منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تلتهم الأرض وسبل العيش.. “حرائق الغابات” كارثة مناخية تهدد الحقوق والأمن المعيشي

10 مايو 2026

دفعت حرائق الغابات المتسارعة في الولايات المتحدة ملايين الأمريكيين إلى مواجهة مشهد يتجاوز حدود الكارثة البيئية، بعدما امتدت النيران من الغابات إلى المنازل والمراعي ومناطق الترفيه والمجتمعات الريفية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من صيف قد يكون من بين الأكثر قسوة في التاريخ الحديث، وسط جفاف حاد وتطرف مناخي متصاعد.

التهمت الحرائق خلال عام 2026 مساحة أكبر من أي عام خلال العقد الماضي، بعدما دمرت ما يقارب 1.9 مليون فدان، أي نحو 770 ألف هكتار، وفقاً لما أوردته صحيفة “فايننشال تايمز” نقلاً عن بيانات المركز الوطني المشترك بين الوكالات لمكافحة الحرائق.

تعادل هذه المساحة نحو أربعة أضعاف مساحة مدينة نيويورك، كما تزيد بنحو 80% على متوسط السنوات العشر الماضية، لتسجل أعلى مستوى منذ عام 2017.

أثارت الحرائق المتزايدة مخاوف واسعة بسبب انتقالها إلى مناطق شرقية وأكثر كثافة سكانية، بعيداً عن بؤر الحرائق التقليدية في كاليفورنيا، وهو ما وضع مجتمعات لم تكن معتادة على هذا النوع من الكوارث في مواجهة مباشرة مع النيران، وسط مخاوف من محدودية قدرات الاستجابة والحماية.

حذرت أستاذة جامعة فلوريدا وعضو الشبكة البحثية المعنية بدراسة تزايد الحرائق في شرق الولايات المتحدة كاريسا ونكا من تصاعد وتيرة الحرائق الكبيرة، موضحة أن الموارد الفيدرالية المخصصة لمكافحة الحرائق محدودة وموزعة على امتداد البلاد، وأن زيادة الضغط على هذه الموارد في الولايات الشرقية قد يجعل التعامل مع الكارثة أكثر صعوبة.

التهمت أكثر من 700 حرائق غابات في جورجيا وحدها ما يزيد على 60700 فدان خلال شهر واحد فقط، متجاوزة إجمالي المساحات التي احترقت سنوياً في الولاية منذ عام 2017، في حين تجاوزت المساحات المحترقة في فلوريدا 77 ألف فدان خلال العام الجاري.

وكشفت بيانات المركز الوطني للتخفيف من آثار الجفاف أن أكثر من 60% من الولايات المتحدة كانت لا تزال تعاني من الجفاف حتى أوائل مايو، وهو ما اعتبره الخبراء عاملاً رئيسياً في انتشار الحرائق وتسارعها.

وصف مدير إدارة الغابات في ولاية جورجيا جوني سابو الوضع في جنوب الولاية بأنه “سلوك حريق متطرف”، مشيراً إلى أن الربع الأول من العام الحالي كان ثامن أكثر الفترات جفافاً في جنوب جورجيا منذ عام 1895.

دمرت الحرائق أكثر من 110 منازل، بما في ذلك الحرائق المرتبطة بحريق الطريق السريع 82، الذي اجتاح مناطق واسعة خلال الأسابيع الأخيرة، في حين اعتبره سابو أسوأ حدث تشهده الولاية من حيث عدد المنازل المفقودة.

اجتاحت موجة حر تاريخية غرب الولايات المتحدة خلال مارس، محطمة الأرقام القياسية في مئات محطات الرصد الجوي، بالتزامن مع اندلاع أسوأ حريق في تاريخ ولاية نبراسكا، والذي ألحق دماراً هائلاً بالمزارع ومناطق تربية الماشية.

خسائر تتجاوز النيران

حولت الحرائق مساحات شاسعة من المراعي في قلب الولايات المتحدة إلى أراض جرداء، بعدما التهمت النيران أكثر من مليون فدان في مناطق تعتمد بصورة أساسية على تربية الماشية والزراعة، وفقاً لما ذكرته صحيفة “الغارديان”.

سجلت ولاية نبراسكا أكبر حريق في تاريخها بعدما امتد حريق موريل على مساحة تجاوزت 642 ألف فدان قبل السيطرة عليه في مارس، في وقت أكد فيه خبراء أن المخاطر ارتفعت بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة نتيجة التغيرات المناخية والتقلبات الحادة بين الفصول.

أوضح عالم بيئة المراعي بجامعة نبراسكا الدكتور ديراك تويدويل أن العواصف الصيفية القوية ساهمت في نمو الأعشاب التي جفت لاحقاً خلال الشتاء، في حين أدى غياب الغطاء الثلجي إلى زيادة قابلية الاشتعال مع الرياح القوية، مؤكداً أن “الظروف تراكمت بشكل هائل”.

أدى حريق موريل إلى مقتل روز وايت، البالغة من العمر 86 عاماً، أثناء محاولتها الفرار من منزلها، كما التهم أميالاً من الأسوار والمراعي وأدى إلى نفوق آلاف رؤوس الماشية أو إصابتها بحروق بالغة.

شبه مربي الماشية كولين طومسون المشهد بمنطقة حرب، بعدما تحولت أجزاء واسعة من أرضه إلى رماد، قائلاً إن الحريق التهم كل الأعشاب ولم يترك شيئاً خلفه سوى هياكل الأشجار.

حذر مربو الماشية من أن الخطر الحقيقي قد يظهر بعد إخماد الحرائق، مع احتمال استمرار الجفاف وفقدان مصادر العلف، في وقت أدرج فيه أكثر من 40% من ولاية نبراسكا ضمن مناطق “الجفاف الشديد” بنهاية مارس.

أكد مربي الماشية من الجيل الرابع هومر بويل أنه لم يشهد شتاءً بهذا الجفاف من قبل، مشيراً إلى أن المجتمعات الزراعية أصبحت تعتمد على التبرعات والتضامن المجتمعي لتجاوز الأزمة، في حين يعلق السكان آمالهم على أمطار الصيف لإعادة نمو الأعشاب وإنقاذ المراعي.

ربط الخبراء بين تزايد الحرائق وممارسات إدارة الأراضي، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة والتقلبات المناخية الحادة، محذرين من أن استمرار هذه الظروف يهدد مستقبل المجتمعات الريفية وسبل العيش المرتبطة بالزراعة والرعي.

أوضحت الأستاذة المساعدة في إدارة الغابات بجامعة فلوريدا الدكتورة فيكتوريا دونوفان أن الحرائق، رغم أضرارها الهائلة بالبشر، أصبحت جزءاً لا يمكن فصله عن النظم البيئية للمراعي، مؤكدة أن استبعاد الحرائق بالكامل من هذه البيئات “غير قابل للتطبيق”.

الحرائق تغير ملامح الأراضي

غيرت الحرائق أيضاً ملامح الأراضي العامة ومناطق الترفيه في غرب الولايات المتحدة، بعدما تسببت حرائق عام 2020 في كولورادو بإحراق المسارات ومواقع التخييم والأنظمة البيئية داخل وحول متنزه روكي ماونتن الوطني وغابات أراباهو وروزفلت الوطنية، وفقاً لما أورده موقع “ذا كونفرسيشن”.

أظهرت الأبحاث أن آثار الحرائق لم تختف حتى بعد مرور خمس سنوات، مع استمرار ظهور سفوح التلال المتفحمة والمسارات المغلقة والمنحدرات الجرداء التي كانت مغطاة بالغابات.

توصل الباحثون إلى أن الحرائق أدت إلى انخفاض دائم في أعداد الزوار بالمناطق المحترقة، وهو ما انعكس على المجتمعات المحلية التي تعتمد اقتصادياً على السياحة والأنشطة الترفيهية.

استقطب متنزه روكي ماونتن الوطني نحو 4.2 مليون زائر خلال عام 2024، مولداً ما يقارب 862 مليون دولار من النشاط الاقتصادي للمجتمعات المحيطة، إلا أن الحرائق باتت تهدد هذا المورد الحيوي.

توصلت الدراسة إلى أن متوسط حرائق الغابات في كولورادو خفض أعداد الزوار بنسبة 8% خلال عام الحريق، بينما تراوحت الخسائر بين 15% و20% في المناطق التي تعرضت لحرائق شديدة، واستمرت هذه الخسائر سنوات لاحقة.

أظهرت البيانات أن الغابات كانت الأكثر تضرراً مقارنة بالأراضي العشبية، لأن تعافي الغابات قد يستغرق عقوداً طويلة، في حين تستعيد الأعشاب نموها خلال موسم أو موسمين فقط.

كشفت الدراسة أن حرائق كاليفورنيا كانت أكثر حدة، بعدما تسببت في انخفاض أعداد الزوار بنسبة وصلت إلى 33% في المناطق التي تعرضت لحرائق شديدة، دون أي تعافٍ حتى بعد خمس سنوات.

دفع تصاعد الحرائق السلطات الأمريكية إلى تعزيز الاستعدادات لموسم حرائق يوصف بأنه قد يكون من بين الأعنف في التاريخ الحديث.

أكد الرئيس المعين حديثاً لهيئة مكافحة حرائق الغابات الأمريكية برايان فيننسي، في مقابلة مع الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (NPR)، أن الهيئة تستعد لتسارع كبير في وتيرة الحرائق، موضحاً أن الوكالة تعمل على توفير طائرات إضافية وزيادة فرق الإطفاء مبكراً.

انتقد خبراء تركيز السلطات على إخماد الحرائق بدلاً من الاستثمار بصورة أكبر في إجراءات الوقاية، وعلى رأسها عمليات الحرق المُدار التي تهدف إلى إزالة النباتات الجافة والأشجار الميتة التي تتحول لاحقاً إلى وقود لحرائق كارثية.

شدد عالم حرائق الغابات بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس بارك ويليامز على أن أفضل وسيلة متاحة لمنع تحول الحرائق إلى كوارث واسعة هي توسيع نطاق الحرق المُدار، محذراً من أن تجاهل الإجراءات الوقائية سيؤدي إلى تفاقم الخسائر البشرية والبيئية والاقتصادية.

حذرت أستاذة جامعة براون كيم كوب من أن الولايات المتحدة أصبحت تواجه تهديدات متزامنة تشمل الحرائق والفيضانات الساحلية والأعاصير والكوارث المناخية الأخرى، مؤكدة أن البلاد “لا تملك ترف الانتظار”، لأن كل هذه الأزمات “ستحدث دفعة واحدة”.