ينحدر المشهد الحقوقي في جورجيا نحو منزلق خطير؛ حيث تحولت التعديلات التشريعية الأخيرة إلى أداة لتطويق الحيز المدني، وخنق حرية التعبير، وتقويض استقلالية العمل الإعلامي، ويتزامن هذا التراجع التشريعي مع غطاء قانوني يكرس الإفلات التام من المساءلة إزاء استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
وعلى الجانب الآخر من خطوط الانقسام، تواجه الأقاليم المنفصلة في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية مأزقاً إنسانياً معقداً، إذ يعيش السكان عزلة خانقة تحت وطأة انتهاكات إثنية ممنهجة، وقيود مشددة المصادرة لحرية التنقل، وحرمان متعمد من الخدمات الأساسية، في ظل إصرار السلطات المسيطرة على غلق الأبواب أمام الآليات الدولية ومنعها من الرقابة والتوثيق.
وفي سياق رصد هذه الأزمة، صدر التقرير السنوي لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان تحت عنوان “التعاون مع جورجيا”، والمدرج رسمياً تحت البندين 2 و10 من جدول أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان 2026 حيث يمثل التقرير الوثيقة الأممية الأحدث التي تولت تفكيك التطورات والتحديات الحقوقية وتوثيق مسارات المساعدة التقنية المقدمة خلال عام 2025.
تآكل الحيز المدني وحرية الصحافة
شهد عام 2025 تحولاً تشريعياً جذرياً في جورجيا قاده حزب “الحلم الجورجي” الحاكم في ظل مقاطعة واسعة من أحزاب المعارضة للعمل البرلماني.
وأقرت السلطات حزمة من التشريعات التي أثرت سلباً وبشكل مباشر في الحيز المدني وحريات تكوين الجمعيات والتعبير والتجمع السلمي، وشملت هذه القوانين إقرار قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، وإدخال تعديلات صارمة على قانون المنح، وقانون التجمعات والمظاهرات، وقانون المخالفات الإدارية، والقانون الجنائي.
وتثير هذه النصوص قلقاً حقوقياً أممياً بالغاً؛ نظراً لأن أحكامها جاءت فضفاضة للغاية، ما يتسبب في حالة من عدم اليقين القانوني، ويفتح الباب واسعاً أمام تعسف السلطات في تفسيرها وتطبيقها.
وأدى هذا المناخ القانوني المتشدد إلى تقليص العديد من منظمات المجتمع المدني لأنشطتها خوفاً من الملاحقة أو انتهاك التعديلات الجديدة، بالتوازي مع تلقي تقارير موثوقة تفيد بوقوع أعمال ترهيب واستخدام خطاب عدائي وتهديدات صادرة عن أعضاء بارزين في الحزب الحاكم تستهدف الفاعلين المدنيين والأصوات المنتقدة للحكومة.
ولم تقتصر هذه القيود على المنظمات الحقوقية، بل امتدت لتطول وسائل الإعلام والصحفيين؛ حيث فرضت التعديلات على قانون البث قيوداً واسعة النطاق على جهات البث التي تتلقى تمويلاً أجنبياً غير تجاري، ومنه المساعدة المالية المباشرة، ونقل المعدات، وتدريب الموظفين.
وينطوي هذا الحظر على خطر حقيقي لإضعاف المشهد الإعلامي وتقليصه نتيجة غياب مصادر تمويل بديلة، كما جردت التعديلات القانونية المصادر الصحفية من ضمانات مهمة في منازعات التشهير المدنية، ما زاد من مخاطر اللجوء إلى الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد المشاركة العامة ، فضلاً عن إقرار عقوبات إدارية على الكلام الذي يُعد “مسيئاً” في حق الموظفين العموميين.
تجريم الاحتجاج السلمي
تعرض الإطار القانوني المنظم للاحتجاجات وحرية التجمع السلمي في جورجيا لجولات متتالية من التعديلات التشريعية خلال عام 2025، أسفرت عن تشديد العقوبات الإدارية والجنائية المرتبطة بالحق في التظاهر بشكل غير متناسب، وتمت زيادة مدة الاحتجاز الإداري القصوى أربعة أضعاف، لترتفع من 15 يوماً إلى 60 يوماً كاملة.
وفرض المشرع الجورجي عقوبة الاحتجاز جزاءً وحيداً على أفعال ومخالفات غير عنيفة ترتكب أثناء المظاهرات، مثل تغطية الوجه أثناء التجمع أو تعطيل حركة المرور على الرصيف.
ووفقاً للتقييمات الحقوقية الدولية، فإن تطبيق هذه العقوبات القاسية يشكل حرماناً تعسفياً من الحرية، ويعد تجريماً لسلوكيات مشروعة ومحمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتعد العقوبات غير المتناسبة في حد ذاتها انتهاكاً صارخاً للحق في التعبير والتجمع، وتجاوزت التعديلات التشريعية الإطار الإداري لتطول القانون الجنائي، حيث جرى تجريم السلوك الاحتجاجي المتكرر بعد أن كان العقاب عليه يقتصر على القانون الإداري دون سواه.
وفرضت السلطات شروط إخطار جديدة ومعقدة للإبلاغ عن تنظيم التجمعات، وهي شروط تعني في ممارستها العملية إلزام المنظمين بالحصول على إذن مسبق من الجهات الأمنية قبل ممارسة حقهم الدستوري في التظاهر السلمي، وتتكامل هذه القيود التشريعية لتخلق بيئة طاردة للعمل المدني وتصادر الحقوق الأساسية للمواطنين في التعبير عن آرائهم السياسية.
الإفلات من المساءلة
لا يزال ملف استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة من جانب أجهزة إنفاذ القانون ضد المتظاهرين والصحفيين يمثل ثغرة عميقة في جدار العدالة في جورجيا.
ورغم الشروع في تحقيقات جنائية واسعة النطاق بناءً على مئات الادعاءات بارتكاب الشرطة أعمال عنف، شملت الاستماع لأكثر من 900 شاهد وفحص آلاف الساعات من المشاهد المصورة، فإنه لم يتم توجيه الاتهام لأي فرد من أفراد الشرطة أو إيقافه عن العمل أو محاسبته حتى تاريخ إعداد التقرير.
ويشمل هذا الإفلات من العقاب حالات واضحة وموثقة لم يكن فيها أفراد الشرطة يرتدون معدات الوقاية وكان من السهل تحديد هوياتهم بشكل قاطع.
وما يثير قلق الهيئات الحقوقية هو قرار دمج دائرة التحقيقات الخاصة (التي أنشئت عام 2022 بوصفها مؤسسة مستقلة للتحقيق في عنف الشرطة) ومصادرة استقلاليتها عبر إلحاقها بمكتب المدعي العام الجورجي في حزيران 2025. وهو إجراء يهدد بتقويض فعالية واستقلالية التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان سواء الفعلية أو المتصورة.
وإلى جانب عنف الشارع، تواترت تقارير حقوقية عن إجبار المحتجزين إدارياً وجنائياً على خلع ملابسهم بالكامل بذريعة التفتيش الشخصي، وهي ممارسة مهينة قد تصل إلى حد المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
وتظل مسألة استخدام المواد الكيميائية السامة وقنابل الغاز وتوجيهها مباشرة نحو المتظاهرين محل قلق بالغ بسبب آثارها الصحية الطويلة الأجل، وسط تقارير عن ممارسة السلطات ضغوطاً وترهيباً ضد الأفراد والكوادر الطبية الذين قدموا معلومات لوسائل الإعلام حول طبيعة الغازات والمواد المستخدمة في قمع الاحتجاجات.
التراجع عن مكافحة التمييز
شهد الإطار القانوني والمؤسسي المعني بالمساواة وحماية حقوق المرأة في جورجيا تراجعاً كبيراً خلال عام 2025.
وعمد البرلمان الجورجي إلى إقرار تعديلات شملت أكثر من 15 قانوناً وطال هذا التغيير المصطلحات والمفاهيم الحقوقية المستقرة؛ حيث جرى استبدال مصطلح “النوع الاجتماعي” بعبارة “النساء والرجال”، وتحويل مسمى “المساواة بين الجنسين” إلى “المساواة بين المرأة والرجل”.
ولم تتوقف التعديلات عند الجانب اللفظي، بل امتدت لحذف “الهوية الجنسانية” من قائمة الأسس التي يُحظر التمييز بناءً عليها في مختلف القوانين ذات الصلة، ومنها قانون القضاء على جميع أشكال التمييز.
كما تم إلغاؤها بوصفها ظرفاً مشدداً في الجرائم المرتبطة بالكراهية والتحريض على العنف. وعلى الصعيد المؤسسي، فككت السلطات الآليات القائمة المعنية بالمساواة، حيث استعيض عن “المجلس البرلماني للمساواة بين الجنسين” والمجالس البلدية التابعة له، بـجهاز جديد حمل اسم “اللجنة المؤقتة المعنية بشؤون المرأة والطفل”، وتهدد هذه الممارسات التشريعية بتقويض الإنجازات الحقوقية التي حققتها جورجيا في السنوات الأخيرة لمكافحة التمييز.
وفي سياق آخر متصل بالحقوق الدينية، استمر حرمان المسلمين في مدينة باتومي من الحصول على تصاريح بناء مسجد جديد، وهو الرفض الذي أيدته محكمة الاستئناف في كوتايسي في تموز 2025، وتنظر فيه المحكمة العليا حالياً.
الحصار الحقوقي والعزلة الإثنية
يعاني سكان إقليمی أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المنفصلين من تدهور أمني وحقوقي متسارع جراء تكثيف الاتحاد الروسي لتدابير الاندماج السياسي والعسكري والاقتصادي والقانوني، ما عمق عزلة المنطقتين.
وترفض السلطات المسيطرة هناك منح تفويض لآليات الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان بالوصول فوراً ودون معوقات لتوثيق الانتهاكات، ويقتصر العبور في أوسيتيا الجنوبية على اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ويوثق التقرير انتهاكات ممنهجة تستهدف المواطنين ذوي الأصول الجورجية، خصوصاً في مقاطعتي غالي وأخالجوري والنازحين.
وتشمل الانتهاكات التعذيب، والاحتجاز التعسفي، ومصادرة الأراضي وحقوق الملكية، وفرض قيود صارمة على التعليم باللغة الجورجية، ويتفاقم الوضع بسبب استمرار القيود المشددة على حرية التنقل عبر الحدود الإدارية، وإغلاق المعابر أو فتحها بشكل جزئي ومقيد للغاية، ما يفرض على السكان دفع رسوم غير مبررة لنقل البضائع، ويحرم كبار السن والمرضى من رعاية الطوارئ والمعاشات التقاعدية.
وفي مقاطعة غالي، يُجبر الجورجيون على التسجيل بوصفهم أجانب والحصول على تصاريح إقامة معقدة تستغرق شهوراً، كما تشير التقارير إلى اضطرار بعضهم لتغيير أسماء عائلاتهم إلى أسماء أبخازية للحصول على حقوقهم.
ويترافق هذا الحصار مع بقاء ملفات الحق في الحياة معلقة دون أدنى محاسبة في قضايا الوفيات الغامضة والانتهاكات المرتكبة منذ سنوات في ظل غياب الرصد المستقل وسبل الانتصاف الفعالة.
التصفية المنهجية للتعليم
يكشف تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عن نمط خطير يستهدف الهوية الثقافية والتعليمية للمجتمعات ذات الأصول الجورجية في الأقاليم المنفصلة؛ حيث استكملت السلطات المسيطرة في مقاطعة “أخالجوري” بأوسيتيا الجنوبية مؤخراً عملية الاستعاضة التدريجية والمنهجية عن اللغة الجورجية باللغة الروسية بوصفها لغة رسمية للتدريس في المدارس، وهو ذات المسار الذي اكتمل سابقاً في مقاطعة “غالي” بأبخازيا عام 2021.
ونتيجة لهذا الإقصاء الكامل والمنظم، يُجبر أكثر من 4000 تلميذ في المدارس ونحو 600 طفل في سن الروضة على تلقي تعليمهم حصرياً باللغة الروسية.
وقد تسببت هذه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في مقاطعة “غالي” في دفع مئات الأسر الجورجية إلى هجرة منازلهم قسراً ومغادرة المنطقة نهائياً، وتتضاعف معاناة القطاع التعليمي هناك من خلال ممارسة ضغوط متزايدة وتهديدات بالفصل بحق المعلمين من أصول جورجية، واستبدالهم بكوادر تلقت تعليمها في أبخازيا أو الاتحاد الروسي.
وحُرم معلم جورجي من حريته في أكتوبر 2025 بعد توجيه تهمة “التجسس” إليه. وفي أوسيتيا الجنوبية، حظرت السلطات المواد المدرسية التي يظهر فيها العلم الجورجي، وقدمت سرديات تاريخية تصوّر جورجيا بأنها “عدو”، كما أُجبرت المدارس في عدة قرى تراجع سكانها على الإغلاق التام.
وتتوازى هذه الأزمة الثقافية مع عقبات اقتصادية ومعيشية خانقة؛ حيث يواجه سكان مقاطعة “غالي” معوقات شديدة في تسجيل ممتلكاتهم وعقاراتهم غير الموثقة في حال رفضهم التخلي عن جنسيتهم الجورجية.
وتُستخدم لوائح المعاشات التقاعدية الجديدة التي تشترط الحضور الشخصي والإقامة الدائمة لتقاضي مستحقات التقاعد التي هي في الأصل أقل بكثير من نظيرتها لحاملي الوثائق الروسية، بوصفها أداة للضغط على السكان للحد من تنقلاتهم واتصالاتهم بالأراضي الخاضعة لسيطرة تبيليسي.
ويزيد من قسوة هذه الظروف المعيشية تعرض مقاطعة غالي خلال عام 2025 لانقطاعات متكررة وحادة في إمدادات المياه الصالحة للشرب، ما تسبب بأضرار بالغة لسبل عيش كبار السن الذين يشكلون غالبية السكان الذين يعانون من الإفقار.
