اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية مقترح قانون يمدد المدة القصوى للاحتجاز الإداري لبعض الأجانب المقيمين في وضع غير نظامي والمصنفين على أنهم “خطرون”، لتصل إلى 210 أيام، أي سبعة أشهر، بدلًا من السقف العام الحالي البالغ 90 يومًا.
القانون، المعروف إعلاميًا باسم “قانون فيليبين”، لا يزال بحاجة إلى المرور أمام مجلس الشيوخ في نهاية مايو قبل إقراره نهائيًا، لكنه منذ تصويت الجمعية الوطنية فتح نقاشًا واسعًا في فرنسا بين من يراه أداة ضرورية لحماية الأمن العام، ومن يعتبره توسعًا خطيرًا في الحرمان الإداري من الحرية خارج إطار العقوبة القضائية.
حصل النص على دعم 345 نائبًا من كتل الوسط واليمين واليمين المتطرف، مقابل 177 نائبًا عارضوه، معظمهم من اليسار، وقدمه النائب تشارلز رودويل عن حزب “النهضة” الرئاسي، بدعم من الحكومة، تحت عنوان “تعزيز الأمن والاحتجاز الإداري والوقاية من مخاطر الاعتداءات”.
ويسمح القانون بتمديد احتجاز فئة محددة من الأجانب داخل مراكز الاحتجاز الإداري CRA إلى 210 أيام إذا اجتمعت ثلاثة شروط أساسية: أن يكون الشخص خاضعًا لقرار بمغادرة الأراضي الفرنسية OQTF، وأن يكون قد حُكم عليه سابقًا بالسجن لمدة لا تقل عن 3 سنوات بسبب اعتداءات على الأشخاص، وأن يمثل تهديدًا “حقيقيًا وحاليًا وبالغ الخطورة” للنظام العام.
بهذا المعنى، لا يستهدف النص كل الأجانب في وضع غير نظامي، بل فئة تصفها الحكومة ومؤيدو القانون بأنها محدودة وخطيرة.. ووفقًا للنائب تشارلز رودويل، فإن الإجراء لن يطول سوى “بضع عشرات” من الأشخاص سنويًا.
ما هو الاحتجاز الإداري؟
الاحتجاز الإداري في فرنسا ليس عقوبة جنائية، بل إجراءً إدارياً يسمح للسلطات باحتجاز أجنبي في مركز مغلق تمهيدًا لترحيله. ويُستخدم عادة عندما ترى الإدارة أن الشخص قد يتهرب من تنفيذ قرار مغادرة الأراضي الفرنسية.
حاليًا، تبلغ المدة القصوى للاحتجاز الإداري في الحالات العامة 90 يومًا، بينما يمكن أن تصل إلى 180 يومًا في بعض الملفات المرتبطة بالإرهاب، القانون الجديد يرفع السقف إلى 210 أيام في حالات الأجانب المصنفين خطرين، وكذلك في بعض الحالات المرتبطة بالتهديد الإرهابي.
وتؤكد جمعيات حقوقية مثل La Cimade أن الاحتجاز الإداري يفترض أن يكون إجراءً استثنائيًا، ولا يُستخدم إلا عندما لا تملك الإدارة وسيلة أقل مساسًا بالحرية لتنفيذ الترحيل.
تصلب خطاب الهجرة
يرتبط القانون سياسيًا بقضية مقتل الطالبة الفرنسية فيليبين عام 2024، وهي جريمة أثارت صدمة كبيرة في فرنسا بعدما تبين أن المشتبه به، وهو مغربي كان خاضعًا لقرار بمغادرة الأراضي الفرنسية، خرج حديثًا من الاحتجاز الإداري.
منذ تلك الحادثة، صعدت مطالب اليمين واليمين المتطرف بتمديد مدة احتجاز الأجانب الذين تعتبرهم السلطات خطرين، خصوصًا عندما يتعذر ترحيلهم سريعًا بسبب غياب وثائق السفر أو رفض بلد المنشأ الاعتراف بهم.
وقال رودويل، وهو نائب عن منطقة إيفلين التي كانت تقيم فيها الضحية، إنه تعهد أمام عائلتها بتقديم نص “عابر للأحزاب” يحقق توازنًا بين “حماية الحريات العامة” و“تعزيز أمن الفرنسيين”.
محاولة بعد إبطال دستوري
القانون الجديد ليس المحاولة الأولى لرفع مدة الاحتجاز إلى 210 أيام، ففي صيف 2025، أُقر نص مشابه، لكنه أُبطل لاحقًا من قبل المجلس الدستوري الفرنسي، الذي اعتبر أن التمديد غير متناسب ويمس الحرية الفردية بشكل لا ينسجم مع الدستور.
وجاءت النسخة الجديدة بصياغة تقول الأغلبية إنها أكثر تقييدًا واستجابة لملاحظات المجلس الدستوري، خصوصًا عبر اشتراط وجود تهديد “حالي” و“بالغ الخطورة”، إضافة إلى سوابق جنائية محددة.
غير أن معارضي النص يشككون في كفاية هذه الضمانات، ويرون أن جوهر الإشكال ما زال قائمًا: احتجاز إداري طويل لشخص لم يصدر بحقه حكم جديد يبرر سجنه.
لماذا تدافع الحكومة؟
يرى مؤيدو القانون أن السلطات تواجه حالات معقدة لأجانب صدرت بحقهم قرارات ترحيل، لكن تنفيذ هذه القرارات يتأخر بسبب صعوبات دبلوماسية أو إدارية، مثل غياب وثائق السفر أو رفض الدولة الأصلية إصدار تصاريح قنصلية.
ويقول المدافعون عن النص إن إطلاق سراح شخص ترى السلطات أنه خطر على النظام العام بعد انتهاء مهلة الاحتجاز الحالية قد يعرّض المجتمع لمخاطر أمنية، لذلك يطرحون التمديد إلى 210 أيام كحل يمنح الإدارة وقتًا إضافيًا لتنفيذ الترحيل، من دون ترك الشخص حرًا إذا اعتُبر تهديده مستمرًا.
كما يدعم النصَ جزءٌ من اليمين واليمين المتطرف باعتباره تشددًا ضروريًا في ملف الهجرة غير النظامية، بينما ترى الحكومة أنه إجراء محدود وموجه لفئة ضيقة، وليس تغييرًا عامًا في سياسة الاحتجاز.
احتجاز بلا محاكمة
في المقابل، تقول المعارضة اليسارية إن القانون يفتح الباب أمام شكل من أشكال “السجن الإداري”، لأنه يمدد الحرمان من الحرية إلى سبعة أشهر من دون حكم قضائي جديد.
ووصفت النائبة الاشتراكية سيلين هيرفيو النص بأنه قانون “إعلامي”، معتبرة أنه يكرس مبدأ “السجن دون محاكمة”.
أما النائبة البيئية ستيلا دوبونت فاعتبرت أن تمديد مدة الاحتجاز لن يؤدي بالضرورة إلى زيادة عمليات الترحيل، لأن المشكلة في كثير من الملفات ليست قصر مدة الاحتجاز، بل رفض دول المنشأ الاعتراف بمواطنيها أو إصدار الوثائق اللازمة.
ومن ثَم، ترى أن الأولوية يجب أن تكون للدبلوماسية والتفاوض مع الدول المعنية، لا لإبقاء الأشخاص محتجزين لفترات أطول.
ويستند هذا النقد إلى واقع عملي: الترحيل لا يتوقف فقط على قرار فرنسي، بل يحتاج عادة إلى تعاون بلد المنشأ وإصدار وثائق سفر، فإذا غاب هذا التعاون فقد يتحول التمديد إلى فترة احتجاز أطول من دون نتيجة فعلية.
أرقام الاحتجاز الإداري
بحسب تقرير جمعيات فرنسية معنية بمراكز الاحتجاز الإداري، بينها La Cimade، تم احتجاز 16,228 شخصًا في مراكز الاحتجاز الإداري داخل فرنسا القارية عام 2024، وهو رقم قريب من عام 2023، مع انخفاض يقارب 5%.
ويرتفع العدد إلى أكثر من 40 ألف شخص عند احتساب مراكز مايوت وأقاليم ما وراء البحار، بينها 22,300 شخص في مايوت وحدها.
وتشير بيانات La Cimade عن عام 2023 إلى أن نحو 47 ألف أجنبي وُضعوا في الاحتجاز الإداري، بينهم نحو 28 ألفًا في مايوت و17 ألفًا في فرنسا القارية، بينما لم تتجاوز نسبة الإبعاد من مراكز الاحتجاز في فرنسا القارية 36%.
هذه الأرقام يستخدمها منتقدو القانون للقول إن إطالة مدة الاحتجاز لا تعني تلقائيًا زيادة الترحيل، لأن نسبة كبيرة من المحتجزين قد لا يُرحّلون في النهاية لأسباب قانونية أو إجرائية أو دبلوماسية.
النص يتجاوز الهجرة
لا يقتصر مقترح القانون على تمديد الاحتجاز الإداري، فهو يتضمن أيضًا بنودًا مرتبطة بالوقاية من الإرهاب، من بينها إنشاء آلية تتيح للمحافظ إصدار أمر بإجراء فحص نفسي لبعض الأشخاص إذا ظهرت عليهم مؤشرات تأييد أو تمجيد لنظريات تحرض على أعمال إرهابية، وكانت لديهم سلوكيات قد ترتبط باضطرابات نفسية.
بعد هذا الفحص، يمكن أن تقرر السلطات النقل القسري إلى المستشفى في ظروف محددة. ويرى مؤيدو هذا البند أنه يسمح بالتدخل المبكر قبل وقوع اعتداءات، بينما يحذر معارضوه من خلط خطير بين الطب النفسي والأمن الداخلي، وتحويل العلاج إلى أداة رقابة.
كما يقترح النص إنشاء صيغة من الاحتجاز الأمني الإرهابي، تسمح بوضع أجانب، بشروط معينة، في مراكز رعاية أو متابعة بعد انتهاء عقوباتهم السجنية إذا اعتُبروا مستمرين في تشكيل خطر أمني.
أين تنتهي الحماية؟
النقاش حول القانون لا يتعلق فقط بالهجرة، بل بسؤال أوسع: إلى أي مدى يمكن للدولة أن تمدد احتجاز شخص إداريًا لحماية النظام العام؟
المؤيدون يقولون إن النص يستهدف أشخاصًا مدانين بجرائم خطيرة وخاضعين أصلًا لقرارات ترحيل، وإن الدولة لا تستطيع تجاهل تهديد قائم.
أما المعارضون فيرون أن تمديد الاحتجاز إلى سبعة أشهر يقرب مراكز الاحتجاز الإداري من منطق السجون، رغم أن الأشخاص المحتجزين فيها ليسوا مسجونين تنفيذًا لعقوبة جنائية جديدة.
وتحذر منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، من أن الاحتجاز الإداري الطويل قد يؤدي إلى تدهور نفسي واجتماعي للمحتجزين، خاصة إذا كان الترحيل غير ممكن عمليًا، كما تخشى أن يصبح الاستثناء قاعدة، وأن يتم توسيع تعريف “الخطورة” مستقبلًا ليشمل فئات أوسع.
وتتبنى العفو الدولية موقفًا ثابتًا ضد التوسع في احتجاز المهاجرين، وترى أن الاحتجاز يجب أن يكون ملاذًا أخيرًا، مبنيًا على تقييم فردي، وأن تكون هناك فرصة واقعية لتنفيذ الترحيل خلال مدة معقولة.
وانتقدت “العفو الدولية”، ضمن ائتلاف يضم أكثر من 200 منظمة، مقترحات أوروبية توسع استخدام احتجاز المهاجرين وتمدد مدته، معتبرة أن التمديد “غير متناسب وغير فعال” ويعمق الضرر بحقوق وكرامة وصحة الأشخاص المحتجزين.
موقف اليمين واليسار
حَظِي القانون بدعم قوي من اليمين واليمين المتطرف، اللذين يعتبران أن فرنسا تحتاج إلى أدوات أكثر صرامة لمواجهة الهجرة غير النظامية والأجانب المدانين بجرائم، ويرى هؤلاء أن الدولة تفقد مصداقيتها عندما تصدر قرارات مغادرة الأراضي الفرنسية ثم تفشل في تنفيذها.
ويحاول اليمين ربط النص بسياق أوسع من التشدد في ملف الهجرة، بينما يسعى حزب “التجمع الوطني” إلى تقديمه كاعتراف متأخر بطرحه الأمني، ومن هنا بدا التصويت كتحالف عملي بين الوسط الرئاسي واليمين واليمين المتطرف، مقابل رفض واضح من اليسار.
ويرى اليسار أن القانون يعالج حادثة جنائية مؤلمة بمنطق تشريعي عام، وأنه يمنح الإدارة سلطة خطيرة على الحرية الشخصية، كما تعتبر الجمعيات أن مراكز الاحتجاز ليست مصممة للإقامة الطويلة، وأن مددًا مثل 210 أيام ستضاعف الضغط النفسي والحقوقي داخلها.
وتحذّر منظمات حقوقية، منها هيومن رايتس ووتش، من ضعف الوصول إلى المشورة القانونية داخل مراكز الاحتجاز، وهو ملف أثار جدلًا منفصلًا في 2025 عندما صوّت مجلس الشيوخ على نص يهدف إلى إخراج الجمعيات من هذه المراكز ونقل المساعدة القانونية إلى مكتب الهجرة والاندماج الفرنسي OFII، وهو ما اعتبرته جمعيات مساسًا بالرقابة المستقلة على أماكن الحرمان من الحرية.
ومن منظور هيومن رايتس ووتش، المشكلة ليست فقط في مدة الاحتجاز، بل في اللجوء إلى الاحتجاز نفسه عندما توجد بدائل أقل مساسًا بالحرية، ومن ثم، فإن رفع المدة إلى سبعة أشهر يزيد المخاوف بدل حلها.
وفي تقريرها لعام 2026 عن فرنسا، قالت هيومن رايتس ووتش إن المهاجرين وطالبي اللجوء واجهوا “بيئة متزايدة العداء”، ضمن سياق أوسع يشمل التمييز ضد الأقليات وتقييد المجتمع المدني والحريات.
هل تزيد عمليات الترحيل؟
يرى مؤيدو القانون أن الإدارة تحتاج إلى وقت أطول للحصول على الوثائق القنصلية وتنظيم الترحيل، أما المعارضون فيقولون إن أغلب عمليات الترحيل التي تنجح تتم عادة في الأسابيع الأولى من الاحتجاز، وأن بقاء الشخص مدة أطول لا يغير موقف دولة المنشأ إذا كانت ترفض التعاون.
كما أن الترحيل قد يتعذر إذا كان الشخص معرضًا للخطر في بلده، أو إذا تدخل القضاء لوقف الإبعاد، أو إذا لم تتوافر ضمانات قانونية كافية.. لذلك، قد يؤدي القانون إلى إطالة مدة الاحتجاز من دون أن يرفع بالضرورة عدد الإبعادات.
وبعد اعتماد النص في الجمعية الوطنية، يُفترض أن يُعرض على مجلس الشيوخ في نهاية مايو/أيار 2026، وإذا أدخل المجلس تعديلات عليه فقد يعود إلى الجمعية الوطنية لاستكمال القراءة البرلمانية.
وبسبب حساسية النص وسابقة إبطال نسخة مشابهة في 2025، من المرجح أن يُحال القانون مرة أخرى إلى المجلس الدستوري إذا أقره البرلمان نهائيًا.
وسيكون على المجلس أن يقرر ما إذا كانت الصياغة الجديدة كافية لضمان التناسب بين الأمن العام والحرية الفردية.

