نشرت الأمم المتحدة مقالًا للكاتب الصحفي كونور لينون حذّر فيه من أن انتشار التكنولوجيات الجديدة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، جعل خطر الإرهاب النووي والإشعاعي أعلى من أي وقت مضى، رغم أن العالم لم يشهد حتى الآن هجومًا إرهابيًا نوويًا منذ ظهور التكنولوجيا النووية قبل نحو 80 عامًا.
وأكد لينون، في مقاله المنشور عبر موقع الأمم المتحدة، أن التهديد الحالي ينتمي إلى فئة المخاطر ذات “الاحتمالية المنخفضة والتأثير الهائل”، موضحًا أن وقوع هجوم إرهابي نووي أو إشعاعي واحد قد تكون له تداعيات إنسانية وبيئية واقتصادية عالمية، فضلًا عن تقويض السلم والأمن الدوليين وزعزعة الثقة في الاستخدامات السلمية للطاقة والتكنولوجيا النووية.
وأوضح المقال أن الإرهاب النووي لا يملك تعريفًا واحدًا جامعًا، لكنه قد يشمل عدة سيناريوهات خطيرة، مثل استخدام “القنابل القذرة”، أو استهداف محطات الطاقة النووية، أو استخدام مواد نووية أو مشعة مسروقة، أو محاولة تصنيع عبوة نووية بدائية.
ورغم عدم وقوع أي هجوم نووي إرهابي حتى الآن، شدد لينون على أن غياب الحوادث لا يعني غياب الخطر، خاصة في ظل سوابق مرتبطة بمحاولات تهريب أو سرقة مواد إشعاعية في مناطق مختلفة من العالم، إضافة إلى إعلان تنظيمات إرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة، عن رغبتها في تنفيذ هجمات ذات طابع نووي أو إشعاعي.
التكنولوجيا تضاعف المخاطر
ونقل المقال عن ماورو ميديكو، مدير مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، قوله إن التهديد “لم يصل من قبل إلى هذا المستوى من الخطورة”، مشيرًا إلى أن الجماعات الإرهابية باتت أكثر انخراطًا في استخدام التكنولوجيات الحديثة.
وأوضح ميديكو أن جماعات متطرفة جنّدت خبراء في مجالات تقنية، من بينهم متخصصون في الذكاء الاصطناعي، كما استخدمت الطائرات المسيّرة في تنفيذ أعمال إرهابية.
واعتبر أن هذه التطورات تجعل احتمال استخدام طائرة مسيّرة لحمل “قنبلة قذرة” أو مواد إشعاعية أكثر واقعية مما كان عليه في السابق.
حوادث تثير القلق
أشار المقال إلى أن السنوات الماضية شهدت عدة حوادث مرتبطة بتهريب أو سرقة مواد إشعاعية، ومن بين الأمثلة التي أوردها، إبلاغ طاجيكستان عام 2021 عن سرقة 133 قرصًا تحتوي على ثاني أكسيد اليورانيوم، مع ترجيحات بأن الهدف كان الاتجار بها داخل البلاد أو عبر الحدود باتجاه أفغانستان.
ويرى خبراء أمميون أن مثل هذه الحوادث تكشف وجود ثغرات في أنظمة الرقابة والحماية، خصوصًا في المناطق التي تشهد هشاشة أمنية أو نشاطًا للجماعات المسلحة أو شبكات التهريب العابرة للحدود.
وشدد المقال على أن تعزيز الإطار القانوني الدولي لمواجهة الإرهاب النووي يمثل أولوية قصوى للأمم المتحدة والدول الأعضاء، لا سيما من خلال الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي.
وتوفر هذه الاتفاقية أساسًا قانونيًا لتجريم الأفعال التي تنطوي على استخدام مواد نووية أو مشعة بقصد إرهابي، كما تعزز التعاون الدولي في التحقيقات، والملاحقة القضائية، وتسليم المطلوبين، وتبادل المعلومات، والمساعدة القانونية المتبادلة.
وخلال اجتماع عُقد في مايو على هامش مؤتمر المراجعة الحادي عشر لأطراف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، دعا مسؤولون أمميون، بينهم ميديكو، جميع الدول الأعضاء إلى الانضمام إلى الاتفاقية في أقرب وقت ممكن، باعتبارها حجر زاوية في منظومة الأمن النووي العالمي.
قدرات محدودة
ورغم الدعم الدولي الواسع للاتفاقية منذ اعتمادها قبل 21 عامًا، أشار المقال إلى أن نحو 66 دولة لم تنضم إليها بعد.
ووفق ميديكو، فإن السبب لا يعود غالبًا إلى نقص الإرادة السياسية، بل إلى محدودية القدرات التقنية والقانونية لدى بعض الدول.
وأوضح أن الخطوة الأولى تتمثل في بناء أطر قانونية وطنية قوية، تشمل التعاون مع الدول الأخرى، والقدرة على التحقيق وتبادل المعلومات القضائية، واتخاذ تدابير وقائية فعالة لمنع وقوع الهجمات قبل حدوثها.
وفي هذا السياق، يقدم مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي، دعمًا فنيًا وتشريعيًا للحكومات الوطنية لمساعدتها على الانضمام إلى الاتفاقية وتنفيذ أحكامها بالكامل.
ثغرات قانونية مستمرة
ولفت المقال إلى أن تباطؤ وتيرة الانضمام إلى الاتفاقية خلال السنوات الأخيرة أبقى ثغرات في البنية القانونية الدولية لمكافحة الإرهاب النووي.
وتشمل أسباب هذه الثغرات ضعف الوعي بالاتفاقية، وتزاحم الأولويات التشريعية، ونقص الخبرات الوطنية، والحاجة إلى مزيد من المساعدة الفنية.
وأكد لينون أن استمرار هذه الثغرات يفرض على المجتمع الدولي التحرك بسرعة، لأن الجماعات الإرهابية لم تعد تعتمد فقط على الوسائل التقليدية، بل باتت قادرة على استغلال تقنيات رخيصة ومتاحة وسريعة التطور، ما يزيد صعوبة التنبؤ بالمخاطر واحتوائها.
منع الكارثة قبل وقوعها
خلص المقال إلى أن العالم نجح حتى الآن في تجنب وقوع هجوم إرهابي نووي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الآليات القانونية والأمنية القائمة.
غير أن الأمم المتحدة تؤكد أن هذا النجاح لا ينبغي أن يؤدي إلى الاطمئنان، بل إلى مضاعفة الجهود لسد الثغرات.
وقال ميديكو إن الهدف يجب أن يكون ضمان عدم وقوع مثل هذه الأعمال إطلاقًا، عبر دعم الدول الأعضاء، وتعزيز التعاون الدولي، وتطوير القدرات القانونية والتقنية، ومواكبة التغير السريع في أدوات الجماعات الإرهابية.
وفي ضوء الانتشار المتسارع للطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، يصبح الإرهاب النووي، كما يوضح مقال الأمم المتحدة، خطرًا لا يمكن التعامل معه باعتباره سيناريو بعيدًا أو نظريًا، بل تهديدًا يستدعي استعدادًا قانونيًا وأمنيًا وتقنيًا مستمرًا قبل أن يتحول الاحتمال المنخفض إلى كارثة عالمية.
