منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين أليتو وكاغان… حين يتقاطع العِرق بالسياسة

27 يونيو 2026
أدلى القاضيان صموئيل أليتو وإيلينا كاغان بشهادتهما أمام لجنة تابعة للكونغرس في واشنطن في 7 مارس
أدلى القاضيان صموئيل أليتو وإيلينا كاغان بشهادتهما أمام لجنة تابعة للكونغرس في واشنطن في 7 مارس

جيسون ويليك

في ديمقراطية متعددة الأعراق كالولايات المتحدة، لا يمكن فصل العِرق عن السياسة. فالمواقف التي يتبناها السياسيون، والسياسات التي يدافعون عنها، سواء تعلق الأمر بالضرائب، أو إعادة توزيع الثروة، أو قوانين التصويت، أو ترسيم الدوائر الانتخابية، أو الهجرة والحدود، تتأثر أحياناً باعتبارات عرقية وإثنية. وقد وجدت المحكمة العليا نفسها، في حكمها الصادر الخميس بشأن قرار الرئيس دونالد ترامب إلغاء الحماية المؤقتة من الترحيل للمهاجرين الهايتيين، أمام هذا الواقع المربك.

كان السؤال الجوهري المطروح أمام القضاة هو: إذا اتخذ الرئيس قراراً سياسياً يمكن تبريره قانونياً، لكن توجد أدلة تشير إلى أنه اتخذه بدافع غير مشروع، فهل يصبح القرار نفسه غير مشروع؟

أغلبية المحكمة المحافظة المؤلفة من ستة قضاة أجابت بالنفي، أو على الأقل في معظم الحالات.

أما القضاة الليبراليون، فرأوا أن الدافع العنصري، أو حتى النوع الخاطئ من الاعتبارات العرقية، يكفي لجعل سياسة هجرة مشروعة في ظاهرها مخالفة للدستور.

أجد نفسي أميل إلى موقف المحافظين، ليس لأنني أعتقد أن دوافع السياسيين نقية، بل لأنني أرى أنها غالباً ما تكون مختلطة إلى حد يجعل مطالبة القضاة بتمحيصها بحثاً عن شوائب النوايا مهمة شبه مستحيلة. ومع ذلك، فإن السجال الذي دار بين رأي القاضي صامويل أليتو، ممثل الأغلبية، واعتراض القاضية إيلينا كاغان، كان يحتاج إلى قدر أكبر من الواقعية من الطرفين.

تنطلق كاغان من قناعة بأن العداء العنصري كان حاضراً في قرار إدارة ترامب إلغاء وضع الحماية المؤقتة الذي منحته إدارة أوباما للهايتيين المقيمين في الولايات المتحدة. وتشير إلى أن الأدلة التي قدمها المدعون تضمنت تصريحات للرئيس “بشعة ومشحونة بالعنصرية إلى درجة أن الأغلبية فضلت عدم تضمينها في الحكم”.

لكن كاغان أوردتها كاملة، ومنها ادعاءات ترامب بأن الهايتيين “يأكلون الكلاب والقطط وحيوانات السكان الأليفة في سبرينغفيلد بولاية أوهايو”، وأنهم “يأكلون أشياء أخرى أيضاً لا ينبغي لهم أكلها”، وأنهم “على الأرجح مصابون بالإيدز”، وأن هايتي “دولة قذرة ومقززة”، وأن الهجرة الهايتية “تشبه أمنية بالموت لبلادنا”، وأن المهاجرين الهايتيين، إلى جانب آخرين، “يسممون دماء البلاد”، متسائلاً: “لماذا نستقبل أشخاصاً من دول قذرة مثل هايتي والصومال، ولا نستقبل مزيداً من النرويجيين أو السويديين؟”

سيكون من السذاجة الادعاء بأن هذه التصريحات التي أطلقها ترامب خلال حملته الرئاسية عام 2024، تخلو من أي مضمون عنصري. ومع ذلك، فإن رأي أليتو لا ينكر ذلك صراحة، بل يؤكد أن أياً من تلك التصريحات “لم يكن عنصرياً بشكل مباشر”، وأنها جميعاً عبرت عن مواقف سياسية يمكن تبريرها بأسباب لا علاقة لها بالعرق.

كما ترفض الأغلبية الادعاء بأن المهاجرين غير البيض هم وحدهم من استُهدفوا، مشيرة إلى أن معظم الدول التي استفادت من برنامج الحماية المؤقتة هي من بين أفقر دول العالم، ولا توجد أي دولة أوروبية ضمن هذه الفئة.

أليتو محق في نقطة أساسية: فتبني سياسات متشددة تجاه الهجرة لا يعني بالضرورة أن أصحابها مدفوعون بالعنصرية. وقد بالغ كثير من أنصار سياسات الهجرة المنفتحة في اتهام خصومهم بالتعصب. لكن في المقابل، فإن سياسات الهجرة الواسعة قد تجعل الخطاب العنصري أكثر جدوى من الناحية السياسية بالنسبة للتيار الداعي إلى تقييد الهجرة، وهذا أمر عرفته الولايات المتحدة مراراً، سواء في بدايات القرن العشرين أو خلال حقبة ترامب.

في نهاية المطاف، لا يوجد ما يحد من لجوء السياسيين إلى إثارة الغرائز الدنيا في الحملات الانتخابية سوى حسهم الأخلاقي وحس المجتمع نفسه.

ويعترف أليتو بأن الخطاب السياسي الصادر عن الشخصيات العامة أصبح يستخدم تعبيرات كانت ستثير صدمة الرأي العام قبل سنوات قليلة فقط، وأن التصريحات المتعلقة بهايتي والمهاجرين الهايتيين تمثل مثالاً واضحاً على هذا التدهور.

ومع ذلك، لا يبدو مقنعاً اختزال هجوم ترامب على الهايتيين باعتباره مجرد عرض من أعراض الانحدار العام في مستوى الخطاب السياسي. وإذا كان هناك مبرر قانوني لتجاهل تلك التصريحات، فهو أن السياسات المنفتحة على الهجرة غالباً ما تُسوَّق بلغة أخلاقية جميلة، رغم أنها قد تفضي إلى نتائج سيئة وغير شعبية. وإذا جرى تعطيل سياسات تقييد الهجرة بسبب الخطاب القومي أو العنصري الذي سبقها، فإن ذلك سيمنح أفضلية دائمة لسياسات الهجرة المتساهلة، بصرف النظر عن إرادة الناخبين، وهي وصفة لا تساعد على استقرار النظام الديمقراطي.

تتبنى الأغلبية المحافظة في المحكمة فكرة الدستور “الأعمى تجاه اللون”،

وهو هدف نبيل من الناحية النظرية، لكن الواقع السياسي أكثر تعقيداً، إذ إن سياسيي الحزبين مستعدون لاستخدام الاعتبارات المرتبطة بالهوية والعرق كلما ساعدتهم على كسب الأصوات. فالسياسة القائمة على الهوية لا تزال قادرة على تحريك الناخبين، ولذلك يبدو رأي أليتو بعيداً عن هذا الواقع، تماماً كما تبدو معارضة كاغان كذلك.

فكاغان ترى أن استخدام الرئيس للاعتبارات العرقية، حتى لو كانت مجرد عامل واحد من بين عوامل عديدة، يوجب على القضاء إبطال القرار. ولو أُخذ بهذا المنطق، لأصبحت المحكمة العليا مشرفة على مساحات واسعة من الحياة السياسية، ليس في قضايا الهجرة فحسب، بل في ملفات لا حصر لها.

ولهذا، يبقى الخيار الأكثر أماناً هو أن تحاكم المحاكم السياسيين على أفعالهم، في حين تترك للناخبين مهمة الحكم على نواياهم.

نقلاً عن واشنطن بوست

Picture of hannasaleh
hannasaleh
كاتب صحفي لبناني
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print