طالما بنت كيمي بادنوك مسيرتها السياسية على طرح ما يبدو حقائق واضحة ومباشرة بشأن قضايا العرق في بريطانيا. فقد أشارت مراراً إلى أن التجربة البريطانية تختلف جذرياً عن التجربة الأمريكية، ومع ذلك جرى استيراد كثير من الافتراضات المرتبطة بالعنصرية في الولايات المتحدة إلى النقاش العام البريطاني.
وأثارت الجدل عندما قالت إن بريطانيا من أقل دول العالم عنصرية، وهي عبارة صحيحة بالفعل ويجب أن تكون مصدر فخر، لكن صحة هذه العبارة لا تعني أن الظلم والتمييز قد اختفيا، أو أن بعض الفئات التي تُعرَّف على أساس لون البشرة لم تعد تتعرض لمظالم قاسية ومؤلمة.
ولهذا نرى أن السعي نحو تحقيق مساواة حقيقية في الفرص والاحترام ينبغي أن يتعزز ويتوسع، لا أن يتم التخلي عنه كما يقترح نايجل فاراج.
ومن هنا تبرز أهمية قانون المساواة لعام 2010 الذي كان أحد آخر التشريعات الكبرى التي أصدرتها حكومة حزب العمال السابقة. فقد شكّل هذا القانون محطة مفصلية في حماية الأفراد من التمييز، ليس فقط على أساس العرق، بل أيضاً بسبب الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو التوجه الجنسي، أو العمر، أو الإعاقة.
لقد جمع القانون مختلف تشريعات المساواة في إطار قانوني واحد ومتسق، وكانت هذه إحدى أبرز نقاط قوته. والأهم من ذلك أنه طوال أربعة عشر عاماً من حكم المحافظين لم تُبذل أي محاولة جادة لإلغائه أو تقويضه.
والسبب الوحيد الذي دفع بادنوك إلى إلقاء خطاب تدعو فيه إلى تعديل القانون هو شعورها بالضغط السياسي المتزايد من جانب فاراج الذي ينظر بعض مؤيديه إلى قانون المساواة باعتباره الوثيقة التأسيسية لمؤامرة تستهدف التمييز ضد البيض.
وقد تحولت هذه القضية إلى موضوع سياسي ساخن بعد مقتل هنري نوفاك، وهي القضية التي افترضت الشرطة في بدايتها أن نوفاك كان منفذ هجوم عنصري، قبل أن يتضح أنه الضحية في حادث عنف يبدو أنه كان عشوائياً وعديم الدافع الواضح.
ومن المؤسف أن تسييس هذه المأساة جاء رغم رغبة عائلة نوفاك الواضحة في عدم استخدام وفاته لإثارة الانقسام أو تحقيق مكاسب سياسية. غير أن استغلال فاراج للقضية أجبر الأحزاب الأخرى على الدخول في النقاش والرد.
وفي هذا السياق، تستحق استجابة بادنوك الإشادة بسبب نبرتها المتزنة والمسؤولة. فقد طالبت بمراجعة القضية، وتساءلت عما إذا كان التدريب الذي يتلقاه أفراد الشرطة قد جعل بعض الضباط أكثر استعداداً لتصديق الرواية غير الصحيحة التي قدمها المعتدي على نوفاك.
لكن خطابها الأخير، رغم اقتراحه إدخال تعديل على قانون المساواة، كان في جوهره دفاعاً قوياً عن المبادئ التي قام عليها القانون.
فقد قالت إن القانون “يجب أن يكون درعاً للحماية لا سيفاً للهجوم”.
وأضافت: “ما لا يفهمه حزب ريفورم هو أن قوانين مكافحة التمييز تحمي الجميع؛ لأن الحماية تُمنح للعرق والجنس باعتبارهما فئتين قانونيتين، وليس لأن الشخص أسود أو أبيض، ذكر أو أنثى. فقانون المساواة يحمي الرجل الأبيض بالقدر نفسه الذي يحمي به المرأة السوداء”.
أما الاقتراح العملي الذي تضمنه خطابها، والمتمثل في إلغاء الالتزام المفروض على الهيئات العامة بالنظر في كيفية تعزيزها للمساواة، فيبقى في الحقيقة قضية فرعية مقارنة بالنقاش الأوسع.
وقد استشهدت بمثال واحد فقط رأت فيه أن هذا الواجب القانوني أدى إلى نتائج تتعارض مع المنطق السليم. إذ قالت إنها عندما كانت وزيرة للحكم المحلي تلقت نصيحة قانونية تفيد بأنها قد تتعرض للمقاضاة إذا خصصت تمويلاً إضافياً للمجالس المحلية التي تتحمل أعباءً كبرى في مجال الرعاية الاجتماعية؛ لأن هذه السياسة قد تفيد بصورة غير متناسبة “البيض والمسنين والمسيحيين”.
لكن ليس من الواضح أصلاً أن هذه النصيحة كانت صحيحة قانونياً، كما أنه لا يوجد دليل على أنها منعت الحكومة بالفعل من اتخاذ القرارات المالية المناسبة بشأن تمويل السلطات المحلية.
ومع ذلك، فإن خطاب بادنوك أدى خدمة مهمة للنقاش العام؛ لأن أهم ما جاء فيه لم يكن اقتراح التعديل، بل دفاعها القوي عن قانون المساواة ورغبتها في تحسين آليات تطبيقه.
لقد كان هذا أكثر إسهام بنّاء في النقاش العام حول هذه القضية منذ أن تعرض روبرت كينيون، مرشح حزب ريفورم في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد، لانتقادات من سارة ويكفيلد، مرشحة حزب الخضر، خلال برنامج “كويستشن تايم” على هيئة الإذاعة البريطانية الأسبوع الماضي بسبب دعوته إلى إلغاء قانون المساواة.
وكان تراجعه سريعاً إلى درجة يصعب معها ملاحظة خطواته. فقد سارع إلى التأكيد أن جميع أشكال الحماية القانونية الممنوحة للنساء وسائر الفئات الأخرى ستُنقل ببساطة إلى تشريع جديد لمكافحة التمييز.
ولهذا، فإن كيمي بادنوك وسارة ويكفيلد تستحقان التهنئة.
فقد وضعتا الشعارات المبسطة التي يرفعها فاراج وحزبه في موقف دفاعي.
وما إن تواجه تلك الشعارات اختبار الواقع وصناديق الاقتراع حتى نجد حزب ريفورم نفسه مضطراً إلى الإقرار بأن الجميع يستحق الحماية من التمييز.
وإذا كان هذا الاعتراف قد أصبح جزءاً من النقاش السياسي السائد، فذلك في حد ذاته يمثل تقدماً ينبغي الترحيب به.
*إندبندنت البريطانية
