منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جنوب لبنان.. أمَّهات يخفين خوِفهنَّ عن أَطفالِهِنَّ ويبحثن عن دعم نفسي

05 نوفمبر 2026
جنوب لبنان.. أُمَّهات يخفين خوِفهنَّ عن أَطفالِهِنَّ ويبحثن عن دعم نفسي
جنوب لبنان.. أُمَّهات يخفين خوِفهنَّ عن أَطفالِهِنَّ ويبحثن عن دعم نفسي

كانت تبكي وحدها حتى لا تصرخ أمام أطفالها الأربعة. هكذا وصفت أم نازحة في لبنان معاناتها في شهادة نقلتها لجنة الإنقاذ الدولية، بعدما وجدت نفسها مسؤولة عن رعاية أطفالها واحتواء مخاوفهم، بينما لم تجد من يخفف عنها وطأة النزوح أو يشاركها أعباءه.

في شهادتها التي نشرتها المنظمة في 10 أكتوبر تشرين الأول 2026، تظهر معاناة تتجاوز فقدان المنزل إلى فقدان الأمان النفسي، فالأم التي تحاول طمأنة أطفالها تحتاج بدورها إلى من يسمع خوفها ويوفر لها الرعاية، وسط القلق من تجدد القصف وضيق أماكن الإيواء وتراجع الموارد.

وتكشف هذه التجربة جانبا من الضغوط التي تواجهها الأمهات النازحات في لبنان، ولا سيما المتضررات من الحرب في الجنوب، حيث تتداخل مسؤوليات الرعاية مع فقدان الخصوصية والاستقرار، بينما يظل الوصول إلى خدمات الصحة النفسية جزءا أساسيا من الحق في الصحة والحماية.

أمهات تحت وطأة النزوح

تتراكم الضغوط النفسية مع طول أمد النزوح والاكتظاظ والقلق على الأطفال وصعوبة تأمين الاحتياجات اليومية. وتزداد الحاجة إلى الرعاية لدى الحوامل والأمهات بعد الولادة، والنساء اللواتي يحتجن إلى متابعة نفسية مستمرة.

وفي دراسة نشرتها مجلة «ساينتفك ريبورتس» التابعة لمجموعة «نيتشر» في مارس/آذار 2026، سجلت 41.6% من أصل 368 امرأة لاجئة ونازحة في لبنان نتائج إيجابية في فحص اكتئاب ما بعد الولادة، ارتبطت بالتعرض للعنف وسوء السكن وضعف الدعم الاجتماعي والوحدة والضغوط المالية.

وجُمعت بيانات الدراسة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ومارس/آذار 2024، وشملت نساء حوامل وأمهات خلال السنة الأولى بعد الولادة، غالبيتهن سوريات. لذلك لا تمثل النسبة تشخيصا مؤكدا للاكتئاب، ولا يجوز تعميمها على الأمهات النازحات من جنوب لبنان، لكنها تكشف أهمية الفحص المبكر وإتاحة الرعاية.

نزوح واسع وضغوط تتجاوز الأطفال

بحسب المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد النازحين داخليا في لبنان 329,686 شخصا حتى 29 سبتمبر/أيلول 2026، مقابل 877,203 عائدين إلى مناطقهم، فيما كان 14,277 شخصا يقيمون في 154 مركز إيواء جماعيا.

وقدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، في 13 مايو/أيار 2026، أن نحو 770 ألف طفل يعانون ضائقة نفسية متزايدة نتيجة التعرض للعنف والفقدان والنزوح، محذرة من احتمال تطور مشكلات نفسية مزمنة في غياب الدعم.

وأوردت لجنة الإنقاذ الدولية الرقم نفسه في بيانها الصادر بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية.

واستندت اللجنة إلى مقابلات مع عشر أمهات لأطفال تتراوح أعمارهم بين الولادة وثماني سنوات، تحدثن عن خوف أطفالهن من الأصوات المرتفعة والطائرات المسيّرة، واضطرابات النوم والقلق من النزوح مجددا.

لكن المنظمة نبهت أيضا إلى الإرهاق والعزلة والضغوط الاقتصادية التي تواجه الأمهات ومقدمي الرعاية، ممن يحاولون إظهار التماسك أمام الأطفال رغم حاجتهم هم أنفسهم إلى الدعم.

ويقول محمد الحسيني، وهو نازح من جنوب لبنان، لـ«صفر»، إن زوجته باتت تتحمل أعباء تفوق طاقتها، بين رعاية الأطفال وتأمين احتياجاتهم والخوف المستمر من تعذر العودة إلى المنزل.

ويضيف أن فقدان الاستقرار والخصوصية يجعل النساء مطالبات باحتواء مخاوف الأسرة، بينما لا تتاح لهن دائما مساحة للتعبير عن معاناتهن أو الحصول على المساعدة.

خدمات رسمية وأسئلة عن الوصول إليها

تقول سناء عواضة، المساعدة الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية في تصريحات خصت بها “صفر”، إن الوزارة تتابع الأسر المتضررة من الحرب والنزوح عبر إدارة مراكز الإيواء ورصد الاحتياجات وتقديم المساعدات.

وتوضح أن الخدمات الموجهة إلى النساء تشمل الدعم النفسي والاجتماعي، والمساحات الآمنة للنساء والفتيات، ومتابعة المعرضات للعنف وإحالتهن إلى الجهات المختصة، إلى جانب تسهيل الوصول إلى خدمات الحماية والتمكين الاقتصادي.

ويمثل هذا الرد إقرارا رسميا بأهمية حماية النساء نفسيا واجتماعيا، لكنه لا يحدد عدد المستفيدات من الخدمات، أو حالات الإحالة إلى علاج نفسي متخصص، أو مدى استمرار المتابعة بعد الانتقال بين أماكن النزوح.

وتبقى هذه البيانات ضرورية لمعرفة ما إذا كانت الخدمات المعلنة تصل إلى الأمهات الأكثر احتياجا، خصوصا في ظل تراجع الموارد وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق واستمرار التنقل بين مراكز الإيواء والمساكن المؤقتة.

فالدعم النفسي والاجتماعي الأولي، رغم أهميته، لا يغني عن التشخيص والعلاج المتخصص عند الحاجة، ولا عن ضمان استمرارية الرعاية للنساء اللواتي يعانين اضطرابات تتطلب متابعة طويلة الأمد.

الصحة النفسية حق لا مساعدة مؤقتة

يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي انضم إليه لبنان عام 1972، الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية. كما تلزم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» الدول الأطراف بضمان حصول النساء على الرعاية الصحية دون تمييز، بما يشمل الخدمات المرتبطة بالحمل وما بعد الولادة.

ويؤكد الخبير القانوني اللبناني حسن خليل، في حديث لـ«صفر»، أن مسؤولية الدولة تجاه النساء النازحات تتجاوز توفير المأوى والغذاء إلى حماية صحتهن النفسية وضمان حصولهن على الخدمات اللازمة باعتبارها جزءا من الحق في الصحة.

ويوضح أن الالتزامات تشمل إتاحة الدعم النفسي والاجتماعي دون تمييز، ومراعاة أوضاع النساء اللواتي فقدن منازلهن أو تعرضن لضغوط الحرب، وتوفير الحماية من العنف والإحالة إلى الرعاية المتخصصة، مؤكدا أن استمرار النزاع ومحدودية الموارد لا يعفيان الدولة من اتخاذ خطوات عملية لحماية هذه الحقوق، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر تعرضا للمخاطر.

وتظل الفجوة الأساسية بين الإعلان عن البرامج وقياس أثرها الفعلي؛ فأرقام النزوح لا تكشف عدد النساء المحتاجات إلى العلاج، ولا من لم يصلن إلى الخدمات، أو انقطعن عن المتابعة بسبب الانتقال المتكرر.

وبينما تحاول الأم التي تحدثت إلى لجنة الإنقاذ الدولية إخفاء بكائها حتى لا تزيد خوف أطفالها، تبرز مسؤولية الجهات المعنية عن توفير مساحة آمنة تستطيع فيها النساء التعبير عن معاناتهن والحصول على رعاية تحفظ كرامتهن.

ويبدأ اختبار هذه المسؤولية بنشر بيانات واضحة عن المستفيدات، وتوسيع الإحالة إلى العلاج المتخصص وضمان استمراريته، حتى لا يصبح حصول الأم النازحة على الرعاية النفسية مشروطا بانتهاء الحرب أو عودتها إلى منزلها.