صدر حكم تاريخي أكد أن المحلف لا يمكن معاقبته بسبب رفضه الإدانة، وأن لهيئة المحلفين الحق في إصدار حكمها وفقاً لضميرها مهما كانت توجيهات القاضي. ولا يزال اسم بوشل مخلداً حتى اليوم بلوحة تذكارية في محكمة أولد بيلي الشهيرة.

هذا المبدأ ظل قائماً طوال ثلاثة قرون ونصف القرن. وخلال أكثر من خمسين عاماً من عملي القانوني شاهدت مراراً هيئات محلفين تصدر أحكام براءة بدافع التعاطف مع متهمين رأت أنهم تعرضوا لملاحقات ظالمة أو تعسفية. ومع ذلك، نادراً ما يذكّر المحامون المحلفين صراحة بهذا الحق؛ لأن الأعراف المهنية تحذر من دعوة المحلفين إلى تجاهل القسم الذي أدوه بالحكم استناداً إلى الأدلة.

هذا الحق التاريخي يقع في صميم قضية «إلبيت الأربعة» الذين صدرت بحقهم الأسبوع الماضي أحكام بالسجن تجاوز مجموعها 22 عاماً. فالمجموعة تضم ليونا كاميو، وهي معلمة حضانة تبلغ من العمر 30 عاماً، وصامويل كورنر (23 عاماً)، وفاطمة رجواني (21 عاماً)، وهما طالبان جامعيان، وشارلوت هيد (30 عاماً)، وهي موظفة تعمل في دعم ضحايا العنف الأسري. وقد اقتحم الأربعة مصنعاً تابعاً لشركة Elbit Systems الإسرائيلية المصنعة للطائرات المسيّرة.

ويعد هؤلاء جزءاً من مجموعة كبرى تعرف باسم «فيلتون 25»، تضم أكثر من 25 شخصاً يحاكمون بسبب اقتحام مصنع أسلحة في منطقة فيلتون قرب بريستول أو بسبب صلتهم بالعملية. وقد وزعت محاكماتهم على أربع قضايا منفصلة.

المثير أن المجموعة الأولى من المتهمين خضعت لمحاكمتين وليس لمحاكمة واحدة. ففي المحاكمة الأولى واجهوا عدة اتهامات، أخطرها السرقة المشددة. وخلال المرافعات ذكّر محاميهم الرئيسي راجيف مينون هيئة المحلفين بحقها التاريخي في إصدار حكم بالبراءة، ودعاها إلى التفكير في الاستخدامات التي توظف فيها الطائرات المسيّرة المنتجة في المصنع.

لكن القاضي جونسون اعتبر أن المحامي تجاوز الحدود، وأحال الأمر إلى المحكمة العليا للنظر في إمكانية محاكمته بتهمة ازدراء المحكمة بسبب إشارته إلى حق هيئة المحلفين في التبرئة. ورغم ذلك، انتهت هيئة المحلفين إلى تبرئة المتهمين من تهمة السرقة المشددة، لكنها لم تتمكن من التوصل إلى قرار بشأن بقية الاتهامات.

قررت النيابة العامة إعادة المحاكمة، وتولى القاضي نفسه رئاسة الجلسات مجدداً. هذه المرة اقتصرت القضية على تهمة الإضرار الجنائي بالممتلكات، وهي جريمة غالباً ما يعاقب عليها بغرامة أو بالسجن لفترة لا تتجاوز نحو 18 شهراً. لكن المتهمين كانوا قد أمضوا بالفعل أكثر من 18 شهراً رهن الحبس الاحتياطي قبل صدور الحكم.

وفي نهاية المطاف أدين الأربعة بتهمة الإضرار الجنائي.

أحد المتهمين أدين أيضاً بإحداث أذى جسدي جسيم من دون نية مسبقة، بعدما أصاب شرطية بمطرقة ثقيلة. وقد أوضح أنه كان مرتبكاً بعد تعرضه لرذاذ الفلفل الذي أطلقته الشرطية، وأنه لوّح بالمطرقة لحماية أحد زملائه فأصابها بالخطأ. ومع ذلك، حُكم عليه بالسجن سبع سنوات وثمانية أشهر.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن أن تؤدي جريمة إتلاف ممتلكات إلى عقوبة تقترب من ثماني سنوات؟

الجواب يكمن في قرار صدر خلال جلسة سرية أثناء المحاكمة الأولى، حين اعتبر القاضي أن الاحتجاج يحمل «صلة بالإرهاب». وكان ذلك قراراً غير مسبوق في تاريخ قضايا العمل الاحتجاجي المباشر. واستند القاضي إلى أن هدف المتهمين كان «التأثير في الحكومة البريطانية»، وهو هدف يكاد ينطبق على معظم أشكال الاحتجاج السياسي.

الأخطر أن هذا القرار ظل سرياً، فلم تعلم به هيئة المحلفين، كما مُنعت وسائل الإعلام البريطانية من نشر تفاصيله.

في الواقع، لم يكن هناك إرهاب بالمعنى المتعارف عليه للكلمة؛ فلم يكن الهدف قتل أحد أو إصابته، بل لفت الانتباه إلى ما يراه المحتجون تواطؤاً بريطانياً في قتل الفلسطينيين. لكن قانون العقوبات الصادر عام 2020 وسّع تعريف الإرهاب بصورة كبيرة، ما أتاح للقاضي تشديد العقوبات إلى حد بعيد.

وبموجب هذا التصنيف، سيقضي المتهمون فترات طولى في السجن قبل أن يصبحوا مؤهلين للإفراج المشروط، كما سيبقون لمدة 15 عاماً ضمن قوائم تجعلهم محل اشتباه أمني في قضايا إرهابية حقيقية.

المفارقة أن «إلبيت الأربعة» سيحملون عملياً وصمة «الإرهابيين» رغم أنهم لم يُتهموا أصلاً بارتكاب جريمة إرهابية، ولم تعرض مثل هذه التهمة على هيئة المحلفين، ولم تثبتها النيابة العامة أمام المحكمة.

فالمحلفون الذين أدانوهم بالإضرار الجنائي لم يكونوا يعلمون أن حكمهم سيُستخدم لاحقاً أساساً لتوصيف القضية بأنها مرتبطة بالإرهاب. كما لم تكن النيابة مطالبة بإثبات هذه الصلة وفق معيار «ما وراء الشك المعقول» أو أي معيار إثبات آخر.

وهنا يبرز مبدأ أساسي آخر من مبادئ القانون الإنجليزي: لا يجوز إدانة شخص بجريمة لم تُوجَّه إليه رسمياً ولم تُثبت ضده أمام المحكمة. لكن هذا المبدأ جرى تجاوزه في هذه القضية.

كما أن السرية التي أحاطت بالإجراءات تزيد من خطورة الأمر، فمبدأ علنية العدالة وجد، كما قال الفيلسوف القانوني جيريمي بنثام، لأن «العلنية هي روح العدالة ذاتها، فهي تجعل القاضي نفسه خاضعاً للمساءلة أثناء ممارسته سلطته».

وفي تطور لاحق، ألغت محكمة الاستئناف قرار القاضي بإحالة المحامي راجيف مينون للمحاكمة بتهمة ازدراء المحكمة. ورأت المحكمة أن هذا القرار كان خاطئاً، ما دفع القاضي إلى تقديم اعتذار رسمي. لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في نظر القضية وإصدار الأحكام على موكلي مينون بعد إدانتهم في المحاكمة الثانية.

كل ذلك يعيدنا إلى إدوارد بوشل وإلى السؤال الجوهري: ما الغرض من وجود هيئة المحلفين أصلاً؟

لقد مُنحت هيئات المحلفين تاريخياً سلطة التخفيف من قسوة القانون عبر الرحمة والضمير، باعتبارها إحدى أقدم الضمانات ضد تغول الدولة. لكن المشكلة أن القضاة نادراً ما يخبرون المحلفين صراحة بأن هذه السلطة موجودة، ما يترك المحامين يلجؤون إلى التلميح بدلاً من التصريح.

أتذكر قضية دافع فيها المحامي الشهير إدوارد مارشال هول عن امرأة قتلت رجلاً اعتاد ضربها يومياً طوال حياتهما المشتركة. وأنهى مرافعته قائلاً للمحلفين: «انظروا إليها فقط… لقد حرمها الله من أي فرصة عادلة في الحياة. فهل ستحرمونها أنتم أيضاً؟» فكانت النتيجة البراءة.

من وجهة نظري، سيكون أكثر شفافية أن يُسمح للقاضي، عندما يطلب الدفاع ذلك، بأن يذكر هيئة المحلفين صراحة بحقها في إصدار حكم وفق ضميرها، على أن يكون للادعاء الحق في المجادلة ضد استخدام هذا الحق. أما اليوم، فإن الطريقة القانونية الوحيدة للتلميح إلى هذا المبدأ تكاد تقتصر على الإشارة إلى لوحة إدوارد بوشل المعلقة في بهو محكمة أولد بيلي.

لا أدعي أن أفراد «إلبيت الأربعة» كانوا يجهلون أنهم يخالفون القانون. فجيريمي بنثام نفسه كان يرى أن للمواطن الحق في مخالفة قانون يعتقد أنه جائر، بشرط أن يكون مستعداً لتحمل العقوبة المترتبة على ذلك. ووفق هذا المنطق، فإن المحتجين الذين اعترفوا علناً باقتحام المصنع وإتلاف الطائرات المسيّرة كانوا يدركون تبعات أفعالهم.

لكن ما ينبغي ألا يواجهه أي متهم في دولة قانون هو أن يُعاقب فعلياً على جريمة إرهابية لم تُوجَّه إليه قط، ولم تُعرض على هيئة المحلفين، ولم تثبتها النيابة أمام المحكمة. هذه ليست مسألة تعاطف مع المحتجين أو رفض لأساليبهم، بل مسألة دفاع عن المبادئ الأساسية للعدالة نفسها.

نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print