منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تونس.. استدعاءات تعيد ملف احتجاجات يوليو 2022 إلى الواجهة

03 يونيو 2026
احتجاجات مطالبة بالديموقراطية وحرية التعبير في تونس
احتجاجات مطالبة بالديموقراطية وحرية التعبير في تونس

عاد ملف الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة التونسية في 22 يوليو 2022 إلى دائرة الاهتمام، بعد استدعاء عدد من المشارِكات في ذلك التحرك لسماعهن لدى فرقة مكافحة الإجرام ببن عروس، في قضية ترتبط باحتجاجات رافضة للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد الذي دعا إليه الرئيس قيس سعيّد.

وتأتي هذه الاستدعاءات في سياق سياسي وحقوقي أوسع، وثقت فيه منظمات دولية وتونسية تصاعد الملاحقات المرتبطة بحرية التعبير والاحتجاج والعمل السياسي منذ 25 يوليو 2021.

ووصفت منظمة العفو الدولية المرسوم عدد 54 لسنة 2022 بأنه تهديد خطير لحرية التعبير والخصوصية، ودعت إلى إلغائه، معتبرة أنه يأتي ضمن سلسلة إجراءات أضعفت ضمانات حقوق الإنسان منذ توسع الرئيس قيس سعيّد في الإمساك بالسلطات عام 2021.

احتجاجات سبقت الاستفتاء

شهدت العاصمة تونس في 22 يوليو 2022 تحركا احتجاجيا شارك فيه نشطاء وفاعلون مدنيون رفضا للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، الذي جرى لاحقا في 25 يوليو 2022.

ووثّقت وكالة رويترز في يوليو 2022 خروج مئات المحتجين في وسط تونس للتظاهر ضد الاستفتاء على الدستور الجديد، في سياق سياسي اتسم بانقسام حاد بين مؤيدي مسار الرئيس قيس سعيّد ومعارضيه.

واعتبرت منظمة “هيومينا” الحقوقية أن احتجاجات يوليو 2022 جاءت ضمن موجة أوسع من التحركات النسوية والمدنية المناهضة لما وصفته المنظمة بتراجع الحريات بعد 25 يوليو 2021.

وأشارت إلى أن الناشطة أسرار بن جويرة شاركت في احتجاج 22 يوليو 2022 ضد الاستفتاء، قبل أن تواجه لاحقا دعاوى قضائية وحملات تشهير وتهديدات.

استدعاءات أمام فرقة مكافحة الإجرام

تتعلق الاستدعاءات الجديدة، وفق المعطيات المتداولة في الملف، بأسماء فاطمة المعتمري، وإيمان بن جويرة، ورحمة الخشناوي، لسماعهن لدى فرقة مكافحة الإجرام ببن عروس في محاضر بحث مرتبطة باحتجاجات 22 يوليو 2022.

وتشير منظمة “لجنة العدالة” إلى أن فرقة مكافحة الإجرام ببن عروس استخدمت سابقا استدعاءات للتحقيق مع نشطاء وصحفيين في قضايا مرتبطة بالتعبير والنشاط العام، ونددت في نوفمبر 2024 باستدعاء نشطاء وصحفيين إلى هذه الفرقة، داعية إلى وقف ما وصفته بالإجراءات التعسفية.

وتكتسب عودة هذا الملف أهمية خاصة لأنها تأتي بعد مرور سنوات على الاحتجاجات، وفي ظل انتقادات مستمرة لاستخدام أدوات التحقيق والتتبع القضائي في قضايا ترتبط بالرأي والتجمع السلمي.

المرسوم 54 في قلب الجدل

يُعد المرسوم 54 أحد أبرز النصوص القانونية المثيرة للجدل في تونس خلال السنوات الأخيرة، فقد أكدت منظمة العفو الدولية في مايو 2024 أن السلطات التونسية صعّدت حملتها ضد حرية الإعلام والتعبير، وقالت إن الحكومة “تقوض بشكل منهجي” مكاسب حرية التعبير والصحافة التي تحققت بعد 2011.

كما ذكرت اللجنة الدولية للحقوقيين، في ورقة تحليلية حول تونس، أن السلطات القضائية والنيابية بدأت بعد صدور المرسوم 54 في الاعتماد عليه لاستهداف صحفيين ومعارضين سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان بسبب ممارستهم المشروعة لحرية التعبير والتجمع السلمي.

وفي السياق نفسه، قالت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إن السلطات التونسية ينبغي أن تلغي المرسوم 54، إلى جانب النصوص الفضفاضة أو المفرطة الاتساع التي تُستخدم لتجريم حرية التعبير.

انتقادات حقوقية متصاعدة

تؤكد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ضمن مواقفها العامة الصادرة خلال السنوات الأخيرة، أن المناخ الحقوقي في تونس يشهد تراجعا، خصوصا مع تصاعد القضايا المرتبطة بحرية التعبير والحريات العامة.

وشاركت الرابطة، وفق تقارير صحفية تونسية، في تحركات وحملات للمطالبة بتعديل أو إلغاء المرسوم 54، إلى جانب النقابة الوطنية للصحفيين والهيئة الوطنية للمحامين.

ووثقت لجنة حماية الصحفيين في مايو 2026 استمرار اعتماد السلطات التونسية على المرسوم 54 لتجريم التعبير، مشيرة إلى أحكام حديثة ضد صحفيين ومعلقين سياسيين، بينها أحكام بالسجن على شخصيات إعلامية بارزة.

وتؤكد هذه المعطيات أن الاستدعاءات المرتبطة باحتجاجات يوليو 2022 لا تأتي في فراغ، بل ضمن مناخ أوسع يشهد استخداما متزايدا للقضاء والنصوص الجزائية في ملفات تتعلق بالتعبير والاحتجاج والعمل الإعلامي والسياسي.

رواية السلطات

تؤكد السلطات التونسية في ردودها العامة على الانتقادات الحقوقية أن القضاء مستقل وأن التتبعات تتم وفق القانون، كما يرفض الرئيس قيس سعيّد اتهامات خصومه بأنه يستخدم القضاء لإسكات المعارضين.

وفي تغطية لوكالة رويترز بشأن احتجاجات يوليو 2025، قالت الوكالة إن قيس سعيّد يؤكد أنه لا يتدخل في القضاء، بينما تقول المعارضة إن مرحلة ما بعد 2021 شهدت اعتقالات جماعية ومحاكمات ذات طابع سياسي.

وتعيد الاستدعاءات الجديدة المرتبطة باحتجاجات 22 يوليو 2022 طرح سؤال أساسي حول حدود التتبعات القانونية في القضايا المرتبطة بالاحتجاج السلمي، ومدى توافق هذه الإجراءات مع التزامات تونس الدولية في مجال حرية التعبير والتجمع.

وبين تأكيد السلطات أن الإجراءات قضائية وقانونية، وتوثيق منظمات مثل العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، واللجنة الدولية للحقوقيين، ولجنة حماية الصحفيين، لاستخدام قوانين فضفاضة في ملاحقة الأصوات المنتقدة، يبقى الملف مؤشرا على عمق الجدل الحقوقي والسياسي في تونس بعد 25 يوليو 2021.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية