منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

مدخل للكرامة الإنسانية.. تقرير تحليلي حول الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالحق في الصحة

18 يونيو 2026
تطور كبير حول الحق في الصحة
تطور كبير حول الحق في الصحة

كشف الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية عن تحول واضح في طريقة تناول الحق في الصحة داخل مجلس حقوق الإنسان. فلم يعد النقاش محصوراً في توفر المستشفيات أو الأدوية أو الخدمات الطبية، بل انتقل إلى سؤال أوسع وأكثر عمقاً: هل تضمن الأنظمة الصحية كرامة الإنسان، وتحميه من التمييز والوصم والإقصاء، وتتعامل مع الصحة باعتبارها نتيجة مباشرة لشروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

من خلال المداخلات التي قدمتها الدول والمجموعات الإقليمية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، برزت خمسة محاور كبرى حكمت مسار النقاش: الصحة بوصفها كرامة إنسانية، الحق في الصحة في النزاعات والأزمات، أثر التمييز والتجريم والوصم في الوصول إلى الرعاية، التغطية الصحية الشاملة والمحددات الاجتماعية للصحة، وأخيراً الخلاف السياسي والحقوقي حول الحقوق الجنسية والإنجابية والخصوصية الثقافية والسيادة الوطنية.

الجلسة لم تكن مجرد نقاش فني حول السياسات الصحية، بل تحولت إلى مساحة عكست صراعاً أوسع حول معنى الكرامة، وحدود عالمية حقوق الإنسان، ودور الدولة، ومكانة الفئات المهمشة، ومسؤولية المجتمع الدولي في حالات الحرب والاحتلال والأزمات الإنسانية.

الصحة بوصفها كرامة إنسانية

الرسالة المركزية التي سيطرت على الجلسة تمثلت في اعتبار الصحة مدخلاً أساسياً للكرامة الإنسانية، فالمقررة الخاصة أكدت أن الكرامة ليست مفهوماً نظرياً، بل يجب أن تنعكس في التشريعات والسياسات والميزانيات وآليات تقديم الرعاية الصحية، وبهذا المعنى، فإن الحق في الصحة لا يقتصر على وجود خدمة طبية، بل يشمل طريقة تقديم هذه الخدمة، ومدى احترامها لإنسانية المريض، وخصوصيته، واستقلاليته، وحقه في المشاركة في القرارات التي تمس جسده وحياته.

وقد دعمت دول عديدة هذا التوجه، ومنها الاتحاد الأوروبي، أستراليا، أيسلندا باسم بلدان الشمال والبلطيق، قبرص، السنغال، بلغاريا، الجزائر، نيبال، وتايلاند، وركزت هذه المداخلات على أن الأنظمة الصحية العادلة لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو حجم الإنفاق الصحي، بل بقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، وبناء علاقة ثقة مع المرضى، وضمان عدم التمييز في الرعاية.

ومن أبرز التطورات في هذا المحور أن النقاش لم يقتصر على كرامة المرضى، بل توسع ليشمل كرامة العاملين في القطاع الصحي، فقد أكدت الجزائر والمقررة الخاصة ومنظمات عدة أن العاملين الصحيين لا ينبغي النظر إليهم فقط بوصفهم منفذين للسياسات، بل جزء أساسي من منظومة الحق في الصحة، فحماية العاملين الصحيين، وتحسين ظروف عملهم، وإشراكهم في صنع السياسات، وتدريبهم على حقوق الإنسان، كلها عناصر ضرورية لضمان رعاية صحية كريمة.

هذا الطرح يمنح الحق في الصحة بعداً مؤسسياً وإنسانياً في آن واحد، فكرامة المريض لا تنفصل عن كرامة مقدم الخدمة، والحق في الرعاية لا يمكن أن يتحقق داخل بيئة صحية منهكة أو غير آمنة أو قائمة على الإقصاء.

الحق في الصحة خلال النزاعات

كان محور الحق في الصحة في النزاعات من أكثر المحاور حضوراً وتأثيراً في الجلسة، فقد نقلت مداخلات فلسطين، المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، منظمة العون الطبي للفلسطينيين، كوبا، جمعية أمل الدولية، أوكرانيا، إيران، موزمبيق، وجزر مارشال النقاش من مستوى المبادئ إلى مستوى الواقع القاسي الذي تواجهه المجتمعات تحت الحرب والاحتلال والكوارث.

في الحالة الفلسطينية، برزت غزة بوصفها المثال الأكثر وضوحاً لانهيار المحددات الأساسية للحق في الصحة، فقد ركزت المداخلات على تضرر المنظومة الصحية، ونقص الوقود والأدوية، وصعوبة الإجلاء الطبي، وحرمان المرضى من العلاج في الوقت المناسب، إلى جانب تدهور الصحة النفسية للأطفال والنازحين، كما تم تأكيد أن الحق في الصحة لا يمكن أن يتحقق في غياب المياه، والغذاء، والإصحاح، والمأوى، وحماية العاملين الصحيين، وإمكانية الوصول الآمن إلى المستشفيات.

وفي لبنان قدمت جمعية أمل الدولية وشبكة المنظمات غير الحكومية العربية واللبنانية مداخلة ربطت بين العدوان الإسرائيلي على لبنان وتداعياته على القطاع الصحي، مع الدعوة إلى تحقيق دولي مستقل وآلية لجمع الأدلة وحفظها، هذه المداخلة أضافت بعداً مهماً يتمثل في المطالبة بالمساءلة، وليس فقط الإغاثة أو المساعدة الإنسانية.

أما أوكرانيا، فقد ركزت على أثر الحرب الروسية واسعة النطاق في الصحة البدنية والنفسية للسكان، وفي أوضاع الأشخاص في المناطق المحتلة مؤقتاً، والمعوقات التي تحول دون حصولهم على الخدمات الطبية والأدوية، كما طرحت سؤالاً مباشراً حول آليات التوثيق الموضوعي والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي تقوض الحق في الصحة في النزاعات المسلحة.

وتوسعت الصورة أكثر مع مداخلة موزمبيق التي ربطت بين الإرهاب، والأعاصير، والنزوح، وتدمير البنية التحتية الصحية، ومع مداخلة جزر مارشال التي استحضرت الأثر التاريخي للاختبارات النووية والتهجير والتجارب التي تمت دون موافقة، باعتبارها انتهاكات عميقة وممتدة للحق في الصحة والكرامة.

تظهر هذه المداخلات أن الحق في الصحة في سياق النزاع ليس مسألة إنسانية طارئة فقط، بل هو اختبار للقانون الدولي، ولمنظومة المساءلة، ولقدرة المجتمع الدولي على حماية البنية الصحية بوصفها جزءاً من حماية الحياة والكرامة.

معوقات أمام الرعاية الصحية

من أكثر المحاور حساسية في الجلسة كان محور التمييز والتجريم والوصم، فقد أكدت المقررة الخاصة أن المساواة وعدم التمييز يشكلان التزامات ذات أولوية، وأن التمييز لا يكون دائماً مباشراً أو معلناً، بل قد يكون نتيجة سياسات تبدو محايدة لكنها تؤدي إلى إقصاء فئات محددة، مثل المهاجرين والنازحين والأشخاص الذين لا يملكون وثائق رسمية.

منظمات المجتمع المدني لعبت دوراً رئيسياً في دفع هذا المحور إلى الواجهة، فقد شددت Women Deliver، وAction Canada، وFrontline AIDS، وتحالف IDPC، وتحالفات حقوقية أخرى، على أن القوانين العقابية والتجريم والوصم تمثل معوقات حقيقية أمام الوصول إلى الخدمات الصحية، خاصة بالنسبة للفئات التي تعاني أصلاً من التهميش.

في هذا السياق، ركز تحالف IDPC وHarm Reduction International على سياسات مكافحة المخدرات، معتبراً أن النهج العقابي يؤدي إلى تحويل العلاج إلى امتداد للنظام العقابي، ويمنع المتعاطين أو مستخدمي المواد من طلب المساعدة الصحية خوفاً من الوصم أو الملاحقة، كما دعت منظمات أخرى إلى مراجعة القوانين والسياسات التي تقود إلى الإقصاء، مع تأكيد حماية الخصوصية والسرية ومنع استخدام البيانات الصحية لأغراض المراقبة أو العقاب.

كما تكرر الحديث عن أثر التجريم في الاستجابة لفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وعن الفئات التي لا تصل إلى الرعاية بسبب الخوف أو الوصم أو ضعف الثقة بالمؤسسات الصحية، وتظهر أهمية هذا المحور في أنه يحول النقاش من سؤال “هل توجد خدمات صحية؟” إلى سؤال أعمق: “من يستطيع الوصول إلى هذه الخدمات دون خوف؟”

وبذلك، يصبح التجريم ليس مسألة قانونية فقط، بل عامل صحي مؤثر؛ لأنه يحدد من يجرؤ على طلب الرعاية، ومن يبقى خارج النظام الصحي، ومن يتحمل كلفة الإقصاء بصمت.

التغطية الصحية الشاملة

أجمعت مداخلات متعددة على أن التغطية الصحية الشاملة والرعاية الصحية الأولية تمثلان مدخلين أساسيين لضمان الحق في الصحة، غير أن النقاش تجاوز مفهوم التغطية الصحية بوصفها مجرد تأمين أو خدمات طبية، ليشمل المحددات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تؤثر في صحة الإنسان.

الاتحاد الأوروبي ونيجيريا وإندونيسيا وبنغلاديش والسنغال وقبرص ونيبال وموزمبيق والجزائر وتايلاند وغيرها من الدول ركزت على أن الصحة ترتبط بالغذاء، والسكن، والمياه، والتعليم، والعمل، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي، وبرزت مداخلة إندونيسيا باسم أكثر من 60 دولة بشكل خاص في ربط الغذاء والتغذية بحق الأطفال في الصحة والكرامة، خاصة في مناطق النزاع والنزوح.

ومن خلال المداخلات، ظهر أن الرعاية الصحية الأولية ليست مجرد مستوى إداري داخل النظام الصحي، بل هي أداة للعدالة؛ لأنها تجعل الخدمة أقرب إلى الناس، وتساعد في الوقاية، وتقلل الفجوات بين المدن والمناطق الطرفية، وبين الفئات القادرة والفئات الهشة.

كما برزت تجارب وطنية مختلفة، مثل حديث تايلاند عن التغطية الصحية الشاملة وخدمات غير المواطنين، وحديث الجزائر عن مجانية العلاج، وحديث نيبال عن دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية، وحديث موزمبيق عن النظم الصحية المجتمعية، وحديث الصين/شبكة المنظمات الصينية عن الطب عن بعد والتقنيات الذكية.

هذه المداخلات تؤكد أن الحق في الصحة لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة الصحة وحدها، بل هو نتيجة لسياسات عامة متعددة القطاعات، فالإنسان قد يفقد صحته بسبب السكن غير اللائق، أو الجوع، أو غياب المياه، أو الفقر، أو العزلة، قبل أن يصل أصلاً إلى المستشفى.

الصحة النفسية أولوية

الصحة النفسية كانت أحد المحاور التي تزايد حضورها في الجلسة، خصوصاً في سياق النزاعات، والنزوح، والتشريعات، والرعاية المجتمعية، فأوكرانيا عرضت جهوداً لتأسيس مراكز للصحة النفسية والصمود المجتمعي في ظل الحرب، ونيبال أشارت إلى دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية، وقطر أكدت أن الصحة النفسية ما تزال بحاجة إلى تطوير من حيث المرافق والخدمات المتخصصة، وأيرلندا ركزت على التشريعات الحديثة للصحة النفسية، وعلى الموافقة المستنيرة والمشاركة في اتخاذ القرار.

كما ظهرت الصحة النفسية في المداخلات المتعلقة بغزة وفلسطين، خاصة فيما يتعلق بالأطفال وأسر النازحين، وهذا يعكس توسعاً مهماً في مفهوم الحق في الصحة، بحيث لم يعد التركيز مقتصراً على العلاج الجسدي أو الخدمات الطارئة، بل شمل الأثر النفسي العميق للنزاعات، والفقر، والإقصاء، والعنف.

اللافت أن الصحة النفسية طُرحت ليس فقط بوصفها خدمة طبية، بل بوصفها مجالاً يتطلب احترام الكرامة والاستقلالية والموافقة والمشاركة، وهو ما يجعلها إحدى أكثر القضايا ارتباطاً بفلسفة التقرير.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

ظهر محور التحول الرقمي بوصفه موضوعاً صاعداً داخل الجلسة، فقد أشارت السلفادور إلى منصات رقمية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الوصول إلى الرعاية، وركزت بنغلاديش على أهمية المعايير والإرشادات في استخدام الذكاء الاصطناعي، في حين شددت بلغاريا على الخصوصية والسرية وحماية البيانات الصحية، وأشارت الجزائر والصين إلى رقمنة القطاع الصحي والطب عن بعد.

هذا المحور يعكس سؤالاً جديداً في الحق في الصحة: كيف يمكن استخدام التكنولوجيا لتوسيع الوصول إلى الرعاية دون أن تتحول إلى أداة جديدة للتمييز أو المراقبة أو انتهاك الخصوصية؟

فالطب الرقمي قد يساعد في كسر الحواجز الجغرافية وتحسين جودة الخدمات، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بحماية البيانات، والثقة العامة، والفجوة الرقمية، والشفافية في استخدام الخوارزميات، لذلك فإن إدماج التكنولوجيا في الصحة يجب أن يخضع لمنظور حقوقي، لا لمنطق تقني فقط.

مراقبة الحق في الصحة

أحد المحاور العملية المهمة التي برزت في النصف الثاني من الجلسة هو دور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، فقد قدمت مفوضية الدفاع عن الشعب في كولومبيا، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب، والمفوضية المستقلة لحقوق الإنسان في فلسطين، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر مداخلات ركزت على الرصد، واستقبال الشكاوى، والزيارات الميدانية، والتوصيات، ومراقبة أوضاع الفئات الهشة.

كولومبيا ركزت على صعوبة الوصول إلى الأدوية الأساسية وعالية التكلفة، والفوارق الإقليمية والإثنية، وتأخر المواعيد الطبية، المغرب أشار إلى إدراج الحق في الصحة ضمن التقارير السنوية، وزيارات أماكن الحرمان من الحرية ومؤسسات الصحة النفسية، فلسطين عرضت الوضع الصحي الكارثي في غزة من زاوية مؤسسة وطنية حقوقية، وقطر ركزت على وصول العمال والفئات الهشة إلى الخدمات الصحية، وعلى الحاجة إلى تطوير خدمات الصحة النفسية.

هذا المحور مهم لأنه ينقل النقاش من مستوى المبادئ الدولية إلى آليات المتابعة الوطنية، فالحق في الصحة لا يحتاج فقط إلى نصوص قانونية، بل إلى مؤسسات مستقلة تراقب، وتوثق، وتستقبل الشكاوى، وتضغط باتجاه إصلاح السياسات.

الحقوق الجنسية والإنجابية

كان هذا المحور الأكثر تجاذباً سياسياً وحقوقياً في الجلسة، فمن جهة، دفعت منظمات المجتمع المدني وعدد من الدول باتجاه قراءة توسعية للحق في الصحة، تشمل الحقوق الجنسية والإنجابية، والاستقلال الجسدي، والموافقة المستنيرة، وإنهاء التجريم، وحماية الفئات المهمشة.

Women Deliver، Action Canada، Frontline AIDS، وتحالفات حقوقية أخرى اعتبرت أن الكرامة لا يمكن فصلها عن الاستقلالية، وأن القوانين العقابية والقيود المفروضة على الحقوق الجنسية والإنجابية تضعف قدرة الفئات المهمشة على الوصول إلى الصحة، كما ربطت هذه المنظمات بين الحق في الصحة والإرث الاستعماري، والعنصرية، والنظام الأبوي، وعلاقات القوة.

ومن جهة أخرى، عبرت المجموعة العربية، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونيجيريا، والجزائر بدرجات مختلفة عن ضرورة احترام التشريعات الوطنية، والقيم الدينية والثقافية، والمفاهيم المتوافق عليها دولياً، وقد تحفظت المجموعة العربية بوضوح على إدراج مفاهيم مثل الميل الجنسي والهوية الجندرية، وعلى أي مقاربات قد تُفهم بوصفها تدخلاً في التشريعات الجنائية أو إعادة تعريف للحقوق الإنجابية والنماذج الأسرية خارج الأطر القانونية والقيمية للمجتمعات العربية.

هذا الخلاف لا يعني أن هناك رفضاً للحق في الصحة ذاته، بل يعكس صراعاً حول تفسيره، فبينما ترى المقاربة الحقوقية التوسعية أن الكرامة تقتضي إزالة التجريم وتوسيع الحماية، ترى المقاربة المحافظة أو السيادية أن عالمية الحقوق يجب ألا تتحول إلى فرض مفاهيم غير متوافق عليها دولياً أو غير منسجمة مع السياقات الوطنية.

وبذلك، تحولت الجلسة إلى مرآة للانقسام الأوسع داخل منظومة حقوق الإنسان حول العلاقة بين عالمية الحقوق والخصوصية الثقافية والسيادة الوطنية.

قراءة في مواقف الفاعلين

يمكن تصنيف المواقف داخل الجلسة إلى عدة اتجاهات.. الاتجاه الأول هو الاتجاه الحقوقي التوسعي، وضم أساساً عدداً من الدول الغربية ومنظمات المجتمع المدني، هذا الاتجاه ركز على عدم التمييز، الحقوق الجنسية والإنجابية، الاستقلالية، إنهاء التجريم، وحماية الفئات المهمشة.

الاتجاه الثاني هو الاتجاه السيادي الثقافي، وبرز في مداخلات المجموعة العربية، مجلس التعاون، نيجيريا، والجزائر، هذا الاتجاه وافق على مركزية الحق في الصحة والكرامة، لكنه شدد على الخصوصية الثقافية والدينية، واحترام التشريعات الوطنية، وعدم فرض مصطلحات غير متوافق عليها دولياً.

الاتجاه الثالث هو الاتجاه العملي التنموي، وظهر في مداخلات دول مثل بنغلاديش، السنغال، نيبال، موزمبيق، تايلاند، قبرص، والصين، وركز على التغطية الصحية الشاملة، الرعاية الأولية، البنية التحتية، التحول الرقمي، والتمويل.

الاتجاه الرابع هو اتجاه المساءلة في النزاعات، وبرز في مداخلات فلسطين، أوكرانيا، لبنان، Medical Aid for Palestinians، جمعية أمل الدولية، والمفوضية الفلسطينية، وركز على حماية المرافق الصحية والعاملين الصحيين، وضمان الوصول الإنساني، وتوثيق الانتهاكات والمساءلة.

الاتجاه الخامس هو اتجاه المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، الذي ركز على آليات الرصد والشكاوى والحوكمة الصحية والرقابة المستقلة.

هذا التنوع في المواقف منح الجلسة عمقاً سياسياً وحقوقياً، وجعلها تتجاوز النقاش الفني إلى نقاش أوسع حول السلطة، والسيادة، والعدالة، والمسؤولية الدولية.

ملاحظات حول إرث المقررة الخاصة

الملاحظات الختامية للمقررة الخاصة لم تكن مجرد رد تقني على الأسئلة، بل شكلت بياناً سياسياً وحقوقياً حول إرث ولايتها، فقد أكدت مجدداً مركزية المساواة وعدم التمييز، ودعت إلى حماية الفئات التي تتضرر من السياسات غير المباشرة، وإلى إدماج حقوق الإنسان في تدريب العاملين الصحيين، وإلى حماية كرامتهم المهنية.

وربطت المقررة الخاصة الحق في الصحة بقضايا أوسع مثل الاستعمار، والاحتلال، والاستغلال، والعنف، والتمييز البنيوي، مؤكدة أن الحق في الصحة ليس مجرد التزام تقني، بل جزء من منظومة حقوق الإنسان والدبلوماسية الدولية والسلم والأمن.

واتسمت ملاحظاتها الختامية بطابع شخصي واضح، إذ قدمت تجربتها بوصفها امرأة وطبيبة ومن خلفية عانت من التمييز العنصري، وربطت بين تجربتها الخاصة ونضال الفئات الموجودة في الهامش. هذه الخاتمة منحت الولاية بعداً رمزياً، إذ قدمت الكرامة ليس فقط بوصفها مفهوماً قانونياً، بل بوصفها معركة سياسية وأخلاقية ضد الإقصاء والوصم والتجريم والعنصرية.

الحق في الصحة معيار للعدالة

تكشف الجلسة أن الحق في الصحة أصبح أحد أكثر الحقوق قدرة على جمع القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإنسانية في إطار واحد، فمن خلال الصحة، نوقشت الحرب، والاحتلال، والتمييز، والتجريم، والفقر، والجوع، والسكن، والمياه، والصحة النفسية، والذكاء الاصطناعي، والخصوصية الثقافية، والسيادة الوطنية، والمساءلة الدولية.

الرسالة الأهم التي خرجت من الحوار هي أن الصحة ليست خدمة طبية فقط، بل معيار لقياس عدالة الدولة وكرامة الإنسان داخلها، فالدولة التي تضمن الحق في الصحة لا تكتفي ببناء المستشفيات، بل تزيل المعوقات القانونية والاجتماعية، وتحمي الفئات الهشة، وتستثمر في الرعاية الأولية، وتضمن الغذاء والمياه والسكن، وتحمي العاملين الصحيين، وتوفر آليات شكاوى ومساءلة، وتمنع أن يتحول المرض أو الفقر أو النزاع إلى سبب إضافي للإهانة.

لكن الجلسة أظهرت أيضاً أن الإجماع على الحق في الصحة لا يعني الإجماع على تفسيره، فهناك خلاف واضح بين من يدفع باتجاه توسيع هذا الحق ليشمل الاستقلالية والحقوق الجنسية والإنجابية وإنهاء التجريم، وبين من يرى أن هذا التوسع يجب أن يبقى محكوماً بالتوافق الدولي والخصوصية الثقافية والسيادة الوطنية.

ومع ذلك، يبقى المشترك الأهم أن الكرامة أصبحت اللغة المركزية التي يتحدث بها الجميع، حتى وإن اختلفوا في معناها وحدودها، وهذا بحد ذاته يعكس تطوراً مهماً في الخطاب الحقوقي حول الصحة: لم يعد السؤال فقط كيف نعالج المرض، بل كيف نحمي الإنسان من أن يتحول مرضه أو ضعفه أو هويته أو فقره أو موقعه في النزاع إلى سبب لانتهاك كرامته.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار هذه الجلسة واحدة من الجلسات التي أعادت تثبيت الحق في الصحة بوصفه حقاً شاملاً متداخلاً وسياسياً بامتياز، لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية، ولا عن المساءلة، ولا عن النضال الأوسع من أجل الكرامة الإنسانية.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print