منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الغلاء والبطالة وشح الخدمات.. كيف وصلت الأوضاع المعيشية في تونس إلى هذه المرحلة؟

16 أغسطس 2026
تظاهرات في تونس ضدّ تردّي الظروف المعيشية
تظاهرات في تونس ضدّ تردّي الظروف المعيشية

خرجت الأزمة المعيشية في تونس من نطاق المؤشرات الاقتصادية إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، بعدما تزامنت موجة الحر القياسية مع انقطاعات متكررة للكهرباء والمياه، وارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار البطالة عند مستويات مرتفعة. وأظهرت الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة تونس في الذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد، أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية أصبحت محوراً رئيسياً في مطالب المحتجين الذين ربطوا بين تراجع القدرة الشرائية وضعف الخدمات الأساسية ومستقبل الأوضاع السياسية والاقتصادية.

بحسب ما ذكرته وكالة فرانس برس تظاهر نحو 2500 شخص في العاصمة تونس مرددين شعارات تربط بين انقطاع الكهرباء والمياه وارتفاع الأسعار، كما طالبوا بمحاسبة منظومة الحكم، في حين أكد متحدثون باسم أحزاب معارضة أن التحرك جاء احتجاجاً على ما وصفوه بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، في حين دعا أكاديميون إلى استعادة مبادئ الجمهورية وتعزيز المشاركة المدنية في مواجهة الأزمة المتفاقمة.

اقتصاد يتحسن ببطء ولا ينعكس على المواطنين

أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن معدل البطالة بلغ 15 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، مع وجود أكثر من 641 ألف عاطل عن العمل، في حين بلغ معدل النشاط الاقتصادي 45.9 بالمئة. كما سجل الاقتصاد نمواً بنحو 2.6 بالمئة خلال الفترة نفسها، في حين استقر التضخم عند نحو 5.3 بالمئة في يونيو 2026، وهي مؤشرات تعكس تحسناً نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها لا تزال بعيدة عن إحداث تحول ملموس في مستوى معيشة الأسر.

وأضاف صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد التونسي لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتمثل في ارتفاع الدين العام الذي يقترب من 85 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، واستمرار البطالة عند مستويات تفوق 15 بالمئة، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية وتحسين الدخول الحقيقية للأسر.

موجة حر تكشف هشاشة الخدمات

أبرزت موجة الحر الأخيرة هشاشة البنية التحتية للخدمات العامة، بعدما اضطرت السلطات إلى تنفيذ انقطاعات دورية للكهرباء لتخفيف الضغط على الشبكة نتيجة الارتفاع الكبير في استهلاك أجهزة التكييف، كما سجلت بعض المناطق انقطاعات متكررة للمياه، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة داخل المستشفيات والمؤسسات الصحية.

وأكدت المنظمة التونسية للأطباء الشبان أن أقسام الطوارئ واجهت ضغوطاً كبيرة، ودعت المواطنين إلى التبرع بمراوح كهربائية للمستشفيات وتوفير الثلج لتبريد المصابين بضربات الشمس، كما ناشدت طلبة الطب والتمريض التطوع لدعم الطواقم الطبية في أقسام الاستعجالي.

وأشار رئيس المنظمة وجيه ذكار إلى أن تقديرات الأطباء الشبان تفيد بوفاة ما بين 150 و200 شخص خلال الأيام الأخيرة نتيجة موجة الحر، في حين لم تعلن وزارة الصحة التونسية حصيلة رسمية حتى الآن، وهو ما أبقى هذه الأرقام في إطار التقديرات الطبية غير الرسمية التي تداولتها وسائل الإعلام الدولية، ومنها وكالة فرانس برس.

القدرة الشرائية تحت الضغط

أوضح البنك الدولي أن الاقتصاد التونسي حقق مؤشرات تعاف تدريجية مدفوعة بتحسن الإنتاج الزراعي وقطاع السياحة، إلا أن هذا التعافي لم ينعكس بصورة كافية على الفئات الأكثر هشاشة، التي لا تزال تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على فرص العمل والدخل المستقر في تونس وأضاف البنك أن استمرار تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية يمثل شرطاً أساسياً لتخفيف الضغوط الواقعة على الأسر محدودة الدخل.

كما أظهرت بيانات البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي سجل نمواً بنحو 2.5 بالمئة في عام 2025، في حين بلغ معدل التضخم 5.2 بالمئة، واستقر معدل البطالة عند نحو 15.1 بالمئة، وهي مؤشرات تؤكد استمرار الضغوط الاقتصادية رغم التحسن النسبي مقارنة بسنوات الأزمة الحادة.

 تراجع الحقوق الاجتماعية

أكدت منظمات حقوقية تونسية ودولية أن الأوضاع الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في العمل والصحة والمياه والسكن اللائق ومستوى المعيشة المناسب.

وأشارت منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في تقاريرها الأخيرة عن تونس، إلى استمرار المخاوف المتعلقة بتراجع مساحة الحريات العامة واعتقال معارضين وصحفيين ومحامين وناشطين، معتبرة أن معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب أيضاً بيئة تسمح بالحوار المجتمعي والمساءلة والشفافية، ما ينسجم مع الالتزامات الدولية لتونس في مجال حقوق الإنسان.

 حماية الفئات الأكثر هشاشة

أكدت وكالات الأمم المتحدة العاملة في تونس أن الضغوط الاقتصادية العالمية وتغير المناخ وموجات الجفاف والحرارة المتكررة تزيد من هشاشة أوضاع الفئات محدودة الدخل، خصوصاً كبار السن والأطفال والأسر التي تعتمد على الدخل غير المنتظم.

وأوضح البنك الدولي، بالتعاون مع الحكومة التونسية، أن برنامج “أمان” للتحويلات النقدية أصبح يقدم مساعدات دائمة لأكثر من 386 ألف أسرة، إضافة إلى مخصصات للأطفال يستفيد منها أكثر من 150 ألف طفل، في حين استفاد نحو 895 ألف أسرة من برامج الدعم الاجتماعي خلال السنوات الماضية، في إطار تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.

القانون الدولي والحقوق الاقتصادية

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي انضمت إليه تونس على حق كل إنسان في مستوى معيشي كاف يشمل الغذاء والمياه والسكن والصحة والعمل والضمان الاجتماعي. كما تؤكد لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحكومات مطالبة باتخاذ أقصى ما تسمح به مواردها المتاحة لضمان الإعمال التدريجي لهذه الحقوق، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر تضرراً أثناء الأزمات الاقتصادية.

ويرى خبراء الأمم المتحدة أن موجات الحر وتغير المناخ أصبحت تمثل تحدياً مباشراً لحق الإنسان في الصحة والحياة، الأمر الذي يستوجب تعزيز جاهزية المستشفيات، وتأمين استمرارية خدمات الكهرباء والمياه، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر الصحية.

أزمة متعددة الأبعاد

تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة التونسية لم تعد تقتصر على تباطؤ النمو أو ارتفاع الأسعار، بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع تراجع الخدمات العامة وتداعيات التغير المناخي والتوترات السياسية، وبينما تشير المؤشرات الرسمية إلى تحسن تدريجي لبعض المتغيرات الاقتصادية، لا تزال حياة كثير من التونسيين تتأثر بارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار البطالة، والانقطاعات المتكررة للخدمات الأساسية، وهو ما يفسر استمرار الاحتجاجات واتساع الدعوات إلى تبني إصلاحات اقتصادية واجتماعية أكثر شمولاً، ما يحقق التوازن بين الاستقرار المالي وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وفق الالتزامات الدستورية والدولية للدولة التونسية.