تجدد الجدل في تونس بشأن واقع الحريات العامة وحدود العمل المدني، بعد إعلان الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رفضها لما وصفته بمحاولات التضييق على الناشطات والناشطين في المجتمع المدني من خلال استدعاءات قضائية طالت عدداً من الشابات والشبان المشاركين في تحركات سياسية ومدنية سابقة، وأعربت الجمعية عن قلقها من عودة فتح ملفات تعود إلى سنوات مضت، معتبرة أن هذه الخطوات تثير تساؤلات جدية حول أوضاع الحقوق والحريات في البلاد.
وفي بيان أصدرته الأربعاء أكدت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات متابعتها بقلق للاستدعاءات التي وُجهت إلى مجموعة من الشابات والشبان على خلفية مشاركتهم في التحركات الرافضة للاستفتاء الدستوري الذي جرى في تونس بتاريخ 22 يوليو 2022، مشيرة إلى أن من بين المستدعيات عدداً من الناشطات النسويات المنتميات إلى الجمعية.
جيل نشأ على قيم الثورة
وأكدت الجمعية في بيانها أن الأشخاص الذين شملتهم الاستدعاءات ينتمون إلى جيل نشأ في ظل مناخ ما بعد الثورة التونسية، وتشبع بقيم الحرية والكرامة والمواطنة، واعتبرت أن هذا الجيل اختار الانخراط في الشأن العام والدفاع عن القضايا الحقوقية والاجتماعية، إلى جانب مساندة الفئات الأكثر هشاشة وتهميشاً، ومارس حقوقه المشروعة في التعبير عن الرأي والاحتجاج السلمي والمشاركة في الحياة العامة.
ورأت الجمعية أن النشاط المدني والحقوقي الذي يقوم به هؤلاء الشبان والشابات لا يمكن أن يكون سبباً للمساءلة أو الملاحقة، مؤكدة أن المشاركة في الفضاء العام والتعبير عن المواقف السياسية أو الاجتماعية تظل من الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون وتضمنها المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
تحذير من المساس بالحقوق الأساسية
وشددت الجمعية على أن حرية التعبير والتظاهر السلمي وإبداء الرأي تعد من الحقوق الجوهرية التي تحظى بحماية قانونية على المستويين الوطني والدولي، معتبرة أن تحويل ممارسة هذه الحقوق إلى مبرر للتحقيق أو الضغط القضائي يمثل تطوراً مقلقاً ينعكس سلباً على مناخ الحريات.
وأضافت أن الحماس الذي يبديه الناشطون والناشطات في العمل المدني والحقوقي لا ينبغي أن يقابل بمقاربات أمنية أو بإجراءات من شأنها الحد من مشاركتهم في الحياة العامة، كما أكدت أن الدفاع عن القضايا الحقوقية والاجتماعية يمثل جزءاً من الدور الطبيعي للمجتمع المدني في أي نظام ديمقراطي.
إعادة فتح ملف قديم
وأبدت الجمعية استغرابها من إعادة فتح ملف يعود إلى عام 2022 بعد مرور عدة سنوات على الأحداث المرتبطة به، معتبرة أن استدعاء ناشطات وناشطين في هذه المرحلة يثير مخاوف حقيقية من إمكانية توظيف المسارات القضائية للضغط على الأصوات الناقدة أو الحد من حضورها في المجال العام.
ورأت أن هذه الإجراءات قد تترك آثاراً مباشرة على مشاركة النساء، خصوصاً الشابات، في العمل العام والسياسي والحقوقي، من خلال خلق مناخ من التخوف أو التردد إزاء الانخراط في الأنشطة المدنية أو التعبير عن المواقف المختلفة.
التوتر الحقوقي
وأكدت الجمعية أن هذه الاستدعاءات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العام الذي تشهده البلاد خلال السنوات الأخيرة، والذي تقول منظمات حقوقية إنه اتسم بتزايد المخاوف المرتبطة بحرية التعبير والتنظيم والتظاهر، واعتبرت أن ما يجري يبعث برسائل مقلقة إلى مختلف المدافعين والمدافعات عن الحقوق والحريات، ويزيد من حالة القلق داخل الأوساط المدنية والحقوقية.
وفي هذا الإطار، أعلنت الجمعية تضامنها الكامل مع الناشطات نورس الزغبي دوزي وأسماء فاطمة المعتمري وإيمان بن جويرة ورحمة الخشناوي، إلى جانب جميع المستدعيات والمستدعين المشمولين بهذا الملف، مؤكدة وقوفها إلى جانبهم خلال مختلف المراحل القانونية والإجرائية المرتبطة بالقضية.
مطالب بوقف التتبعات
وجددت الجمعية إدانتها لكل أشكال توظيف القضاء أو الأجهزة الأمنية للتضييق على الناشطات والناشطين في المجتمع المدني، مؤكدة رفضها استهداف المناضلات النسويات وكل النساء المنخرطات في الدفاع عن قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
كما دعت إلى وقف جميع التتبعات والإجراءات المرتبطة بالممارسة السلمية للحق في التعبير والتظاهر، وإنهاء الملاحقات التي تستهدف المستدعيات والمستدعين في هذا الملف، مع ضمان حق الدفاع وتوفير كافة شروط المحاكمة العادلة وفق المعايير القانونية المعترف بها.
وأكدت الجمعية في ختام موقفها تمسكها بالدفاع عن الحقوق والحريات إلى جانب مختلف مكونات المجتمع المدني الديمقراطي، مشددة على أن النضال من أجل الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية لا يمكن اعتباره جريمة، وأن النساء اللواتي اخترن العمل من أجل مجتمع أكثر إنصافاً وعدالة لن يواجهن بمفردهن محاولات الترهيب أو التضييق.
تُعد الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات واحدة من أبرز المنظمات النسوية والحقوقية في تونس، وقد تأسست أواخر ثمانينيات القرن الماضي بهدف الدفاع عن حقوق النساء وتعزيز مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية، وبرز دور الجمعية بشكل أكبر بعد ثورة 2011 من خلال مشاركتها في النقاشات المتعلقة بالحريات الفردية وحقوق المرأة والإصلاحات التشريعية. وتشهد تونس منذ عام 2021 نقاشاً واسعاً حول أوضاع الحقوق والحريات العامة في ظل التحولات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد، ومنها الاستفتاء على الدستور الجديد الذي أُجري في يوليو 2022، والذي أثار آنذاك مواقف متباينة بين مؤيديه ومعارضيه، وشهد تنظيم تحركات واحتجاجات سياسية ومدنية عبّرت عن رفض أو دعم المسار السياسي القائم، وفي هذا السياق، تتابع منظمات حقوقية محلية ودولية تطورات المشهد الحقوقي في البلاد، مع التركيز على قضايا حرية التعبير وحق التظاهر والنشاط المدني.
